في خدمة الإسلام دعويا وسياسيا – مقاربة الرسالية/د. المختار كاكيه

1/ الرسالية – رسالة الأمة والرسائل الفرعية الخاصة:
تنطلق مقاربة الرسالية من وجود رسالة واحدة كبرى، هي رسالة الأمة. قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله).
وأنه يجب -لخدمة تلك الرسالة- أن تنفر طوائف مختلفة، ويتحرك أفراد من مواقع متعددة. كل له رسالته الفرعية الخاصة، التي ينبغي أن تراعي ما حباه الله به من مواهب ونعم.
وليس ثمت مشروع شامل وحيد، عند طائفة معينة، أو فرد معين، يجزم أي منهما بإنه الحق المتمحض؛ وإنما حسبه أن يكون اجتهد في طلب الحق.
والرسائل الخاصة للطوائف والأفراد من شأنها التعدد والاختلاف فرعا عن شمولية الإسلام لمناحي الحياة المتعددة، وعن سنة الاختلاف بين البشر. وشمولية الإسلام لا تستلزم أصلا شمولية الرسائل الخاصة لكل عامل من العاملين للإسلام.
وبذلك تستطيع الأمة الاستفادة من جميع طاقات إبنائها، من خلال التخصص والتكامل فيما بينهم، مع حرص كل عامل للإسلام على الجمع بين شرف الغاية وشرعية الوسيلة، فإنه مطالب باتخاذ الأسباب وبذل الجهد وليس محاسبا على حصول النتائج.

2/ أهمية الرسالية للعاملين للإسلام
عندما تصبح الرسالية هي سمة كل العاملين للإسلام، ويلتزم كلهم بالجمع بين شرف الغاية وشرعية الوسيلة، ويحسنون الظن ببعضهم البعض، ويحسنون الظن بالله أن يجعل الجنة موعدهم أجمعين؛ سيتحرر كثير من الطاقات التي تهدرها اليوم طوائف من العاملين للإسلام في الجدل فيما بينها حول أي رسالة خاصة (منهج تغيير) هو الأولى بالاتباع.

3/ الأولوية المطلقة للدعوة:
قل من سينازع في أن الأولوية المطلقة للدعوة، ولأولوية إصلاح الأنفس على إصلاح الأنظمة، حيث يجب نشر الدعوة الإسلامية وترسيخها في المجتمع، بما فيها ذلك إعداد طليعة مؤمنة بتربية متكاملة الأبعاد سيكون عليها الرهان في قيادة الأمة.

4/ أهمية العمل السياسي في سياقنا المعاصر:
يثبت واقع العالم الإسلامي اليوم خطر إهمال العمل السياسي، وتظل الآمال معقودة على المشاركة السياسية المتاحة :
في حد أدنى لتحييد الضرر عن طريق انتشار الدعوة وترسخها، باعتبار حسم أولوية الدعوة وكونها رهانا أكبر؛
وفي حد أعلى لزيادة إسلامية الأنظمة القطرية، تمهيدا لاستعادة الوحدة الإسلامية، إيمانا قبل ذلك وبعده ببشارة الله للأمة أنها ستخرج يوما من المرحلة الجبرية إلى مرحلة عودة الخلافة الراشدة.
وبين الحدين والأملين، اجتهادات أخرى مختلفة في مستوى المشاركة السياسية المطلوبة والممكنة.
ولو استحضر من عزفوا عن السياسة واكتفوا بخدمة الدعوة من العاملين للإسلام حصيلة التمكين للإسلام من خلال العمل السياسي في كثير من الدول؛ لما أهملوا السياسة إهمالا تاما.

5/ نحو بلورة ضوابط شرعية للعمل السياسي في سياقنا المحلي:
إضافة إلى تبني الرسالية كمقاربة استيراتيجية واعية للعمل الإسلامي، والجمع -مع ترتيب الأولويات- بين العملين الدعوي والسياسي، يمكن -بالاسترشاد بكلام أهل العلم في بلادنا حفظهم الله- رصد مجموعة من الضوابط المهمة للمشاركة السياسية، على نحو أعانني شخصيا وأحسبه سيعين الكثيرين غيري في ترشيد تلك المشاركة:

أ) بداية، للمشاركة السياسية خيارات رئيسية كبرى حسب ما يتوسم فيه صاحب رسالة العمل للإسلام المصلحة الأكبر:

  • فقد تكون المشاركة السياسية تعاطيا واعيا عاما مع الشأن السياسي، وقد تأخذ شكل المشاركة الحزبية.
  • وقد تكون المشاركة السياسية من خارج النظام القائم كما تكون من داخله؛ ففي مقابل تجربة ناجحة كتجربة أربكان رحمه الله في تركيا التي تمثل نموذج الإصلاح من خارج النظام القائم، نجد تجربة أخرى ملهمة هي تجربة مهاتير محمد بماليزيا حفظه الله التي مثلت في بدايتها نموذج الإصلاح من داخل النظام القائم.
    وكلتا التجربتين أوصلتا إلى مستوى معتبر من التمكين.
    وبخصوص العمل من داخل الأنظمة الحاكمة تحديدا، تُروى لنا كلمة للشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله يشبه فيها حال العاملين للإسلام من داخل الأنظمة الحاكمة بالتجار؛ فهم تجار للإسلام، ويعظم ربح العمل الإسلامي بقدر ما تكون المصالح التي تجلب من خلاله كبيرة والمفاسد قليلة.

