قصيدة (ظلموني )/ الشيخ محمد الأمين مزيد


إعادة نشر بمناسبة اليوم العالمي للشعر
هذه القصيدة كتبتها في المدينة المنورة في رحاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وكانت هذه الجامعة تجتذب الطلاب من أقطار العالم الإسلامي ، وكانت أخبارُ العالم الإسلامي حاضرةً في جنَباتها ، وكانت الجامعة متفاعلةً مع الأحداث في العالم الإسلامي ، وخصوصا في أيام الرجل الفاضل الدكتور عبد الله الزايد فجاءت قصيدة (ظلموني ) معبرة عن واقع الأمة .
وقد نشرتها لأول مرة في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عدد ربيع الأول 1398 وكان يرأس تحريرها الشاعر السوري المشهور محمد المجذوب وهو صاحب كتاب ( علماء ومفكرون عرفتهم )
وكان العنوان الذي تم نشرها تحته هو ( العالم الإسلامي يتكلم ) وتحته عنوان (ظلموني) ونشرتها بعد ذلك في جريدة الشعب الموريتانية في عدد 19 رمضان1398 وكان يرأس تحريرها في تلك الأيام الأستاذ الخليل النحوي حفظه الله تعالى .
ونشرتها بعد ذلك في مجلة (الإرشاد) اليمنية في عدد صفر 1402
وقد ألقيتها ذات مرة في حفل حاشد أقامتْه الجمعية الثقافية الإسلامية على شرف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله عمر نصيف ، وقد أعجبتْه القصيدة فجاء إليَّ مدير الأوقاف حينها الأستاذ محمد عال ولد زين رحمه الله تعالى وأخبرني برغبة الدكتور عبد الله في الحصول على نسخة من القصيدة ، فطلبْت من الأستاذ موسى ولد عبد الرحمن أن يكتبها لي بخطِّه الجميل ففعل وسلَّمْـــتها لهم .
وقد بثتْها التلفزة الموريتانية ذات مرة في برنامج أدبي كان أحد المشرفين عليه الصحفي المشهور أحمدُّ ولد ميح فهل يحتفظ أرشيفُ التلفزة حتى الآن بذلك ؟
في منطقة دبِّــــــين بالأردن حضرْتُ مُـــخيَّما إسلامــــــــيًّا في صيف 1978 وكانت مناسبة لإلقاء (ظلموني ) في جموع الشباب . ولكنهم فاجؤوني بعد إلقاء القصيدة بأنهم ما سمعوا شيئا !!! فهم يريدون إلقاء مترسلا متمهِّلا مُفْهِما .
أرسلت نسخة من ( ظلموني) بعد كتابتها للأخ محمدِّن ولد حــمَّينَّه وكان طالبا في القاهرة فكتب لي رسالة أدبية جميلة في نقد القصيدة ويؤسفني ضياع هذه الرسالة . فهل يمكن أن نطلب من الأستاذ محمدن إعادة كتابة تلك الرسالة ؟
ولما زار القائمون على (معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ) انواكشوط عقدوا جلسة مع مجموعة من الشعراء كنت من بينهم ، وقد طلبوا منا تسليم نماذج شعرية لنشرها في المعجم ، وقد كانت (ظلموني ) من القصائد التي اخترتها لهم فحظيت بالنشر في المعجم في باب من اسمه : محمد الأمين
وقد كتب الأستاذ الأديب محمد سالم ولد محمدُّو مقالا أدبـــــيا مُطوَّلا بعنوان قراءة في ديوان محمد الأمين ولد مزيد
قال فيه “… ظلموني قصيدة تختصر على طولها أزمة الإنسان المسلم، أزمة الواقع الإسلاميِ، والضياع الذي تعيشه الأمة، ويتجلى الإبداع في هذا النص في قدرة الشاعر على السيطرة على الإطار الموسيقي للنص وشحنه بأقصى ما يمكن تحميله من الرؤى والصور والمعاني، والاستفادة من قدرته الفائقة على تشخيصه للواقع في إطار شعري بديع …”
ظلموني
ظلموني حقا لقد ظلموني حرَموني الحياة َ في ظل ديني
حكموني بغير ديني فنفسي في اضطرابٍ وأمتي في شجون
أبْعَدوني عن هدْيِه فخُطاي الْـيومَ عُرجٌ مُصابةٌ بالجنون
أبْعدوني عن نوره فظلامُ الـليلِ حوليَّ مُوحِشٌ بالسكون
أبعَدوني عن الهدى فأضاعوني وقد كنتُ في حماه الحصين
