أسفار المعرفة (1)التركيب والنسبية في فكر الإمام الشاطبي من خلال كتاب الموافقات/ إخليهن محمد الأمين

لقد أعجبتني مقولة الفيلسوف محمد عابد الجابري وهو يناقش السجال بين القوميين والإسلاميين حول العلاقة بين العروبة والإسلام “إن هذه الأطروحات والأطروحات المضادة لها محقة في ما تثبت، غير محقة فيما تنفي، لأن المسألة المطروحة ليست من تلك المسائل التي تحل بالإثبات أو بالنفي” (وجهة نظر، ص20). وقد اتخذت من هذه المقولة نموذجا تحليليا قائما على تنسيب الأمور وتركيب القضايا والبحث عن الحقيقة عند جميع الأطراف المختلفة لا عند طرف واحد منها، لأن كل واحد منها في الغالب يتعلق بجزء من الحقيقة يعتقد أنه هو الحقيقة كاملة. ولكن ما علاقة هذا بما نحن بصدده من الحديث عن كتاب “الموافقات”؟ لنؤجل الجواب على هذا السؤال، بل لنترك ذلك لفهم القارئ من خلال ما سيأتي ونشتغل بالموضوع الذي نحن بصدده.
1- نبدأ هذه السلسلة المباركة بكتاب شهير لدى طلاب العلوم الشرعية والمهتمين بالدراسات المنهجية، هو كتاب “الموافقات” للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي (ت 790 هـ)، وهو موسوعة علمية عظيمة في بيان فلسفة التشريع الإسلامي وأسراره حوت من كل علوم الشريعة طرفا؛ من أصول وفقه وتفسير وحديث وتربية وتصوف… وقد اتفق العلماء على قيمته العلمية الرفيعة، وأوصى به الشيخ محمد عبده تلامذته.

2- يصعب تلخيص كتاب الموافقات لتشعب مباحثه وقوة استدلالاته، مما يجعل تلخيص أفكاره يفقدها عمقها ويفقد براهينها قوتها الاستدلالية، ولكن يمكن أن نأخذ نماذج متفرقة من الكتاب تكفي لإعطاء فكرة عنه، وعن منهج مؤلفه الإمام الشاطبي ونمط تفكيره.
3- اشتهرت في القديم من طبعات هذا الكتاب النسخة التي حققها وعلق عليها العلامة الأزهري الشيخ عبد الله دراز والد العلامة الكبير الدكتور محمد عبد الله دراز صاحب كتاب “دستور الأخلاق في القرآن” وغيره من الكتب القيمة، واشتهر في الفترة الأخيرة من طبعات الموافقات النسخة التي حققها العلم المغربي الدكتور الحسين آيت سعيد.

3- يتكون “الموافقات” من مقدمات علمية وأربعة كتب؛ كتاب الأحكام، وكتاب المقاصد، وكتاب الأدلة، وكتاب الاجتهاد، يتألف كل كتاب من مجموعة من المسائل، وقد تضم المسألة الواحدة عدة فصول. وقد تطول المسألة وقد تقصر حتى تكون نصف صفحة أو عدة أسطر فقط.

4- ركز كثير المعاصرين على كتاب المقاصد دون الكتب الأخرى مع أن الكتاب وحدة مترابطة، وقد لاحظ الشيخ محمد الأمين بن الطالب (في كتابه المعين في علم مقاصد الشريعة، ص37) أن الشاطبي “كتب جزءا من موافقاته في المقاصد، وكتب بقية الأجزاء بالمقاصد”، بل إن الشاطبي نفسه صرح بما يشبه هذا حين قال: “إنما تقدم من المسائل في هذا الكتاب مبني على المعرفة بمقصود الشرع”. (ج2 ص537).

5- رغم الضخامة النسبية للكتاب إلا أن الشاطبي كان مبدعا في كل مباحثه، ولم يكرر في مبحث واحد من مباحث الكتاب ما جاء في كتب السابقين؛ مع استثماره القوي لكلام الغزالي وشيخه الجويني، والقرافي وشيخه العز وابن العربي وآل ابن رشد وأضرابهم من العلماء.

6- يبهرك في كتاب الموافقات كثافة الاستدلال وإحكامه، وقوة البرهنة على الأحكام والخلاصات التي يتبناها المؤلف ويبني عليها قواعده.

7- في الكتاب تبرز شخصية الشاطبي الموسوعية المستوعبة لكل علوم الشريعة والعلوم الخادمة لها من منقول ومعقول. ولعل هذا الاستيعاب للعلوم العربية الإسلامية منقولها ومعقولها هو الذي طبع شخصية الشاطبي بالتوازن وجعلها تنظر للمسائل العلمية نظرة مركبة وبمنطق النسبية والبعد عن النظرة الأحادية التي تختزل الأمور في تفسير أحادي جزئي.

