حديث رمضان /محمد الأمين ولد الشيخ بن مزيد



الحكمة من الصيام
الحكمة من الصيام هي : التدريب على التقوى كما جاء ذلك في قول الله عز وجل ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) (سورة البقرة : 183 ) فنحن نصوم لنتدرب على” التقوى” ذلك لأن في الصيام طاعة منظمة ، مؤقتة توقيتا دقيقا، يلتزم به المسلم إيمانا واحتسابا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . ” متفق عليه .
والصائم في إمساكه عن المفطرات لا يراقب إلا الله عز وجل فيمسك عنها في السر كما يمسك عنها في العلانية ، ويصوم عنها أمام الناس ،كما يصوم عنها وهو بعيد عنهم ، استشعارا لرقابة الله عز وجل ( إن الله كان عليكم رقيبا ) ( سورة النساء : 1) .
واستشعار هذه الرقابة يحمل المسلم على التقوى والاستقامة في بقية حياته ، أليس سبب المعصية هو “الغفلة” عن الله عز وجل ؟ونقيض الغفلة إنما هو :” الذكر” و” اليقظة ” .والتقوى في حقيقتها يقظة إيمانية تقي المسلم وتنجيه ، أليست التقوى مشتقة من الوقاية ؟( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون ) (سورة الزمر :61 ) ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :” الصيام جُنّة” متفق عليه .
“والجُنّة” : أداة حربية يواجه بها المحارب أسلحة العدو فتتراجع من غير أن تحقق الهدف ، وكذلك الصيام يرد عنك سهام شياطين الإنس والجن الموجهة إلى كيانك المعنوي ، فتبقى مستقيما في حياتك ،مواليا لأولياء الله معاديا لأعدائه ، حافظا لحدود الله ، محفوظا بحفظ الله ، والصيام الذي يثمر التقوى هو الصيام الحقيقي كما أراده الله ، وكما سنه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فعندما نقرأ الآيات المتعلقة بالصيام نجد شهر رمضان مرتبطا بالصيام والقرآن والدعاء :

1 . صيام في النهار عن الأكل والشرب وشهوات النفس ، وصيام عن المحرمات ، وصيام عن الأخلاق المذمومة .
كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” .. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم ” متفق عليه ، ويقول صلى الله عليه وسلم ” من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ” رواه البخاري فليس الصوم إمساكا عن الحلال ، وتضييعاً للوقت في المحرمات .

2 . وقراءة القرآن في ليالي رمضان وأيامه ، ولهذا كانت صلاة التراويح في ليالي رمضان وكان جمع الناس فيها على قارئ واحد يصلي بالناس فيلتقي سماع القرآن ودعاء الإيمان في جو من الخشوع والحضور،وتجيء ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر لتحظى بأكبر نصيب من الصلاة والقرآن والدعاء ( حتى مطلع الفجر) .

3 . ويجيء الدعاء آناء الليل وآناء النهار سمة بارزة من سمات هذا الشهر، تعبدا لله تعالى واستجابة لدعوته وإيمانا به واستشعارا لقربه ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (سورة البقرة :186)
وبهذا يكون رمضان القرآن والصيام و الدعاء فترة تدريبية غالية يحصل بها الصائم على شرف التقوى التي هي مقياس الفضل عند الله عز وجل ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (سورة الحجرات :13)
اللهم آت نفوسنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن فلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها .

