الشباب العربي وكلوب هاوس: تعددت الوسائل والْهَمُّ صامد!/د. إبراهيم الدويري

تحتل المؤانسة وتبادل الأحاديث في الثقافة العربية القائمة على تقديس الكلمة المسموعة والإيمان بتأثيرها والاستمتاع بها منزلة رفعة ومكانة علية، وأبلغ ما يعبر عن تلك المنزلة الأقوال المأثورة عن كبار الخلفاء الأمويين  الذين جعلوا الأنس والأحاديث الحسنة مع الثقات آخر أمانيهم وأقصاها؛ فقد قال الخليفة معاوية بن أبي سفيان لوردان مولى عمرو بن العاص: ما بقي من الدنيا تلذّه؟ قال: العريض الطويل؛ قال: وما هو؟ قال: الحديث الحسن أو ألقى أخا قد نكبه الدهر فأجبره، قال: نحن أحقّ بهما منك؛ قال: إن أحقّ بهما منك من سبقك إليهما” كما في “عيون الأخبار” لابن قتيبة.

ومعاوية نفسه قد فقد شهية كل المتع ما عدا متعة الحديث فقد جاء في كتب الأدب أنه قال “نكحت النساء حتى ما أفرق بين امرأة وحائط، وأكلت حتى ما أجد ما أستمرئه، وشربت الأشربة حتى رجعت إلى الماء، وركبت المطايا حتى اخترت نعلي، ولبست الثياب حتى اخترت البياض، فما بقي من اللذات ما تتوق إليه نفسي إلا محادثة أخ كريم”، وفقا لجار الله الزمخشري في “ربيع الأبرار”.

 ويذكر لنا المعافى بن زكريا الجريري في “الجليس الصالح”  أن الخليفة عبد الملك بن مروان الأموي بعث “إلى الشعبي، فقال: يا شعبي! عهدي بك وأنك الغلام في الكتاب فحدثني، فما بقي شيء الآن إلا وقد مللته سوى الحديث الحسن”، كما روي عن عبدالملك كلام قريب مما روي عن ابن عمه وسلفه معاوية وهو  قوله “قد ركبنا الفاره، وتبطّنّا الحسناء، ولبسنا اللّين، وأكلنا الطيّب حتى أجمناه (مللناه)، وما أنا اليوم إلى شيء أحوج منّي إلى جليس يضع عني مؤونة التحفّظ ويحدّثني بما لا يمجّه السمع، ويطرب إليه القلب” كما في “الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي.

 وعنوان كتاب التوحيدي ومضمونه وقصة تأليفه أوضح دلالة على منزلة الحديث والأنس في الثقافة العربية، وفي عصورنا المتأخرة ألف زيْن الدِّين مرّعي بن يُوسف الكرمي المقدسي كتابا بعنوان طريف سماه “غذَاءُ الأَرْوَاحْ بالمُحَادَثَةِ والمُزَاحِ”، ونقل في مقدمته عن الإمام عمر بن عبد العزيز: “إِنَّ في المُحادَثَةِ تَلْقيحًا للعقول، وترويحًا للقلب، وتسريحًا للهَمِّ، وتنقيحًا للأدب”.

لا أخشى هنا أن يتذكر القراء بهذه المقدمة وتلك المرويات كتاب عبدالله القصيمي “العرب ظاهرة صوتية”، فهو نفسه كان مصداقا لكتابه، لكني أفضل أن يتذكر القارئ كتاب المرحوم الشاعر والقاص غرم الله بن حمدان الصقاعي “شهوة الكلام: الذهنية البدوية وثقافة التصحر”، الذي رأى فيه “أن الاستبداد السياسي والاجتماعي ربما يكون له أثر كبير في تنامي شهوة الكلام”.

  ودفعا للشبهة التي عنون بها القصيمي ويرددها الشعوبيون في كل العصور يجب أن نتذكر أن أولئك الخلفاء الذين آثروا متع الحديث والمؤانسة على سواهما كانوا من بناة الدول ومشيدي الإمبراطوريات، وهم في ذلك التفضيل كانوا يخبروننا في لحظات صفاء عن فطرتهم الإنسانية الكامنة في أعماق الأرواح البشرية.

 وخير من عبر عن تلك الفطرة  البشرية العجيبة الباحث الكبير والأديب السعودي “الصامت” عبدالله الهدلق -حفظه الله- في مقال له بديع بعنوان “شهوة الكلام ومهاوي الفُتون” حين قال “أنا امرؤٌ – إن لم تكن تعلم- كباقي خلق الله، كلما تقدمت بي السن ضعفتْ فيّ الشهوات كلها إلا شهوة الكلام.. وقد رأيتُني في الأربعين من عمري غيري في العشرين والثلاثين، فقد كنت صموتًا تمر بي الساعات لا تفرط مني الكلمة، فأورثني ذلك عُقدًا أضخم من تلك التي في حبل السفينة..واليوم آثرتُ أن أتكلم –تخفّفاً- ثأرًا من تلك الأيام، بل إني سأتحدث عن نفسي كثيرًا، لأني لا آمن جانب أحد إن تحدثت عنه إلا نفسي هذه التي بين جنبيّ”.

