هاشم الرفاعي.. رائد الشعر وأيقونة الثورة في عصره شيخن البان

تعرّفتُ على الشاعر المصري العبقري هاشم الرفاعي (1935-1959م) قبل أكثر من 12 عاماً من الآن على الأقل، وحفظتُ بعض قصائده العصماء وأولها وأشهرها قصيدته الرائعة ذائعة الصيت (رسالة في ليلة التنفيذ)، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن لا يزال هاشم الرفاعي -وسيبقى- من أفضل الشعراء بالنسبة لي، فقصائده جميلة ثائرة ضد الحيف والاستبداد والخداع السياسي والاجتماعي، حروفه صامدة لا تموت ولو قِيلت ألف مرة، بل تدبُّ فيها الروح ويُكتَب لها البقاء والخلود يوماً بعد يوم.
رغم أن هاشم الرفاعي توفي وعمره (24 عاما) بعد أن صدح بحنجرته آلاف المرات في معهد الزقازيق التابع للأزهر ضد الضيم والاستبداد، ودافع عن حق الإنسان عموماً والمصري خصوصاً في الرفاهية والحرية والكرامة، وترك الكثير من القصائد الجميلة التي جدّد فيها الحديث عن مختلف القضايا الإسلامية والعربية، إلا أنني تفاجأت مرات بأن هناك من المصريين من لا يعرف الشاعر هاشم الرفاعي أصلاً ولم يسمع به أحرى أن يعرف قصته مع جمال عبد الناصر أو يحفظ بعض قصائده العصماء، ومع ذلك يسألني بعض الزملاء المصريين في هذا السياق: (هل تعرف حافظ إبراهيم؟!!!).
وهنا أود أن أقول إن هاشم الرفاعي لا ينبغي أن يكون من الشعراء المجهولين الذين يحتاجون إلى تعريف، فهو شاعر ذاع صيته بسبب شاعريته الجميلة التي تفجرت وهو في عمر الزهور، وازدادَ شهرة بعد مقارعته لأحد رموز السياسة والاستبداد والظلم في جمهورية مصر العربية (جمال عبد الناصر)، وقد استطاع هاشم الرفاعي أن يُعرّف بنفسه وقناعته ورؤيته بخصوص قضايا عديدة تؤرق المواطن العربي، كالظلم والاستبداد والخضوع للحاكم، من خلال قصائده الرائعة التي تكشف عن أنه رائد الشعر وأيقونة الثورة والنضال في عصره.

الاستعداد للتضحية
من يقرأ قصيدة هاشم الرفاعي المشهورة (رسالة في ليلة التنفيذ) التي يتقمّص فيها شخصية شاعر محكوم عليه بالإعدام يجلس في ظلمات غرفة ينتظر تنفيذ الحكم، يكتشف بوضوح فتوَّة ووعي هذا الشاعر العبقري بعقلية الطغاة والمستبدين ومصير من يعيش في زمنهم، كما يتأكد من استعداد الشاعر للتضحية والبذل وتقديم الغالي والنفيس للأمة والوطن، حتى ولو كان ثمن ذلك الإعدام على مشنقة الحقد والطغيان وتصفية الحسابات الشخصية، لذلك نجد هاشم الرفاعي يقدم من خلال قصيدته الجميلة (رسالة في ليلة التنفيذ) صورة دقيقة عن الشاب العربي الذي ينتظر الإعدام من الطاغية السجان، حيث يقول:
أبتاهُ ماذا قد يخطُّ بناني ** والحبلُ والجلادُ ينتظراني
هذا الكتابُ إليكَ مِنْ زَنْزانَةٍ ** مَقْرورَةٍ صَخْرِيَّةِ الجُدْرانِ
لَمْ تَبْقَ إلاَّ ليلةٌ أحْيا بِها ** وأُحِسُّ أنَّ ظلامَها أكفاني

أَنا لَستُ أَدْري هَلْ سَتُذْكَرُ قِصَّتي ** أَمْ سَوْفَ يَعْرُوها دُجَى النِّسْيانِ؟
أمْ أنَّني سَأَكونُ في تارِيخِنا ** مُتآمِراً أَمْ هَادِمَ الأَوْثانِ؟
كُلُّ الَّذي أَدْرِيهِ أَنَّ تَجَرُّعي ** كَأْسَ الْمَذَلَّةِ لَيْسَ في إِمْكاني

وَإذا سَمْعْتَ نَحِيبَ أُمِّيَ في الدُّجى ** تَبْكي شَباباً ضاعَ في الرَّيْعانِ
وتُكَتِّمُ الحَسراتِ في أَعْماقِها ** أَلَمَاً تُوارِيهِ عَنِ الجِيرانِ
فَاطْلُبْ إِليها الصَّفْحَ عَنِّي إِنَّني ** لا أَبْتَغي مِنَها سِوى الغُفْرانِ.

