في الصّيد التّقليدي.. صفقة البحّار والتّجّار/د. محمدٌ محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
في مناطق الصيد التقليدي (البحري) تعم البلوى – أو تكاد – بمعاملة تربط البحّار بالتّجار العاملين في ميدان شراء الأسماك ومعالجتها وتبريدها ثم بيعها، أثارت كثيرا من الأخذ والرّد حول حقيقتها وتصوّرها واقعا ثم حول الحكم الفقهي عليها؛ تخريجا لجوازها أو تصحيحا لمسارها بالتعديل “العملي” في حيثياتها أو تحريما لها بشكل مطلق؟؟

أولا: التكييف
تقوم هذه المعاملة على خطوات مؤثرة؛ من أهمها:
١. يتقدّم البحّار – وهو لا يملك إلا خبراته واستعدادَه، غالبا – بطلب التمويل والتعامل مع التّاجر، بغية الحصول على سفينة ومعدات وبنية تحتية تمويلية، تسمح له باستغلال خبراته واستثمار قدراته، في الصيد التقليدي.
٢. يستجيب التّاجر الرّاغب في الحصول على مورد مستقرّ لمادّة تجارته (وأحيانا في سوق لبيع سفنه ومعدّاته) فيلتزم (بل يقوم) بتوفير التالي:
أ. سفينة بكامل معدّاتها مع أدوات الصيد من شباك ونحوها (يبيعها رابحة للبحّار ويسجل ثمنها عليه دينا)
ب. الميزانية التسييرية لعمل البحّار وفريقه (سلفا لهم يسجّل عليهم) بل توفير ما يجتاجون إليه في حياتهم اليومية من سُلف.
٣. في المقابل.. يلتزم البحّار بالتالي:
أ. توطين عائدات عمل البحّار القائد وفريقه لدى التّاجر المموّل؛ من خلال اعتماه نقطة بيع حصرية (لا يبيع كميات الأسماك لغيره) ليقتطع التاجر منها نسبة متفقا عليها من الديون ويدفع له الباقي، حسب الاتفاق.
ب. أن يحسم له من كل حمولة حسما معينا (يبيع له بسعر منخفض عن السوق، أو يتنازل له عن نسبة معينة من كمية السمك، أو هما معا)
هذه هي أهمّ الخطوات والالتزامات المؤثرة في الصفقة
التي تكون نتيجتها النهائية؛ حصول بيع سفينة ومعدّات بسعر مرتفع إلى أجل، مع الاستعداد لتوفير سلف عند الحاجة.
في مقابل قضاء هذا الدّين أقساطا محدّدة والتزام بحصر البيع على المموّل وبسعر منخفض، او مع تنازلات مجانية عن كميات من الأسماك.

ثانيا: مرجّحات جواز الصفقة
١. المصالح المتحقّقة للطّرفين:
أ. الصياد: الذي يدخل الصفقة وهو – في الغالب – صعلوك لا مال لديه، ثم يخرج وهو يمتلك سفينة مجهّزة بمعدّات كاملة وبنية تحتية ملائمة لتوظيف خبراته؛ ليقضي دينه ويرفع من مستواه المعيشي وينفع أسرته ووطنه وأمته (دخل مكتب التّاجر فقيرا وخرج في عداد الأغنياء المنتجين)
ب. والتاجر: الذي باع سلعه وأصوله بربح، وحصل على مورد شبه دائم لمادّته التي يتاجر فيها (الأسماك) وبسعر منافس.
٢. التراضي القائم بين طرفي الصفقة مما يقلل احتمال إفضائها إلى النزاع، لذاتها.
٣. استقرار هذه المعاملة وعموم البلوى بها وارتباط مصالح عامّة البحّارة وتجّار المجال بها.
٤. قيامها على أساس بيع السفينة والمعدّات دينا، ثم ترتيب ضمانات لاستيفاء ذلك الدّين أقساطا.

ثالثا: منغّصات الحكم بجوازها
١. وجود شرط (في بيع السفينة) يُلزم البحّار بالبيع الحصري للتّاجر المموّل، وهو شرط يقرب من منافاته لعقد البيع أصلا (يقتضي البيع نقل ملكية المبيع للمشتري وحرية تصرّفه فيه)
٢. وجود شرط – أو عرف – يقتضي تخفيض سعر بيع الأسماك للتاجر المموّل (بالدَّين) وأحيانا إهداءه نسبة من كميات الأسماك، وهو ما يشكّل “هدية مدين لدائنه”
٣. وجود شرط البيع الحصري مع ترتيب حيثيات هذا البيع مقدّما – تعاقدا أو عرفا – وهو ما يشبه وقوع “بيعتين في بيعة”
٤. القروض التي يقدّمها التاجر (رأسَ مالٍ عاملا أو ضروريات وحاجات للبحّار القائد وفريقه) يشبه أن يكون بغرض الانتفاع ببيعهم له