فالشعوب العربية مثل الهدلق ضعفت فيها شهوة الصمت وضجرت من صرير الكتابة والتغريد فآثرت الكلام والحديث والفضفضة عن الهموم والأحلام بعد مضيِّ عقد من ربيعنا المغدور، وكانت الوسيلة المتخذة لتلك الأحاديث التي التحق بها من يستطيع من العرب زرافات ووحدانا سيما في المشرق شبيهة بوسيلة أخرى سبقت إرهاصات الربيع العربي هي “باث توك”، فكان الوسيلة الجديدة التي بنى العرب فيها خياما من الأحلام هي “كلوب هاوس”، فما ذا قال العرب ببيت النادي هذا؟

يلاحظ المتتبع لبثوث “كلوب هاوس”، أن هموم العرب لم تزل كما هي -غداة انطلاق ربيعها ويوم تحررت شكليا قبل ذلك من الاستعمار الغربي- رغم تطور الوسائل وتعددها وكثرة الإقبال عليها؛ فما زال سؤال الحرية وأخواتها من الكرامة والمشاركة السياسية والاجتماعية يتصدر الأسئلة التي تؤرق العربي الذي يرى سائر الأمم من حوله تقرر مصائرها بيد أبنائها وتولي وتعزل من يتولى أمر شؤونها وفق دساتير متفق عليها هي المرجع عند المفزع.

وطرح العرب لسؤال الحرية ليس ترفا فكريا ولا أمنية تضل بها الأحلام؛ ففي سبيل الإجابة عن هذا السؤال بذل آلاف الأحرار من شباب العرب أنفسهم في فلسطين وبلدان الربيع المغدور وفقدت في “تنقيح مناطه” آلاف الأمهات فلذات أكبادهن وترملت فيه ألوف من الحرائر، وفي سبيله ما زالت الزنازن غاصة بالأخيار في السعودية ومصر وسوريا وفلسطين، ولم يزل اليمن السعيد يقتل جوعا وقصفا، وتُهدر تضحيات أحراره بين أحلام كسروية تائهة وطموحات مَناذِرَةَ لا بصيرة لهم.

ولم يملأ العرب في سبيل الإجابة عن سؤال الحرية المقابر والسجون فقط، فقد امتلأت المنافي الطوعية والقسرية بالشباب العربي المغترب، وكانت أسئلة الغربة والعودة إلى الأوطان أحد المواضيع المتداولة بقوة مع قضايا تربية الأبناء وتحديات الاندماج، ولوحظ أن العودة ليست خيارا أولويا لدى كثير ممن تركوا أوطانهم طوعا بينما المنفيون قسرا يتوقون للعودة باندفاع أقوى يرددون ترانيم الأعرابية التي “قذفت بها يد النوى”، وعساه حنينا كحنين ميسون بنت بحدل الكلبية إلى بادية قومها، أو توق طاهر بن الحسين إلى  “عجائز بوشنج يتطلعن إليه من أعالي سطوحهن إذا مرَّ بهن”.

أما قضايا الثقافة فقد رأى الهاربون إلى مباهجها من نكد السياسة جمهورا متعطشا للأشعار وإنشادها وجديد المطابع وثمراتها في “كلوب هاوس” فتداولوا الجديد واستعادوا القديم وتلاقحت أفكار واستمع معجبون إلى أصوات طالما عانقوا حروف أصحابها ورددوا تغريدهم، وقضايا الثقافة العامة والأدب من أهدأ المواضيع المتداولة في هذا النادي المطل فجأة على شعوب أنهكها الانحناء على هواتفها الذكية السالبة لذكاء أبنائهم.

وأشد موضوعات كلوب هاوس سخونة موضوع العقائد؛ ففي فناء هذا التطبيق الافتراضي أحيي أبو الحسن الأشعري والجويني وأقيم ابن تيمية من مقبرة الصوفية بدمشق، واستدعي الكوثري وشيخ الإسلام مصطفى صبري ودعا الداعي محمد بن عبد الوهاب والألباني فكان للتفكير المتبادل نصيب زاده اليوم العالمي للمرأة شدة وصخبا؛ فموضوع المرأة الشرقية وحضورها العلمي ونقاشها المتئد وسعيها الدؤوب للإنصاف من غواشي التاريخ ومظالم المجتمع تقف دونه عادات يرى حماتها أنها من صميم الدين الذي يحاول مناصرات “تحرير المرأة في عصر الرسالة” اقتحامه وأنى لهن ذلك وفي  الذكوريين عين تطرف! 

خاتمة:

ذكرت قضية الجدل الحاد حول مواضع لم يستطع السلف ولا الخلف حسمها للتنبيه على خطورة حرف الوسائل عن مقاصدها وتضييع الجهود فيما يباعد القلوب ويمكن الأعداء من استباحة البيضة مع التذكير بأن “من حق المحادثة وواجب المؤانسة ترك المراء”، وبقول بعض السّلف: “أفضل ما أعطيه الإنسان اللسان، وفي ترك المراء راحةٌ للبدن” كما في “البصائر والذخائر” للتوحيدي، وأنار الله بصائركم وجعلكم ذخرا لدينه، وزادكم توحدا وتوحيدا.

نقلا عن موقع الموقع

زر الذهاب إلى الأعلى