فوائد الصيام
أ ) من فوائد الصيام : أنه يربي في الإنسان “قوة الإرادة ” فلا يكون الإنسان أسير هواه يأتمر بأوامره ، ويقف عند حدوده ، ويعبده من دون الله ( اتخذ إلهه هواه ) تتحكم فيه نفسه فتملكه ولا يملكها وقد قيل :”السعادة كلها في أن يملك المسلم نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه .” وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ” متفق عليه . فهنا تكون القوة ، وهنا تكون الشجاعة ، وهنا تكون قوة الإرادة ، حين يضبط المسلم نفسه في ثورة الغضب ، ولا ينساق مع ما تمليه عليه فورة الدم ، ولهذا كان ” المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل ” رواه الترمذي وصححه .
ولهذا كان فضل الصبر الثابت في الكتاب والسنة قال الله عز وجل : (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) (سورة الزمر : 10 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :” الصبر ضياء ” رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم ” .. وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ” رواه البخاري . أليس الصبر هو : حبس النفس على ما تكره ؟ سواء أكان صبرا على طاعة الله عز وجل ، أم صبرا عن معصية الله عز وجل ، أم صبرا في السراء عما يدفع إليه الغنى من الطغيان والبغي ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) سورة العلق ( 6-7 ) ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) سورة الشورى : ( 27 ) أ م صبرا في الضراء عما قد تدفع إليه الحاجة من التنازل عن أخلاق الإيمان ” إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ” ولهذا كانت الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )(سورة السجدة: 24)
فمن فوائد الصيام أنه يربي قوة الإرادة ، فإذا انضم إلى الصيام الجهاد كان الكمال . وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ” رواه البخاري.
ب) من فوائد الصيام أن فيه جوعا مفيدا ، يصفي القلب ويرققه ، ويزيل البطر والأشر والطغيان، وقد قيل : “لا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع فعنده تسكن لربها وتخشع له ، وتقف على عجزها وذلها .” والصيام يكسر شهوة المعاصي كلها ذلك ” أن منشأ المعاصي كلها – كما يقول أبو حامد الغزالي – الشهوات والقوى ، ومادة القوى والشهوات -لا محالة- الأطعمة، فتقليلها تضعيف كل شهوة وقوة .” وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ” متفق عليه.
هذا الجوع الذي يتضمنه الصيام يبعد المسلم عن آفات الشبع التي أجملها أبو سليمان الداراني في قوله : ” من شبع دخل عليه ست آفات (1) فقد حلاوة المناجاة (2) تعذر حفظ الحكمة (3) حرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع (4) ثقل العبادة (5) زيادة الشهوات (6) أن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد والشباع يدورون حول المزابل .
ج ) من فوائد الصيام أنه يجعل المسلمين يتذكرون الجائعين ، والمحرومين ، واللاجئين ، والمشردين في أنحاء الأرض وتزكو في نفوسهم العواطف الخيرة فيكون التوادد والتراحم والتعاطف والتكافل ، ويكون شهر رمضان المبارك شهر جود وإنفاق وإيثار ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس دائما ولكنه كان في رمضان أجود ما يكون .
د) ومن فوائد الصيام : ما ذكره الأطباء من أن فيه تخليصا للبدن من الشحوم المتراكمة ، وطرحا للفضلات والسموم ، وإراحة للكليتين وللجهاز البولي ، وتخفيفا لوارد الدسم على الشرايين .
إلى غير ذلك من الفوائد التي يشملها قول الله عز وجل : ( وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) سورة البقرة : (184)