ب) تبقى أملا كبيرا استجابة العلماء لدعوة الشيخ عبد الله بن بيه لهم بأن يسعوا إلى وحدة الصف ونبذ التفرقة، حيث قال إن على العلماء تطبيق كلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهي “أفيضوا مجالسكم بينكم”، مطالبا باجتماع العلماء ولقائهم الدائم، وابتعادهم عما أسماه منهج “الاتجاه المعاكس”، ومحذرا من إعطائهم فرصة للإعلام لضرب بعضهم ببعض.

ج) في البحث عن مساحة المشترك، وجه رئيس حزب الفضيلة الشيخ عثمان ولد الشيخ أبي المعالي مرة دعوة لجمع من القادة السياسيين في البلاد، حذر فيها مما سماه “الانطواء التام بين الأطراف السياسية”، ودعا إلى التواصل بشكل مستمر، وحرص على لفت الانتباه إلى وجود الكثير من القواسم المشتركة بين الطيف السياسي الموريتاني مثل الأمن والوحدة والتنمية.

د) بخصوص الاشتغال بالسياسة، وما أثير حوله وحول أثره على الدعوة، يؤكد الشيخ محمد الحسن ولد الددو أن مفاسد ترك الاشتغال بالسياسة لا تقل عن مفاسد الاشتغال بها؛ لأن جرة قلم من السياسة تستطيع أن تضيع جهودا دعوية كثيرة، وقد شاهد الناس في بعض الدول كيف أُغلقت المساجد، وغُيرت المناهج، وأُحل ما حرم الله وحُرم ما أحل الله. ولكنه يوضح أن ذلك لا يعني أن يحول العمل كله سياسيا، ويترك العمل الدعوي، بل لا بد من الموازنة، بحيث لا يلهي بعض الواجبات عن بعض؛ فالمطلوب هو القيام بالحق الواجب مطلقا والموازنة.
وحول الأثر السلبي للسياسة على المكاسب التربوية للمشتغلين بها، والوقاية من ذلك وعلاجه، ينصح الشيخ محمد الحسن ولد الددو المشتغلين بالسياسة بأن لا يغفلوا عن أنفسهم، وأن يهتموا كثيرا بالجانب التعبدي، وبالصدق والعفاف في ألسنتهم، وأن ينوروا بصائرهم بنور الله في خلواتهم فيما بينهم وبين الله، وأن يصدقوا في التعامل معه ويتوجهوا إليه ويدعوه كثيرا ويسألوه. كما يبرز حاجتهم إلى دورات تربوية مكثفة لعلاج ما يتسلل إلى طباعهم بفعل فساد كثير ممن يخالطونهم، ويبين أن من دخل هذا المعترك لا بد له أن يتسلح، وإذا ذهب إليه بغير زاد إيماني كان كساع إلى الهيجاء بغير سلاح.

ه) للشيخ عبدالله ولد أمينُ نصيحة جليلة في بيان كون كل من الموالاة والمعارضة موقف نسبي، بحسب الصواب والخطأ، وليس أي منهما موقفا مطلقا؛ ويقول فيها: “البعض يظن أن مقتضى كونه من الموالاة أن يدافع عن كل ما يصدر من السلطة ويستصوِبه، ولو كان من أَبْيَن الخطأ وأقبح الخطل، حتى تجد بعضهم يتكلم أو يكتب وكأنه الناطق الرسمي باسم الحكومة، كما أن بعض المعارضين يرى أن مقتضى المعارضة أن يرفض كل ما يصدر عن السلطة ويستقبحه ولو كان بيِّن النفع جلي السداد.

و) وقد أفاد الشيخ محمد بن بتار بن الطلبة في بيان جملة آداب أخرى مهمة عند ممارسة السياسة في مواسمها المتكررة؛ فقال:
بِروحِ الهُدى خُضْ في السِّياسةِ نابِذًا۞
خَنَا القوْلِ ، أوْ خَلِّ السِّيَّاسَةَ جَانِبَا
ولا تَطْوِ ممَّنْ لمْ يُطِــــعْكَ مَحَــاسِنًا۞
لِتُـــــذْكرَ ، أوْ كَــيْ تَسْتَــجِدَّ مَثَالِبَا
فَإِنْ أَمْكَنَتْ مِن غيبةِ الخَصْمِ فُرْصَةٌ۞
فَلَيـــــسَ الذي تَدْعُو لِنَصْرِكَ غائبَا
وكُنْ في سَنَا جَوِّ النِّضَــــالِ مُنافِسًا۞
ولا تَكُ في صَفِّ العَدَاءِ مُنَاصِــبَا
فَلَسْــنَا لأعْـــــدَاءٍ نُـــعِدُّ و إنـَّـــــــما۞
نُواجِـــــــهُ أحْبــــابًا لنا و حَبَـــائِبا
ولَوْ سَاعَفَ المَقْدُورُ ما انشقَّتِ الْعَصا ۞
ولكِنَّــــهَا الأَيَّامُ تُبـــدي العجائبا
و ليْــــسَ عليْـــنا جَعْلُــــهم ذَنَبًا لَنَـــا۞
ولكِنْ عليــــنا أن نَكــــونَ ذَوائِبا
مَنَاصِبُ دُنْـــيَانَا إذا هِــــيَّ لمْ تَكُـــنْ۞
مَطــــايا لأُخْرانا تكونُ مَصــــائبَا.

زر الذهاب إلى الأعلى