ثورة في الضلوع
يبدو أن هاشم الرفاعي كان شاعراً مرهف الإحساس واضحة العبارة قوية الحجة والعزيمة، ولذلك كان يحسّ بثورة تسري في ضلوعه لا تنام، تدفعه إلى رفض الظلم، وقول كلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقيادة ركب النضال في معهد الزقازيق من أجل خلق تغيير في الوطن، وقد عبّر هاشم الرفاعي عن الثورة التي كانت تسري في ضلوعه بقوله:
يا ثورة في ضلــوعي *** وما لها من هجــوعِ
إلام أقضــي حــيـــاتي *** في ذلة وخضـــوعِ؟!
يبدو أن الثورة التي سكنت ضلوع هاشم الرفاعي ومنعته من النوم دفعته أيضاً إلى أن يحمل مشعل دعوة فتية النيل إلى رفض الظلم وسياسة القطيع التي كان جمال عبد الناصر يحاول تجسيدها من خلال أعوانه وزبانيته، لذلك نجد هاشم الرفاعي يقول في شموخ ووضوح:
يا فتية النيل الممجَّد إننا ** نأبى ونرفض أن نساق قطيعا
هذا “ابن نازلي” للهلاك يقودنا ** جهراً ويَلقى في البلاد مطيعا
فإلى متى هذا الخنوع وإنه ** جرم أضاع حقوق مصر جميعا.

جلاد الكنانة
في قصيدته “جلاد الكنانة”، يهجو الشاعر هاشم الرفاعي جمال عبد الناصر الذي يصفه بـ “جلاد الكنانة”، ويتساءل عن فائدة النيل ما دام يشكو المذلة ويعاني الهوان، وقد تحدث الرفاعي عن ذلك في وقت كان كبار الأدباء والمفكرين يؤثرون السلامة خوفاً من بطش الطاغية جمال عبد الناصر، الذي حارب الحرية ودعا إليها في آنٍ واحد، لكن يبدو أن هاشم الرفاعي يعبأ بذلك فقال مخاطباً جمال عبد الناصر “جلاد الكنانة”:
أنزل بهذا الشعب كل هوان ** وأعـدْ عهود الرق للأذهان
واقتلْ به ما اسطعت كل كرامة ** وافرضْ عليه شريعة القرصان
أطلق زبــــــانية الجحيم عليه من ** بوليسك الحربي والأعوان!
ماذا أفاد النيل من كورنيشه ** إن كان يشكو ذلة ويعاني؟
إن السجين إذا ارتدى من سندس ** في القيد لا يرتاح للسجان
إلى أن يقول:
جلاد مصر ويا كبير بغاتها ** مهلا فأيام الخلاص دواني
من أي غاب قد أتيت بشرعة ** ما إن يساس بها سوى الحيوان؟
وبأي قانون حكمت فلم تدع ** شيئاً لطاغية مدى الأزمان؟”
وفي قصيدة “مصر بين احتلالين”، نجد هاشم الرفاعي يتحدث عن خداع رجال ثورة 23 يوليو 1952 للمصريين، حيث يقول:
إنْ يتركِ الوادي الدخــيل فـإنَّنَا ** نحيا بــمصر فريسةَ الإذلالِ
يا نيلُ إنَّ السَّيْلَ قد بلغ الزُّبى ** وغـــدتْ بلادُكَ دمية الأطفال
الشعبُ مشدودُ الإسارِ مُـكَمَّمٌ ** يشكـو القيـودَ وما لهُ من والِ
ولقد ظننَّا أننا في عـهدهم ** سنـــــــــزيحُ عنَّا مرهِقَ الأثقال
حتى تكشَّـــــــفَ للبلاد خداعُهم ** هيهات للظمــآن ريُّ الآلِ.