رابعا: تصحيح الصفقة المقترح
انطلاقا من كون الأصل في المعاملات الإباحة، واستحضارا لما تقرّر فقها من تصحيح ما تعمّ به البلوى من معاملات الناس؛ ما وجدنا لذلك سبيلا فقهيا مقبولا، وما عرف عن الإمام مالك من اعتبار المصالح والبعد عن أن “يحرّم على الناس معايشهم” واعتمادا على مرجّحات جواز الصفقة في النقطة “ثانيا” أعلاه…
ثم انطلاقا – كذلك – من قيمة طيب مكسب المسلم في الشريعة الإسلامية (بركة لماله واستجابة لدعائه وقبولا لصدقته) واستحضارا لخطورة أكل الربا أو الشهادة عليه (مَحقا للمتحقق من أرباحه وعائداته، وأذانا بمحاربة الله جلّ وعلا، ورسوله – صلى الله عليه وسلّم، ووقوعا في إحدى الموبقات…) واستصحابا لأهمية إزالة منغّصات الحكم بجواز الصفقة في النقطة “ثالثا” أعلاه…
فإنني أرى تصحيح هذه الصفقة بالتعاطي مع خطواتها العملية والتزاماتها المؤثرة على النّحو التالي:
١. بيع السفينة والمعدّات:
وهو بيع بالثمن الآجل؛ مرابحة كان أو مكايسة. وهو أمر لا غبار عليه. إن شاء الله تعالى.
٢. توطين عائدات عمل السفينة ومعدّاتها لدى التاجر الدّائن: وهو أمر يمكن تخريجه على ما استقرّت عليه فتاوي الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية، من جواز توطين راتب الموظف المدين للبنك أو توطين عائدات المناقصة أو المصنع – محلّ المعاملة – في حساب المدين، تحوطا من المخاطر الائتمانية في الصفقة.
وإذا لم يكن من طريق لهذا التوطين إلا حصرية البيع للتّاجر، مع حرية البحّار المدين في وضع الثمن المعروف دون محاباة – ملتزمة أو معروفة عرفا – للدائن (مما ستعالجه النقطة الموالية) فلا أرى أمرها إلا خفيفا.
٣. البيع بأقلّ من سعر السّوق أو تقديم هدايا من الأسماك:
يعتبر التزام البحّار (المدين) بالبيع بأقلّ من سعر السوق أو التزامه بالتنازل عن كمية (دورية) من الأسماك – مجّانا – لصالح التاجر الدائن، التزاما ينبغي شطبه من الصفقة بشكل نهائي؛ ابتعادا عن أكل أموال الناس بالباطل، وخوفا من الوقوع في “إهداء المدين لدائنه” ومحاباته، مما هو قريب من دفع المال مقابل تأخير الدّين! وخوفا من تقوية شبهة المنغص المذكور في النقطة الموالية أعلاه.
٤. القرض الحسن من التاجر للبحّار القائد وطاقمه:
ما تجري به العادة من تقديم التاجر المموّل لقروض (سلف نقدية بدون فوائد) للبحّار القائد وطاقمه؛ رأسَ مال عاملا أو ضروراتٍ واحتياجاتٍ شخصية، يدخل في إطار اختلاف الفقهاء في القرض إذا جرّ نفعا للطرفين معا، تبعا لقوة انتفاع كل منهما بالقرض. وما تدعو إليه الضرورة من ذلك، وانظر الكفاف وشرحيه، عند قول النّاظم رحمه الله تعالى:
“والقرض إن كان لنفع من دفع.. فقط فبالإجماع منهم امتنع
وامنعه حيث انتفعا به معا.. ما لم يقلّ نفعه من دفعا
حتى كأن نفعه لم يقصد.. أو يلجئ الضرُّ لذا التعاقد
ففيه بين العلماء قد جرى.. قولان أشهرهما أن حظرا”
ومن جميل الصّدف أن الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم – في شرحه للأبيات – قد عزا للتسولي – متحدّثا عن السفتجة، وهي سلف ينتفع به الطرفان – قوله: “وحينئذ لا يشوّش على الناس بالمشهور؛ إذ لهم مستند في جواز ذلك. ولا ينكر على إنسان في أمر مختلف فيه”
٥. ضربت صفحا عن منغّص شبهة وجود “بيعتين في بيعة” لمقترحي التصحيحي بإلغاء اشتراط البيع بأقلّ من الثمن (وبالأحرى عن شرط التنازل المجّاني للمدين) ولخروجه عن حدّ الفقهاء لحقيقة “بيعتين في بيعة”

خامسا: الخلاصة
تصحيح المعاملة؛ لعموم البلوى وحصول المستندات الفقهية (ولو كان بعضها مقابل المشهور) بشرط إلغاء شرطيْ:
١. بيع البحّار ممتلكاته (كميات الأسماك) بأقلّ من الثمن المعتاد.
٢. التنازل المجّاني من طرف البحّار (المدين) عن نسبة من كميات الأسماك لصالح التّاجر (الدّائن)
والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى