الحضور الثقافي في رواية «الشيباني»/موسى إبراهيم أبو رياش

بين موريتانيا والدوحة تجري أحداث رواية «الشيباني» للموريتاني أحمد فال ولدالدين، التي تعد ـ بالنسبة للقارئ ـ اكتشافًا للمجتمع الموريتاني وثقافته وتاريخه الحديث وصراعاته الطبقية والسياسية، من خلال قصة حب وتداعياتها بين شاب من طبقة دنيا، وابنة جنرال. ومع أن الرواية غنية بالأحداث والحكايات، إلا إن الحضور الثقافي كان بارزاً وفاعلاً، خاصة وأن بطل الرواية كان مثقفا لامعا في جميع مراحل حياته.
كل مجتمع يعيش وفق نسق ثقافي، يتقاطع بالضرورة مع غيره من المجتمعات المجاورة في كثير من التفاصيل، وهذه الثقافة متطورة متغيرة باستمرار في جميع المجالات، وترصد هذه المقالة الجوانب الثقافية الأكثر صلة بالأدب والفن والتعليم المرتبطة بالشيباني.

أهل الفيضة

تنقل لنا الرواية مشهد الدراويش (أهل الفيضة) عندما كان الشيباني طفلا في قرية الكدية في الشرق الموريتاني، حيث حضر الشيخ الأمين مع دراويشه من رجال ونساء، وتصف سلوكياتهم وتصرفاتهم. وعندما تجتمع القرية كلها، يبدأ الاجتماع بالأذكار والأشعار الصوفية ينشدها الشيخ، ثم تبدأ النساء بالغناء الشجي الحارق، الذي يحرك الوجد في الحاضرين، فيشاركون في الرقص، ولحظات الغياب «فالكل غافل عن الكل بسبب الصخب وأجواء الوجد الصوفي والفيضة المُفنية». ثم ينتقل المشهد إلى درجة أعلى عندما «سكت الشيخ الأمين سكوتًا مفاجئًا عن الإنشاد، فانحبست الأنفاس، وتابعته العيون وهو ينظر إلى السماء كأنه يستمطر عذابًا، أو رحمة سرمديين: الله! الله! الله!
كان يكررها بصيغة موقعة وبصوت واحد مليء بالوجد. صوت مترع بالرغبات المخنوقة، والشوق إلى المجهول، والحزن على الماضي الهارب، والأمنيات التي ذبلت ولما تنبت لها أجنحة. رفع الأمين وجهه الأبيض المكتنز إلى السماء، وحرك يديه في الفضاء، واندفع يغني كأنه هاتف سماوي:
تقول نساء الحي تطمعُ أن ترى بعينيك ليلى؟ مُتْ بداء المطامع!
فكيف ترى ليلى بعين نرى بها سواها، وما طهرتها بالمدامع؟!
ضج المكان بالصراخ، وانقلبت سيدة بدينة على رأسها، واندفع شاب ملقيًا نفسه أمام الشيخ وهو يتمرغ تمرغ ديك ذبيح، واندفعت أجمل فتاة في الحي ودخلت وسط الناس تدور محركة رأسها وهي تصرخ: يا ويلي! ويلي، يا ويلي، ويلي!». كانت هذه الاحتفالية الصوفية مألوفة لأهل القرية، ينتظرها الجميع بشوق وشغف، حسب ما تسمح به جولات الشيخ الأمين في القرى، وتساهم في تشكيل وجدان شعبي منسجم، وعلى الرغم من التصرفات الغريبة لأتباع الشيخ، إلا أنه وفرقته يحظون بالاحترام والاحتفاء والتكريم.

جامعة نواكشوط

في جامعة نواكشوط، يلتقي الشيباني بصديق طفولته عبدالرحمن، حيث يخبره أنه يقضي جل وقته في المكتبة، ويستغرب من المتسكعين بين الكليات، بل لا يعجبه الطلبة المتظاهرين، والأولى أن يهتموا بدروسهم، ويخبره أنه رسب في السنة الأولى بسبب أستاذ النقد الذي كان الشيباني يصحح له أثناء إملائه على الطلبة، ما أغضب الأستاذ، الذي صرخ قائلا: «من أنت لتصحح نصي؟» فيجيبه الشيباني مسترخيًا: «بل هو نص للجرجاني أنت أدرى به، ورد في الصفحة 118، من طبعة دار الجيل، 1988!». وعندما تظلم الشيباني برر «الأستاذ بأن الطالب نقل صفحة كاملة من كتاب، وزعم في إجابته أنه التقى بأبي حيان التوحيدي في المطعم الجامعي

وأكلا معًا قطعة من الكعك الفرنسي». ويعلل الشيباني لصديقه: «إن التحمر شرط مسبق للنجاح بين هذه الجدران المسكونة بكل شيء، إلا المعرفة! عليك أن تتلقن ما يقوله الأستاذ وتعيده بمهارة ببغاء».
وتنقل الرواية مشهدًا طريفًا عندما دافع الشيباني عن خطأ نحوي وقعت فيه فتاته «سلمى» فجادل الأستاذ الذي تفهم موقف الشيباني وعاطفته، إلا أن الشيباني حاججه قائلا: «عندما تلحن الفتاة الجميلة فعلى اللغة أن تتقبل ذلك بصدر رحب. فلا يمكن أن نخضع لشروط سيبويه وابن مالك وغيرهما ونقف محايدين أمام جمال أخاذ يمكن أن يعيد ترتيب منطق اللغة. فإذا كسرت الحسناء وزن بيت يصبح ذلك الكسر قاعدة، بدون إذن من الخليل بن أحمد، فهي اللغة وهي العروض». فضجت القاعة بالتصفيق والتضامن بمن فيهم الأستاذ. كان الشيباني الماهر لغة ونحوًا، يدافع عن حبه، وينتصر لفتاته، فلا وجود للنحو واللغة عندما تصبح مشاعرها على المحك، وتُحرج أمام زملائها، وإن لم ينصرها هو فمن؟
كان الشيباني محبوبًا لدى الطلبة، لعلمه وتواضعه، فقد كان واسع الاطلاع، سريع الحفظ والفهم، يتصدر حلقات الطلبة يشرح ويحلل ويوضح ويقارن، وكان مرجعًا لهم يقصدونه في ما غمض وأُشكل عليهم.

كان الشيباني يلاحظ بحسرة ضعف الإقبال على الكتب، وازدحام الناس على المقاهي والمطاعم من حوله، ما يهدد تجارة الكتب، يقول: «فالمكتبي في العالم العربي يحتاج إلى فتنة عائشة بنت طلحة، وبلاغة ابن المقفع، وطرافة الجاحظ ـ مع حلم الأحنف طبعًا ـ ليسلم له رأس ماله!».

المحظرة

حظيت «المحظرة» بقسط وافر من الرواية، وهي نوع من المدارس، تتميز بالتفرغ للعلم والعزلة، وإقامة الطلبة في أخصاص مجاورة لعريش الشيخ، خاصة أن طلبتها من قرى متباعدة وربما من خارج موريتانيا، وللمحاظر دور كبير في المجتمع الموريتاني، وشيوخها يحظون بالاحترام والتقدير والتكريم، ويقومون بأدوار كبيرة مثل عقود الزواج وحل الخصومات والفتاوى وغيرها. خالد ولد وتربى في كاليفورنيا، ودخل جامعة بيركلي متفوقًا، لكنه تركها واختار «المحظرة» معتبرًا تعليمها الأفضل، ويوضح: «لأن التعليم المحظري مبني على الحرية المطلقة؛ فالطالب يقرر المادة والمتن الذي سيدرسه، ويختار رفاق الدراسة والشيخ الذي يعلمه، ووقت الدرس، ويقضي عمره كله من دون أن يمتحنه أحد، ولا يراجع دروسه من أجل الامتحان، بل من أجل المعرفة. ولذا فهو يتعلم ما يحب عن قناعة، من دون انتظار تقييم من أحد. ولعلكم لا تعرفون أن آخر الدراسات في الولايات المتحدة تميل إلى تبني هذا النمط المحظري.. ثم لا تنسوا أن هارفرد والسوربون وغيرهما كانت في الأصل محاظر» (بتصرف).
وتدور بين طلبة المحظرة نقاشات طويلة ومعمقة في مسائل العلم، وبينهم وبين الشيخ، وهي نقاشات تثري معرفتهم، ولعلها أفضل من الدراسة الذاتية؛ لما فيها من تنوع واختلاف وحجج وتعددية، وكل ذلك يجري في جو من الحرية وتقبل الرأي والرأي الآخر، من دون حجر أو زجر أو قيود ما دام الحوار يتم في أجواء علمية وأخلاقيات متفق عليها.

المكتبة

في الدوحة، وفي سوق «واقف» التاريخي، عمل الشيباني في مكتبة صديق المحظرة القطري جاسم، الذي استقدمه وخلصه من حياة التشرد والتخفي في السنغال، وفي المكتبة وجد الشيباني نفسه بين عالم الكتّاب والشعراء في بطون الكتب، وكان يذهل رواد المكتبة بسعة اطلاعه ومعرفته بمحتويات الكتب ومناقشتهم فيها، مع ما يمتلكه من أسلوب جميل ولطف في الحوار وفكاهة لا تغيب، واشتبك مع بعضهم في نقاشات ومجادلات حول موضوعات إشكالية، وكسب الجميع أصدقاء، ربما كانت تجذبهم شخصيته أكثر من كتبه، وكان يصور لزبائنه حوارات بين شخصيات الكتب ونقاشات وخلافات، ويتخيل جولات بعضهم في الشوارع والأسواق، كما كان يوظف قراءاته في مناداة بعض العمال المجاورين له، بإطلاق أسماء روائية عليهم، وإذا دعي إلى جلسة كان فارسها المجلى بما يرويه من أشعار وملح ومعلومات، وآراء صادمة أحيانًا لصراحتها، من دون مواربة أو مجاملة؛ فقد كان صاحب حجة مقنعة ومنطق سليم، قادر على أن يسكت الجميع، بما وهبه الله من حكمة وعلم ونظر في الاختلافات، فكانت جلساته ممتعة ثرية، وصحبته مطلوبة.
كان الشيباني يلاحظ بحسرة ضعف الإقبال على الكتب، وازدحام الناس على المقاهي والمطاعم من حوله، ما يهدد تجارة الكتب، يقول: «فالمكتبي في العالم العربي يحتاج إلى فتنة عائشة بنت طلحة، وبلاغة ابن المقفع، وطرافة الجاحظ ـ مع حلم الأحنف طبعًا ـ ليسلم له رأس ماله!».
وذات لحظة هوس، حمل الشيباني كتبًا ووقف في الشارع ينادي «كتب، كتب» فاستغرب المارة، ولم يلتفت إليه أحد، ولما نادى «بندورة، بندورة» التفت الجميع، وكانت مناسبة للتعرف على طبيب سوداني قارئ نهم للكتب، وكان الشيباني يرى أن النساء أكثر حرصًا على القراءة من الرجال، وعلى علم ودراية بما يقرأن أو بما يطلبن من كتب.
وبعد؛ فإن «الشيباني» ـ تونس: دار التنوير، 2019، 257 صفحة، رواية ماتعة، تستميل القارئ بعذوبة لغتها، وجمال سردها، وأحداثها المثيرة، وحبكتها المميزة، وما تضمنته من تفاصيل رائعة ومعلومات ثرية، وهي أشبه بفيلم سردي مدهش، بما حفلت به من مشاهد وصور كأن القارئ يراها رأي العين.
وهي الرواية الثانية للكاتب، بعد «الحدقي» التي خص بها الجاحظ، وهو صحافي يعمل في شبكة الجزيرة، وله كتاب بعنوان «في ضيافة كتائب القذافي» عن تجربة اعتقاله وفريق الجزيرة، عندما كان يغطي أحداث الثورة الليبية.

نقلا عن القدس العربي

زر الذهاب إلى الأعلى