من آداب الصيام في شهر رمضان

أ . تعجيل الفطر تطبيقا لقول الله عز وجل ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) ( سورة البقرة : 187) واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر . ” متفق عليه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وهو مواصلة صوم يومين بلا إفطار وقال : لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر . رواه البخاري .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل كما في الصحيحين ولكنه بين لأصحابه أن ذلك خاص به و أنه ليس مثلهم فهو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ، وقد رجح ابن القيم في كتابه القيم : (زاد المعاد) أن هذا الإطعام والسقي معنوي لامادي، والمراد به : ” ما يغذيه الله تعالى من معارفه ، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته ، وقرة عينه بقربه ، وتنعمه بحبه ، والشوق إليه ، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ، ونعيم الأرواح ، وقرة العين ، وبهجة النفوس ، وللقلب والروح بها أعظم غذاء ، وأجوده وأنفعه ، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام برهة من الزمان . ” واستشهد بقول الشاعر :
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ومن حديثك في أعقابها حـادي
وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يواصلون ، ومن أمثلة ذلك : ما روي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن الزبير كان يواصل خمسة عشر يوما ، فإما أن النهي لم يبلغهم ، وإما أنهم واصلوا طلبا للخموصة على حد تعبير الطبري في تفسيره أي أنهم واصلوا تخفيفا للوزن لا تعبدا .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلي تمرات فإن لم تكن حسا حسوات من ماء . رواه الترمذي والنسائي . وفي حديث سليمان بن عمرو الضبي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور . ” رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم . ولا يخفى ما في ذلك من تعويض سريع للنقص الحاصل في السكر في فترة الصيام وهو ما يوصي به الأطباء الآن .
ب . السحور وتأخير السحور ففي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” تسحروا فإن في السحور بركة . ” وقد دل على ذلك قول الله عز وجل ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) ( سورة البقرة :187)
فقد بينت هذه الآية الكريمة أن المباشرة والأكل والشرب مسموح بها كلها حتى طلوع الفجر وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ” قال الراوي وكان (ابن أم مكتوم) رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت. وهذه النصوص تدل على أنه لا يجب الإمساك قبل طلوع الفجر ، وأنه يجوز للمسلم أن يقلد في ذلك المؤذن العدل العارف ، الأمر الذي يجعل الموقتين والمؤذنين مطالبين بكثير من تحري الدقة .
ومن بركة السحور : القوة على أداء عبادة الصيام ، فكأن الصائم قدم أكلة الصباح قبل طلوع الفجر وأخر غداءه ليتناوله بعد المغرب ، وهو تعديل في البرنامج اليومي سهل لا يجلب حرجا ولا مشقة ، ومن بركة السحور : الاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل ، حيث استجابة الدعاء ، وقبول الاستغفار ، وإعطاء السائلين ، ومن بركته : تعويد الأطفال الصائمين على أداء صلاة الفجر في الجماعة .

ج . الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل وخصوصا في شهر رمضان ، وقد أنزل القرآن في هذا الشهر فشكرا لله في هذه الذكرى علينا أن نقبل على القرآن تلاوة وتدبرا ومدارسة وتطبيقا ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) سورة فاطر : ( 29)

د . الجود والإنفاق وهو أمر مطلوب في كل زمان ، فالمال مال الله والمسلم مستخلف فيما تحت يده فعليه أن يتصرف طبقا لأوامر ربه وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) (سورة الحديد : 7) ومن صفات المؤمنين الأساسية : الإنفاق ( ومما رزقناهم ينفقون ) (سورة البقرة : 3) وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وصح عنه أنه ” ما سئل شيئا قط فقال : لا. ” وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين : ” .. فاتقوا النار ولو بشق تمرة ” ولكن الجود والإنفاق في رمضان أفضل لفضل الشهر . وكلما عظم الزمان أو المكان عظمت الطاعة وعظمت المعصية ، ( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ) (سورة الحج (30)( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) سورة الحج :(25)

ومن آداب الإنفاق :
1 . الإخلاص وابتغاء مرضاة الله لا مرضاة الناس والحذر من الرياء والسمعة فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .
2 . الإسرار فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة ، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه . متفق عليه .
وكان بعض السلف يبالغون في الإخفاء حرصا على الإخلاص فمنهم من كان يصر الصدقة في ثوب الفقير وهو نائم ، أو يقدمها في ظلام الليل ، إلى غير ذلك من وسائل الإخفاء . نعم إذا كان في إظهار الصدقة ترغيب للناس في الاقتداء بعيدا عن الرياء فقد قال الله عز وجل ( إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) (سورة البقرة : 271) .
3 . عدم المن والأذى قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) سورة البقرة : ( 264) ومن مظاهر المن بالصدقة : ” التحدث بها وإظهارها ، وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقدم في المجالس والمتابعة في الأمور. ” ومن مظاهر الأذى : ” التوبيخ والتعيير ، وتخشين الكلام ، وتقطيب الوجه ، وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف. “
4 . أن لا يستعظم ما أعطى ولا يعجب بما أنفق فالعجب محبط للأعمال والمطلوب أن يستصغر المسلم – دائما – ما يعطي فالمال كله لله عز وجل والعبد مستخلف فيه ، والمعطي في كثير من الأحيان لا يعطي إلا نسبة قليلة من ماله فعليه أن يخجل لا أن يعجب .
5 . اختيار الأجود والأطيب والأحب كما قال الله عز وجل ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (سورة آل عمران 92) ولا ينبغي للمسلم أن يختار الأردأ من ماله ليتقرب به إلى الله عز وجل قال الله سبحانه وتعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) (سورة البقرة : 267) .
6 . تقديم المستحقين من الأقارب وذوي الأرحام فالصدقة عليهم صدقة وصلة .