عشت ُ في ظله عزيزا رفيعَ الـرأسِ لا أنحني لعسْف القرون
ظلموني لمْ ينشُروا العدلَ في أرضي ولم يزرعوا بذورَ اليقين
بذروا الذلَّ والمهانةَ في نفسي وضحّوا بعزتي للهُون
ظلموني فبذَّروا المالَ تبذيـراً وفي أمتي جياعُ البطون
فإذا ثروتي تَدَفَّقُ في الغرْبِ ليحيا بها بنو صهيون
ظلموني فسلموا الوطن الغالي على الرغمِ من صلاح الدين
وأضاعوا ما أحرزَ البطلُ الناصر ُ بالسيفِ في رُبَى حِطِّين
ظلموني فحكَّموا الغرب َفي أمــْـري وحادوا عن الكتاب المبين
فاعتلى كرسيَّ القضا يتحدَّاني ويقضي بحُكمه في شؤوني
ظلموني أنا الذي علَّم الغرْبَ شؤونَ الدستورِ والقانون
من كنوزي استفاد ، كيف أصير اليوم تلميذه ؟ لقد ظلموني
أنا قاضي الوجودِ والحاكمُ العادلُ أقضي بالعلمِ ِلا بالظنون
بيدي المُصحفُ الكريمُ أأحتاجُ إلى الجاهلين في التقنين؟
كيفَ أقضي بشرعِهمْ وكتابُ الله غضُّ التنزيلِ والتبيين
من ينابيعه تفجرتِ الأنْــهارُ واخضلتِ الربى بالمعين
ظلموني كنت المعلم والأستاذَ ، مني استمدَّ أهلُ الفنون
ظلموني فمزَّقوا شملَ أبـــْـنائي وحدُّوا الحدودَ بين البنينِ
ولقدْ كان عالَمي الأُفقَ الـرحْبَ وكانتْ أطرافُه في الصين
ظلموني.. كنتُ السحابةَ للناسِ ووردَ الربيعِ والزيتون
أينما كنت كنتُ غيثا مريعاً يتحدّى مخلَّفاتِ السنينِ
فأنا اليومَ أجتدي العالَمَ الـــظمْآنَ شأنَ الفقيرِ والمسكينِ
ظلموني فعنديَ البحرُ والنهــْــرُ ومُزْنُ السما وماءُ العيون ِ
ظلموني فعكَّروا أفُقِي الصافي وشابوا ازْرِقاقَه بالطينِ
كنت في ظلمةِ الدياجي أناجي مشرقَ النفس باليقين المكينِ
أنتشي إن قرأتُ في الليل قرآني ورتَّلْتُهُ بشدْوٍ حزين
فرحتي دمعةٌ تُبَلِّل خدِّي عندما يختفي رقيبُ العيون
يهمس الليلُ في فؤاديَ بالأسـْـرارِ حيثُ الوجودُ غافي الجفون
ذقت في هدْأة الدجى طعمَ إيماني وطعمَ الهدى وطعمَ اليقين ِ
فغزوْني فأغرقونيَ بالألْـــحانِ والحانِ والهوى و المجون
كنتُ في روضةِ تُعَلِّلُني الأنـْـسامُ واليومَ صرتُ في أتُّوني
ظلموني فعلَّمونيَ دينَ الـــْـغربِ دينَ الإلحادِ واللادينِ
ظلموني فعلمونيَ دينَ الــغرب دينَ الحشيشِ والأفيون
ظلموني فحطَّموا سدَّ أخـــــلاقي وكانت منيعةَ التحصين
ظلموني من الذي علَّمَ البنــــْـتَ فنونَ المجونِ بالتلقين ِ؟
وأراها الحياةَ لهواً رخيصا ًوكساها – بعد المُلاءِ -” الميني “
ظلموني من الذي علَّمَ الابن تعاطي الخمورِ في “الكازين “؟
فغدا تافها يقلد”فرويــــــــداً” ويحيا بالمذهب ” الدرْ ويني “
ظلموني من الذي زين الشرَّ على شاشةِ التليفِزْيُونِ
ردةٌ نامَ عن كوارثِها الحارسُ في حضن ِ رزقه المضمونِ
ورأتْها الشعوبُ من ْ سُننِ الكوْنِ فطمَّت ْ على الربا والحزونِ
أينَ حكمُ الهدى وأيامه البيــــضُ وتاريخُه الوضيءُ الجبينِ
حكمتْني بعْدَ الهدى زُ مَرُ” استالين” تَرْوي الإجرامَ عن ” لينين “
فاشتكتْ للأشجِّ منهم دمشق واشرأبَّتْ بغدادُ للمامون
وتعالتْ عقيرةُ النيل يا فاروقُ يا عمْرُو يا صلاح َ الدين
واستمعْنا في لَجةِ المُسْتَغِيثيــــــــنَ إلى صوتِ يا ابنَ تاشفِّين
وتلاقتْ في الشرقِ والغرْبِ صيحاتٌ تُعاني من العذابِ المُهين
عدنٌ تشتكي وكابلُ تُذري الدمـــــــْعَ والقرنُ مُثقَلٌ بالأنين
ما لنا – والسفينُ في لجة البحـــــــرِ-شراعٌ إلا دُعا ذي النون
هؤلاء الطُّغاةُ قد حكموني واستَبدُّوا على خطى ” موسِليني”
ظلموني فأينَ منْ ينصفوني؟ أينَ منْ يَغْرَ قونَ كي ينقذوني؟

زر الذهاب إلى الأعلى