الشريك المضارب/ د.محمد محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
في إحدى المجموعات المتخصصة في الفتوى، ورد سؤال هذا منطوقه:
“سائل يسأل: عن شريكين في دكان يعمل فيه أحدهما ويأخذ نسبة 25 % من الربح مقابل عمله و 50% مقابل سهمه من رأس المال. فهل يصح هذا؟ هل يستطيع أن يأخذ نسبة مقابل إدارته للمشروع ونسبة أخرى من الربح مقابل سهمه من المال؟”
فكانت مني محاولة للرّد على السائل في تدوينات أحببت إشراك أصدقاء الصفحة فيها (شراكة لا تتضمن مضاربة) فكان مضمون محاولة الردّ على الوجه التالي:

لم لا نصحح هذه المعاملة؛ على أساس أن الرجلين عقدا عقد شركة وافتتحا دكانا.
ثم تعاقدا – ممثليْن لهذه المؤسسة بشخصيتها الاعتبارية – مع أحدها مضاربة/ قراضا، للعمل في هذه الشركة بربع ربحها الخالص.
فيكون العامل مستحقا لنسبة ٢٥% من مجموع الربح الخالص وما بقي (٧٥%) من الربح، يكون من حق الشركة (الدكان) ويكون مناصفة بينهما ضرورة؛ للشركة!
وهذه معاملة يكثر حدوثها، بحيث يكون أحد الشريكين أو الشركاء خبيرا بالسوق والتجارة فيعمد الناس للشراكة معه.
وحين تعقد الشركة يتعاملون معه باسم الشركة مضاربة وكأنه أجنبي على الشركة.
هذا مع العلم أن خمسين في المائة التي يأخذ من الربح (حسب السؤال) ينبغي أن تكون من صافي الربح بعد حصة عامل القراض (٥٠% من ٧٥% من الربح الإجمالي) أي أن القسمة النهائية الفعلية ستؤول إلى أن حصة الشريك العامل ستكون ٦٢.٥ % مقابل ٣٧.٥% لشريكه (نصف ٧٥% المتبقية بعد اخذ المضارب لحصته)
وحول الترجيح بين احتمالي أن يكون السائل متمذهبا بمذهب معين لا يريد إفتاءه بغيره، أو منفتحا على مذاهب غير المذهب السائد في بلده؛ أسجل الملاحظات التالية:
١. لا نفترض في السائل أن يكون لديه من التّرف العلمي والمهني ما يجعلنا نتوقف على جواب منه لاختيار أحد الاحتمالين؛ بل نتوقعه مسلما من عامة المسلمين يسأل عن حكم معاملة تعرض له دون أن يكون متخصصا ضرورة، وبالتالي فهو يحمّلنا مسؤولية تقديم الحل والمخرَج الميسّر له في أفق ما تقتضيه الأدلة الفقهية (يسّروا ولا تعسروا) ولو كان الأمر متعلقا بإحدنا فله أن يأخذ بالأحوط وأن يتورع في ذلك.
٢. المعاملات المالية والمقاربات الاقتصادية الحديثة، بما لها من تعقيدات عملية وإكراهات قانونية ومهنية وما يكتنفها من مخاطر مختلفة تتعزز بسعة جغرافيا تطبيقاتها وضخامة مبالغ أرقام أعمالها… قد أرغمت مؤسسات الاجتهاد الجماعي المعاصر (المجامع الفقهية والهيئات الشرعية) على التنازل عن اشتراط المذهب الواحد للفتوى لحل إشكالاتها ومواكبة منتجاتها وخدماتها؛ هيكلة وهندسة وتكييفا وتخريجا فقهيا…
٣. لم أكن أتصور أن أنواع الشركات وصنوف الشراكات أمور “توقيفية” لا يجوز منها إلا ما يمكن إدراجه تحت المفاوضة أو العنان… مثلا!
بل كنت أعتقد أن مبدأ الشركة أمر جائز وأن ما توصّل إليه العقل البشري من أنواع الشركات وصنوف الشراكات مما لا يجرّ لربا أو ظلم (أكل لأموال الناس بالباطل) ولا غرر مؤثر أو ممنوع شرعا غيرها، يعتبر أمرا جائزا، تحت عموم إباحة الشركة ولاعتبار أن الإباحة هي الأصل في المعاملات.
٤. الشخصية الاعتبارية والمسؤولية المحدودة في الشركات القائمة عليها (محدودية مسؤولية الشركاء في حدود أسهمهم) أمور واقعية؛ راعتها الاجتهادات الفقهية الحديثة وانطلقت منها وخرجتها على فروع فقهية قديمة:
أ. خرجوا الشخصية الاعتبارية (ليس لها وجود إلا في الذهن أو في القانون) على ما كان من “بيت المال” تحملا ومداينة وذمة مالية مستقلة عن ذمة الشخص العادي الآمر بالصرف في الدولة… وما كان من ناظر الوقف باسم الوقف (شخصية تلتزم وتلزم) كذلك.
ب. كما خرجوا محدودية المسؤولية على ما كان في المضاربة/ القراض، كذلك من عدم تعدي المطالبات لأموال رب المال عند انهيار المضاربة.
٥. أرجو أن يكون التعامل مع أحد الشركاء مضاربة/ قراضا على العمل في الشركة، محققا لمطلب “تساوي الشركاء في العمل والربح” المطلوب في المذهب المالكي؛ ذلك لأنني أرى أن خلفية هذا المطلب هي تحقيق العدل بين الشركاء والانحياز للجانب الأضعف الذي قد يقبل تولي العمل مقابل مجرد قبول الطرف الثاني للشراكة معه. فإذا انعقدت الشركة ثم تعاملت معه الشركة (أقول بشخصيتها الاعتبارية التي تعبر عنها الجمعية العمومية الممثلة بالمساهمين) على أن يقوم بالعمل مقابل جزء من الربح (قراضا/ مضاربة) تحقق العدل وتساوى الشركاء في العمل والربح فعلا؛ لأن ما استحقه الشريك بوصفه مضاربا/ عامل قراض، وما بذل من جهد كان بصفة أخرى غير صفة الشريك.
هذا.. وإن هذه الصفقة منصوصة الجواز لدى الحنابلة؛ كما حكى ابن قدامة في المغني، عند قول الخرقي: “وإن اشترك بدنان بمال أحدهما، أو بدنان بمال غيرهما، أو بدن ومال، أو مالان وبدن صاحب أحدهما، أو بدنان بماليهما – تساوى المال أو اختلف – فكل ذلك جائز” المغني، الطبعة: ٤، ١٩٩٩م: ٧/١٢٠.
حيث قال (ابن قدامة) شارحا: “… القسم الرابع، أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما، فهذا يجمع شركة ومضاربة. وهو صحيح…” المغني: ٧/١٣٤ (المصدر السابق)
والله تعالى أعلم
د. محمدّ محمد غلام

زر الذهاب إلى الأعلى