جذاذة / أحمدو الامام

الحياء بأبعاده، وامتداداته المادية، والمعنوية (الدينية – الأخلاقية – الاجتماعية) هو مدرك القيم، وإكسير الشم، التي كانت إلى وقت قريب، “الماركةَ المسجلة” والعلامة المميزة، للمجتمعات الشنقيطية سواء في ذلك الأسمر منهم والأزهر. وسيان فيه ربات القِناع، وربُ السيف والمِزراق.
لم يكن أجدادنا ولا أجدادهم أهل قصور، ولا أهل دثور. ولكن كانت لهم صروحٌ ممردةٌ من حسن الخلق. وعلى هاماتهم أكاليلُ من الدين والقناعة. ولهم من المروءة، والحياء، جلابيبُ سابغاتٌ، وفيهم من الحلم والأتاة مثلُ الجبال الراسيات.
على هذا مضى أسلاف المجتمعات الشنقيطية التي ظلت متعايشة بسلام، وانسجام، ووئام، فوق أديم أرض هذا المنكب البرزخي من بلاد الله، القرونَ ذواتِ العدد.
يوم غلب الحياء على رجالهم فتلثموا. وحين تحلت نساؤهم بحُلِيٍّ من العفة، والمروءة، والاستقامة، والحياء. فحصَّنت العفة شرفهن، ورفعت المروءة من شأنهن، وجسدت الاستقامة أنوثتهن، وصان الحياء جمالهن. ومن أقوال الحكماء: “الحياء سياج الجمال”
الحياء هو سجيّة الأنبياء التي فُطِروا عليها من أولهم إلى آخرهم. وهو وصيتهم الباقية عند أممهم إلى يوم الدين. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء.
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خِدرها”
وفي حديث أنس رضي الله عنه: “ما دخل الحياء شيئا إلا زانه، وما دخل الرياء شيئا إلا شانه”
وفي المشكاة أن أم المؤمنين عائشة بنتَ أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي، فأضع ثوبي (بعض ثيابها) فلما دُفن عمرُ معهم فو الله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي حياء من عمر.
والحياء هو زينة النفس البشرية، وتاج أخلاقها. وهو البرهان على عفّة الروح، وطهارتها.
وهو شعبة من شعب الإيمان تقود إلى الجنة. كما في حديث أحمد، والترمذي اللذين رويا: “الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة”. وفي الأثر: لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء.
وفي حديث البخاري: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت”.
والحياء رافد من روافد التقوى، مبعثُه استشعارُ المرء مراقبةَ الله تعالى له. ثم استشعاره اطلاع الناس عل أفعاله، وأقواله. فيحمله ذلك على تجنب مستقبح السلوك. ولله در ابن أبي سُلمى الذي قال:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة * ولو خالها تخفى على الناس تعلم!
وفي الأمثلة الحسانية: “أجيد أبلا خلوه”
وإذا اكتمل الحياء في قلب امرئ، استحيى من الله عز وجل. ومن الناس، ومن الملائكة الكرام.
ففي حديث مسلم: “من أكل البصل، أو الثوم، أو الكُرّاث، فلا يقربن مسجدَنا. فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم” أي: فليتجنب المسجد استحياء من فعل ما يؤذى عباد الله المكرمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: “إن الله إذا أراد بعبده هلاكاً نزع منه الحياء. فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مَقيتاً ممقتاً. فإذا كان مقيتاً مُمقِتاً نزع منه الأمانة. فلم تلقه إلا خائناً مخوِناً.
فإذا كان خائناً مخوناً نزع منه الرحمة. فلم تلقه إلا فظاً غليظاً. فإذا كان فظاً غليظاً نزع ربقة الإيمان من عنقه. فإذا نزع ربقة الإيمان من عنقه، لم تلقه إلا شيطاناً لعيناً مُلعناً.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “الحياء، والإيمان في قرن، فإذا نُزِع الحياء، تبعه الآخر”.
والحياء هو أصل الخلق الكريم. والأخلاق الكريمة هي السر في بقاء الأمم، كما في قول الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
وفي المرويات: لا تطلب العلم رياء، ولا تتركه حياء. وفيها: أربع من كن فيه كان كاملا: دين يُرشِده. وعقل يسدده، وحسب يصونه. وحياء يقوده. وفيها أيضا: الرجولة أخلاق قبل أن تكون ألقابا. والأنوثة حياء قبل أن تكون أزياء.