8- هذه الطبيعة المركبة في شخصية الإمام الشاطبي هي التي جعلته يؤكد أن طرق الاهتداء إلى الأحكام الشرعية مركبة من العقل والنقل، وأن “الأدلة الشرعية ضربان: أحدهما: ما يرجع إلى النقل المحض، والثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض. وهذه القسمة هي بالنسبة إلى أصول الأدلة، وإلا فكل واحد من الضربين مفتقر إلى الآخر؛ لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل” (ج3 ص29).
ويؤكد أن التعامل مع النصوص ينبغي أن يسلك طريقا وسطا بين المغالاة في إعمال ظواهر النصوص وبين إهمال الظواهر كلية، ولهذا علق على من قال من العلماء بأن “مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين” بقوله “وهذا وإن كان تغاليا في رد العمل بالظاهر، فالعمل بالظواهر أيضا على تتبع وتغال بعيد عن مقصود الشارع؛ كما أن إهمالها إسراف أيضا” (ج3 ص108).
ومن هذا المنطلق يرى الشاطبي أن أهل الرأي وأهل الظاهر قصرا معا عن بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق في الشريعة بسبب نظرتهم الأحادية، فكل منهما “غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام اطرد له في جملة الشريعة اطرادا لا يتوهم معه في الشريعة نقص ولا تقصير…
فأصحاب الرأي: يقولون الشريعة كلها تدل على حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم، وعلى ذلك دلت أدلتها عموما وخصوصا…
والظاهري: يقول: الشريعة إنما جاءت لابتلاء المكلفين أيهم أحسن عملا، ومصالحهم تجري على ما أجراها الشارع لا على حسب أنظارهم…
فأصحاب الرأي جردوا المعاني فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات الألفاظ، والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ فنظروا في الشريعة بها، واطرحوا خصوصيات المعاني القياسية…” (ج4 ص455 – 456).
والمجتهد الحق في نظر الشاطبي هو من خاض “فيما خاض فيه الطرفان، وتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على الخصوصيات الفرعية، بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر. فلا هو يجري على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر، ثم يلتفت بعد ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين” (ج4 ص457).

9- من جهة أخرى يؤكد الشاطبي أن الشريعة “حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابله واقع أو متوقع في الطرف الآخر.
فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين.
وطرف التخفيف -وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتي به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه” (ج2 ص378).
ويضيف في موضع آخر من الموافقات أن “الوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك” (ج4 ص477).
ولم يكتف الشاطبي بهذا البيان لوسطية الشريعة كحقيقة مجردة، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك، ليقول إن هذه الوسطية لا بد أن تتجسد في كلام العلماء وأهل الفتوى المبلغين عن الله “المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال” (ج4 ص476).

10- وهذه النظرة الكلية للشريعة هي التي جعلت الإمام الشاطبي يزاوج بين الدليل النقلي والنظر العقلي، فيقرر في الشق الأول “إذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع” ويؤكد أن هذا المعنى حصل “إغفاله من بعض المتأخرين، فاستشكل الاستدلال بالآيات على حدتها وبالأحاديث على انفرادها، إذ لم يأخذها مأخذ الاجتماع فكر عليها بالاعتراض نصا نصا، واستضعف الاستدلال بها على قواعد الأصول المراد منها القطع، وهي إذا أخذت على هذا السبيل غير مشكلة ولو أخذت أدلة الشريعة على الكليات والجزئيات مأخذ هذا المعترض لم يحصل لنا قطع بحكم شرعي البتة، إلا أن نشرك العقل، والعقل إنما ينظر من وراء الشرع، فلا بد من هذا الانتظام في تحقيق الأدلة الأصولية” (ج1 ص27).
وأما في الجانب الآخر فإننا نرى أن الإمام الشاطبي يقرر أنه ليس كل دليل نقلي مقبولا حتى ولو توافرت فيه الشروط اللازمة للنقل لكي يكون موثوقا به، بل لا بد من أجل أن يكون هذا النقل مقبولا أن يثبت العمل به عن المتقدمين “كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما أو لا يثبت به عمل…” (ج3 ص39)، فالأول لا إشكال في العمل به، والثاني فـ “الذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط تركه والعمل على وفق الأعم الأغلب” (ج3 ص45).
ويرى من جانب آخر في كتاب الأدلة في نقاشه لخلاف الأصوليين حول مذهب الصحابي هل هو ملزم أو غير ملزم أن أقوال الصحابة يترجح الاعتماد عليها في البيان خاصة، لسببين: أحهما معرفتهم باللسان العربي… والثاني مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة… (ج3 ص234).ر

