“الاعتقاد بين الحرية والحماية “/ الشيخ محفوظ أبراهيم فال

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
من الأمور الشائكة التي خاض فيها الناس هذه الأيام مسألة حرية الاعتقاد، وعانى هذا الموضوع من خطابين خاطئين على تفاوتهما في الخطأ والخطر.
ـ خطاب جهلة المتدينين.
ـ خطاب فجرة المتحررين.
والسبب في خطأ الخطابين فقد التمييز بين أمرين متباينين هما :
ـ حرية الاعتقاد.
ـ حماية الاعتقاد.
وذلك ما قصدت تحريره في هذا المقال مستعينا بالله تعالى.
أولا : حرية الاعتقاد
من البدهي في التصور الإسلامي الاحتفاء بالحرية، واعتبار الإرادة والاختيار منة الله على الإنسان، امتاز بها عن غيره من المخلوقات، وهي مناط ابتلائه وتكليفه، فلا يكلف الإنسان إلا حين يكون عاقلا مختارا مريدا، بخلاف المجنون والمكره والناسي أو الغالط، والنصوص في ذلك وقواعد الدين وتطبيقاته معلومة.
وقد بعث الله رسله مبلغين للدين مقيمين للحجة قاطعين للمعاذير، ” لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا “، ” وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا “.
ولم يجعل لهم دورا في جبر أحد ولا إكراهه ولا حسابه، وسينقسم الناس تجاه دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، إلى طائفتين رافضين وقابلين ولكل معاملته في الإسلام في حالة الرفض والكفر عافانا الله، فإن دور الرسل وأتباعهم أن يخاطبوا عقولهم بالحجة والبرهان وقلوبهم بالتذكير بآلاء ربهم ونعمائه ويؤدوا فريضة البلاغ والبيان ، دون أن يفرض عليهم الإسلام اعتقادا أو سلوكا.
ويكفي المسلم حاكما ومحكوما تجاه هذا المجتمع أن يبلغ بالحكمة والموعظة الحسنة، ويترك أمرهم إلى الله إن شاء عاقبهم في الدنيا وإن شاء أخرهم لوعده الحق وفصله العدل.

وفي هذا السياق جاءت آيات تخاطب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ “، ” أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ “، ” فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ “، ” وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ “، ” فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ “، ” إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ “.

وليس بين هذه الآيات وآيات الجهاد القتالي تعارض، فليس من أهداف الجهاد أن يفرض الإسلام على الكافرين، بل لتحرير المستضعفين من المؤمنين أو رد عدوان المعتدين، فأمر الله بالقتال حتى لا تكون فتنة عن الدين قال الله تعالى(( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ )) ولا عدوان على المسالمين، وأمرنا بالبر والقسط للمسالمين، ولم يجعل لنا سبيلا على من اعتزلنا وألقى إلينا السلم، “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، ” فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا “.

وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلة قتال الكفار حين وجد امرأة مقتولة فأنكر على قاتلهابقوله ؛
{{ ما كانت هذه لتقاتل }}
وهذا نص على علة قتال الكفار كما قال بعض الفقهاء ولو كانت العلة الكفر لقتلت النساء والراهب المعتزل في صومعتهم الذين نهي عن قتلهما

ثانيا: حماية الاعتقاد
أما في الحالة الثانية حين تستجيب أمة للإسلام وترضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وتكون غالبيتها على ذلك فإن الإسلام يحمي لها اختيارها ويحرس لها عقيدتها ومبادئها، بل يوجب عليها ذلك ويعتبره مقتضى إيمانها ولازم اختيارها، ويفرض عليها أن تختار منها من يحكم شرع الله ويقيم قانونه، ويحمي أخلاقها ويحفظ خصوصيتها وهُويتها، ولا يقبل حينها للأمة ولا لحكامها أن تترك العابثين يعبثون باختيارها وينقضون مقوماتها، ويزلزلون يقينها ويدنسون طهرها ويوهنون مناعتها ويلوثون بيئتها.
وفي هذا السياق يأتي حد الردة بتفاصيل أحكامه وضوابطها وإقامة الحدود ـ مع أن التسليم المبدئي والتقرير النظري لا يلغي مراعاة الواقع عند التطبيق والتنزيل ـ ليس إكراها للمرتد على الدين ولا إلزاما للفاجر بالاستقامة، وإنما حماية لاختيار الأمة ومحافظة عليها.
وهل في الأرض أمة لا هوية لها ولا مقدسات ولا خصائص ولا أمنا قوميا تعتبر خروج أفرادها عليه خيانة عظمى ، دون أن تفرضه على من لم يرضه في الأصل ممن يبقى على كفره وانتمائه.
ولا تكلف الأمة هنا حكاما ولا محكومين أن تُنقِّب عن القلوب ولا تفتش البيوت بل منهية عما دون ذلك من تجسس وسوء ظن وابتغاء الريبة.
وتُعرض عن المنافق معلوم النفاق ما لم يعلن الكفر وتتغافل عن أهل الكبائر ما استتروا وحساب الجميع على الله، وهنا نجد أغير الخلق على حرمات الله صلى الله عليه وسلم يقول لمن رق دينه واستهواه الشيطان “من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله”.
ومن هنا يعلم أن إعلان الكفر في مجتمع مسلم ليس حرية شخصية، بل هو أذية لهذا المجتمع وتهديدا له في أخص خصائصه وأعز ما لديه، ومثل ذلك المجاهرة بالفسوق والعصيان إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا ، فالإسلام يحفظ للمسلمين بيئة الطهر والعفاف بالأساليب النافعة المتنوعة.
والخلاصة أن الإسلام كما يترك للكافر مجتمعا وفردا حرية الكفر فإنه يحمي للمسلم عقيدته ودينه ويلزم احترام اختيار الأكثرية المسلمة، ولا تعارض بين الحرية والإسلام إلا في عقول الجهلة من المتدينين والفسقة من المتحررين.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

زر الذهاب إلى الأعلى