فالحياء في النساء وصف مستملح لم يُغفله شعراء الغزل في غزلياتهم. ومن لطيف ما رُوي من ذلك ما تضمنته رائعة الشاعر العباسي المصري كمال الدين علي بن الحسن الملقب بابن النبيه التي قال فيها:
خذ من حديث شؤونه وشجونه * خبرا تسلسـله رواة جفونه.
لولا فضـيـحـة قلـبه بدمـوعـه * مـازال شـك رقيـبه بيقــينه.
وأغر تُـقـنـطـني قـسـاوةُ قلـبه * منه ويُطمـعنى تعطفُ لينه
أجـفـانه شـرك الـقـلوب كأنــما * هاروتُ أودعها فنونَ فتونه.
ياقـوتـه مـتـبـسـم عـن لـؤلــؤ * خجلت عقود الدر من مكنونه.
ما زال يـسـقي وجهَه ماءُ الحـيا * حتى جنيث الورد من نسرينه.
ساق صحيـفة خده ما سـودت * عــبـثا بلام عـذاره أو نـونـه.
جـمـد الذي بيـمـينــه في خـده * وجرى الذي في خده بيمينه.
خـفـر الــدلال أضــم وأهابـه * لـوقــاره وحيــائه وسكــونه.
وقد ورد ذكر الحياء في بضع آيات من القرآن الكريم منها أية الأحزاب{إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق}أي لا يترك التنبيه إلى فعل الخير. ومنها آية القصص{فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} وشبه الجملة هنا في محل نصب حال من الضمير في “تمشي” والمعنى يتنزل في سياق الثناء والاستحسان.
وجاء في تفسير آية الرحمان {فيهن قاصرات الطرف} إلى قوله تعالى: {حور مقصورات في الخيام} حول مدح نساء أهل الجنة، أن العفة قصرت أطرافهن. فلا ينظرن إلى غير أزواجهن من شدة خفرهن، وحيائهن.
ومن روائع حكم الشعر في موضوع الحياء، وحسن الخلق. قصيدة الإمام محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله تعالى:
إذا جاريـتَ في خـلـق دئـيـئا * فأنـتَ و من تـجـاريه ســواء.
رأيتُ الحر يجتنب المخازي * ويحـمـيه عن الغــدر الـوفاء.
وما مـن كـربـة إلا سـيــأتي * لها مـن بعــد شـدتـها رخــاء.
لقد جربـتُ هـذا الدهرَ حتى * أفادتـني التـجــارب والـعـناء.
يعيش المرء ما استحيى بخير * و يبقى العود ما بقي اللَّحاء.
فلا والله ما في العيش خير * ولا الـدنــيا إذا ذهــب الحيـــاء.
إذا لم تخـش عاقبة الليالي * ولم تستـحي فاصنع ما تشاء.
وجاء في شرح العلماء الأثر: “نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه”
أن موانع المرء من المعاصي أربعة هي: الخوف من عقاب الله له في الدنيا والأخرى. ثم الطمع فيما عند الله من نعيم الدارين. ثم الحياء. ثم عدم التقدير، الذي قد يأتي ضمن أحد الثلاثة السابقة. وقد يأتي منفردا. وذلك هو مرتكز المعنى الذي استبطنه حديث صهيب رضي الله عنه. وقد نظم هذه الموانع أحدهم فقال:
موانع العبد من العصيان * أربعـة عـقـلا فخــذ بيان.
الخوف والرجاء والحياء * وعدم التقدير دالا جاؤوا.
وفي موضوع الحياء قال شاعر آخر:
إذا رزق الفتى وجها وقاحا * تقلب في الأمور كما يـشاء.
ولم يك للـدواء ولا لـشـيء * يـعـالـجـه به فـيـه غــنـــاء.
فـمـالك في معاتـبة الذي لا * حـيـاء لوجـهـه إلا العــناء.
ورب قبـيـحـةٍ ما حال بيـي * وبـيـن ركوبـها إلا الحـياء.
ومن لطائف الشعر اللهجي في هذا الموضوع قول العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله:
تركتن حلق واسكتن * حياهم كيف الحياهم.
واحن نختـير تركتن * بالحياهم وابحـياهم.
إلى جذاذة جديدة – السلام عليكم.

زر الذهاب إلى الأعلى