11- ورغم اشتراطات الإمام الشاطبي العالية للتحقق بالاجتهاد إلا أنه يميل إلى النسبية في الاجتهاد، فيرى أنه “لا ضرر على الاجتهاد مع التقليد في بعض القواعد المتعلقة بالمسألة المجتهد فيها” (ج4 ص378)، ويرى أن “أن النظر في الكليات يشارك الجمهور فيه العلماء على الجملة، وأما النظر في الجزئيات فيختص بالعلماء” (ج4 ص462).
والاجتهاد عند الإمام الشاطبي ملكة الاستنباط ولا يشترط فيها بلوغ مرحلة الاجتهاد في العلوم الشرعية واللغوية جميعها، “لا يلزم المجتهد في الأحكام الشرعية أن يكون مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة…” (ج4 ص374)، وإنما يلزم المجتهد “فهم مقاصد الشريعة على كمالها… والتمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها” (ج4 ص373). فإذا حصل له ذلك فيمكنه أن يقلد في العلوم التي يحتاجها الاجتهاد ويبني عليها كمقدمات مسلمة، “فيصح أن يسلم المجتهد من القارئ، أن قوله تعالى: {وَٱمۡسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ} بالخفض موري على الصحة، ومن المحدث أن الحديث الفلاني صحيح أو سقيم، ومن عالم الناسخ والمنسوخ أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَیۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَیۡرًا ٱلۡوَصِیَّةُ} منسوخ بآية المواريث، ومن اللغوي أن القرء يطلق على الطهر والحيض، وما أشبه ذلك، ثم يبني عليه الأحكام” (ج4 ص376).
ولا يعني هذا أن المجتهد لا يشترط فيه أن يكون عارفا بالعلوم التي يحتاجها الاجتهاد، بل لا بد له أن يكون عالما بشكل متقن بتلك العلوم، ولكن لا يشترط فيه أن يبلغ درجة الاجتهاد في كل واحد منها على حدة، بل إن المجتهد لا تحصل له ملكة الاجتهاد المطلق مالم يتحقق بفهم “قصد الشارع في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها” (ج4 ص373) ولا يكون ذلك إلا “بواسطة معارف محتاج لها في فهم الشريعة” (ج4 ص373)، ولكن “هذه المعارف تارة يكون الانسان عالما بها مجتهدا فيها؛ وتارة يكون حافظا لها متمكنا من الإطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها، وتارة يكون غير حافظ لها ولا عارف، إلا أنه عالم بغايتها وأن له افتقارا إليها في مسألته التي يجتهد فيها” (ج4 ص374).
وإذا كان لا بد للمجتهد أن يبلغ درجة الاجتهاد في علم من العلوم الخادمة للاجتهاد فإن ذلك العلم هو “علم اللغة العربية” لأن “الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم” (ج4 ص378 – 378).

12- رغم قوة الإمام الشاطبي وشدته في مواجهة التصوف المبتدع، إلا أن ذلك لم يمنعه من مناقشة التصوف بنفس أصولي ونقدي رصين يفرق بين التصوف المقبول والتصوف البدعي، ويسلم للصوفية في مجالات اختصاصهم، مثل تسليمه لهم بالفتوى في الأمور المتعلقة بإسقاط العبد لحظوظ نفسه وتركها لله في جميع تصاريفه، وقوله “غير أن الفتيا بمثل هذا اختصت بشيوخ الصوفية، لأنهم المباشرون لأرباب هذه الأحوال، وأما الفقهاء فإنما يتكلمون في الغالب مع من كان طالبا لحظه من حيث أثبته له الشرع” (ج4 ص464).

13- أعتقد الآن أن العلاقة أصبحت واضحة بين المقدمة التي قدمت بها من كلام الجابري، وبين الخلاصة التي عرضتها من موافقات الإمام الشاطبي، وهو أن تلك المقدمة وهذه الخلاصة تتقاطعان في المنهج المركب الذي ينظر إلى الأمور نظرة كلية ويبتعد عن النظر الجزئي الأحادي في تفسير الأمور والحكم عليها.

14- وأخيرا كتب حول الموافقات الكثير من الكتب والدراسات، من أبرزها “نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي” للريسوني، و”المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي” للمرحوم فريد الأنصاري، و”توضيح المشكلات في اختصار الموافقات” للعلامة محمد يحيى الولاتي.
ورغم الجهود التي بذلت في خدمة هذا الكتاب والمؤلفات التي كتبت حوله إلا أن هذا الكتاب يطلع على علوم الشريعة من مستوى عال وصاحبه مستوعب بشكل كبير لعلوم الشريعة كليها وجزئيها، ولا يمكن بحال الاستغناء بالمؤلفات التي كتبت حول “الموافقات” عن “الموافقات” نفسه، ذلك أن هذه المؤلفات رغم تميز بعضها إلا أنها تبقى في مستوى دون مستوى الكتاب المدروس بمسافات واسعة.
فكتاب من وجهة نظري من أعظم المؤلفات في الحضارة الإسلامية إن لم يكن هو أعظمها على الإطلاق، وينبغي لكل مشتغل بعلوم الشريعة بل لكل مهتم بعلوم المنهجية والاستدلال أن يتخذه أنيسه.
وإذا جاز للمسلمين أن يفاخروا الأمم بمنتوج علمي بلغ الذروة في قوة الإحكام والمنهجية وقوة الاستدلال البرهاني فهو كتاب الموافقات، ونرى أن العلامة أحمد الريسوني كان صادقا إلى حد بعيد عند ما قال “إن الشاطبي -بتأنيه وإتقانه وإحاطته- إذا قرر أمرا ، صعبت زعزعته فضلا عن إبطاله” (نظرية المقاصد، ص99). .
رحم الله الإمام الشاطبي ورفع مقامه في الفردوس الأعلى من الجنة..

زر الذهاب إلى الأعلى