اغتيال الأيقونة
بعد أن اتضح لنظام جمال عبد الناصر أن هاشم الرفاعي يشكل خطراً أو تشويشاً عليه بسبب شاعريته القوية التي تأسر القلوب ونقده الصريح لسياسة الطغيان التي مارسها قادة تلك الثورة على المصريين، كان لا بد من التخلص من هاشم الرفاعي ومن أمثاله من الشعراء والأدباء والسياسيين والمصلحين المصريين، لذلك كان الدكتور إبراهيم ناجي (1898-1953) أول الشعراء والأدباء الذين قتلتهم ثورة 23 يوليو 1952 في مصر والتي قادها محمد نجيب وجمال عبد الناصر، أما هاشم الرفاعي فيبدو أنه كان ثاني الشعراء الذين أزهقت هذه الثورة أرواحهم، ومما قاله هاشم الرفاعي في رجال ثورة 23 يوليو 1952:
هبني خدعت بكل ما زيفته ** عن سادة الأحزاب والإخـوان
هل خان قائدنا نجيبٌ عهدنا ** أم راح نهب الحقد والأضغان؟
لم يرض بالحكم انفراداً غادراً ** بعد العهود وبيعة الرضوان
أو كل شهم لا يطيق خداعكم ** أضحى لديكم خائن الأوطان؟
وقد ذهبت بعض المصادر إلى أن هاشم الرفاعي “مات قبل تخرجه بعام واحد إثر طعنة طائشة أثناء مشاجرة بين طلاب قريته (أنشاص) على رئاسة النادي الرياضي في القرية”، وتذكر مصادر أخرى أن هاشم الرفاعي لم يكن طرفاً في تلك المشاجرة، وأن الأمر دبّر بليل من أجل تصفية هذا الصوت الشاعري الصادح بالحق، الرافض للضيم والحقد والطغيان، الداعي إلى الحرية والكرامة والعدالة.
رحل هاشم الرفاعي مغدوراً مطعوناً من طرف أحد أبناء جلدته، وبقي شعره يمثل مدرسة في الحرية والكرامة والشموخ والإباء، ولا يزال وسيظل يشكل رقماً صعباً في مدرسة الجهاد بكلمة الحق أمام السلطان الجائر دون خوف أو وَجَلٍ أو أي حراسة، لقد ظل هاشم الرفاعي يَهوَى الحرية والحياة الكريمة ويرفض القيد والإرهاب والاستخفاف بالإنسان فعلاً، وقد رحل وهو يحمل عزّته وكرامته وفاضت روحه ودم الأحرار يغلي في شريانه، كما قال في معجزته الشعرية (رسالة في ليلة التنفيذ):
أهــوى الحياة كريمة لا قيد لا ** إرهاب لا استخفاف بالإنسانِ
فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزّتي ** يَغلي دم الأحرار في شرياني!
أما جمال عبد الناصر “جلاد الكنانة” حسب تعبير هاشم الرفاعي، فقد كان محاطاً بالحراس والضباط والجنود والخدم والجماهير التي تستعذب المذلة والإهانة، ثم عاش جزءاً من حياته وهو في خوف شديد من المجهول وحتى من المقربين منه، وفي الأخير مات بنوبة قلبية ألمّت به بعد انتهاء القمة العربية الطارئة يوم 28 سبتمبر 1970، ونُقل على إثرها إلى منزله كي يتم فحصه من طرف الأطباء، لكن الأجل المحتوم وافاه بعد ساعات.

بحتري زمانه
وإذا كان نزار قباني قد رثى جمال عبد الناصر بقصيدته المشهورة: “قتلناك يا آخر الأنبياء”، فإن الشاعر علي الجندي كان معجباً بالشاعر الشاب هاشم الرفاعي، ولذلك رثاه بقصيدة ذكر فيها أن هاشم الرفاعي كان يُكنَّى في شعره بابن أوس ويُسمَّى بالبحتري الصغير:
لهفُ نفسي على الصِّبا المنضورِ ** لفَّه الغدر في ظلام القبورِ
لهفُ نفسي على القريض المُصفَّى ** صوَّحت زهره عوادي الشرورِ
لهفُ نفسي على النبوغ المُسجَّى ** برداء من البلى والدثـورِ
إلى أن يقول:
ذبحوه ويأرج المسك مذبو ** حاً، وبالذبح كان فخر العطورِ
قتلـوه بغيـاً ليخفــوا سناه ** كيف يخفى سنى الصباح المنيرِ؟
ومهما كان موقف الناس من جمال عبد الناصر وهاشم الرفاعي رحمهما الله، فإن هناك يوماً طويلاً تنتظره البشرية جمعاء، سيتم فيه الكشف عن جميع الحقائق في تاريخ البشرية، وسينتقم الله فيه للمظلوم من الظالم، ذلك اليوم هو الذي تحدث عنه هاشم الرفاعي في ختام قصيدته (رسالة في ليلة التنفيذ) التي ألقاها في “مهرجان الشعر الأول” في دمشق في عام 1959م وأبكت الملايين، وذلك حين قال:
لكنْ إذا انْتَصَرَ الضِّياءُ وَمُزِّقَتْ ** بَيَدِ الْجُموعِ شَريعةُ القُرْصانِ
فَلَسَوْفَ يَذْكُرُني وَيُكْبِرُ هِمَّتي ** مَنْ كانَ في بَلَدي حَليفَ هَـوانِ
وَإلى لِقــاءٍ تَحْتَ ظِــلِّ عَــــدالَةٍ ** قُـدْسِيَّةِ الأَحْكــامِ والمِيــــزانِ.

زر الذهاب إلى الأعلى