  1. اختيار النوعية المذكورة في قوله تعالى ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيمـاهم لا يسألون النــاس إلحافـا) ( سورة البقرة : 273) هـ . ومن آداب الصيام غض البصر وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش والخصومة والمراء وغير ذلك من “آفات اللسان ” وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ” وكذلك كف السمع عن الإصغاء إلى المحرمات فكل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) ( سورة النساء : 140) وكذلك كف بقية الجوارح عن الآثام ، فالحكمة من الصيام هي : تحصيل ملكة التقوى فإذا خاض الصائم في الآثام أفسد ما أصلحه الصيام . و . أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار فإن مقصود الصوم كسر الهوى لتقوى النفس على التقوى و”روح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه ” كما يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى .

ز . الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان وتحري ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره ، وأحيا ليله وأيقظ أهله . رواه البخاري ومسلم . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ، وفي السبع الأواخر منه .

ح . الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه ، فقد كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه بعده .

من أحكام الصيام

حكم صوم رمضان : صوم رمضان ركن من أركان الإسلام كما يدل على ذلك الحديث المشهور : بني الإسلام على خمس .. ومنكر وجوبه يعتبر مرتدا عن الإسلام لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة . وتارك الصوم عمدا هادم لركن من أركان الإسلام ، ويؤدب باجتهاد الحاكم .
على من يجب الصيام : يجب الصيام على المسلم ، العاقل ، البالغ ، القادر ، المقيم ،
ويشترط في وجوبه على المرأة : أ ن تكون طاهرا من دم الحيض والنفاس .
ولا يجب الصوم على المجنون لأن العقل هو مناط التكليف ، وقد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق .
ولا يجب الصوم على الطفل الصغير، ولكن الأطفال ينبغي تدريبهم على الصيام،كما يدربون على الصلاة وعلى الحج . والدليل على ذلك : حديث الربيع بنت معوذ في صوم يوم عاشوراء قالت : كنا نصومه .. ونصوم صبياننا الصغار منهم ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه حتى يكون عند الإفطار. رواه البخاري ومسلم . ولا يجب الصوم على المريض الذي يخشى بالصوم زيادة المرض أو تأخر البرء اعتمادا على التجربة أو على إخبار الطبيب العدل ، ومن السلف من يرى الفطر بكل مرض اعتمادا على إطلاق الآية ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) ( سورة البقرة:184)
ولا يجب الصوم عل المسافر بنص الآية ، ويجوز الصوم في السفر لمن لا يشق عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي و قد سأله عن الصوم في السفر فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر . متفق عليه . وكان الصحابة رضي الله عنهم يصومون في السفر ويفطرون قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر . رواه مسلم أما من يشق عليه الصوم في السفر فلا يصوم فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قد ظلل عليه فلما سأل عنه قيل له إنه صائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” ليس من البر الصيام في السفر” . متفق عليه .
وكذلك إذا كان المسلمون في مواجهة العدو والفطر أقوى لهم فلا ينبغي لهم أن يصوموا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لأصحابه وهم في طريقهم إلى مكة : إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا . رواه مسلم . بل أفتى ابن تيمية الجيش الإسلامي –وهو قريب من دمشق غير مسافر – بالفطر وذلك في معركة ” شقحب ” المشهورة وقد اعتمد على الحديث المذكور الذي يفهم منه أن كون الفطر أقوى للجيش سبب مستقل عن السفر مبيح للفطر . والسفر المبيح للفطر والقصر هو : السفر مسافة أربعة برد عند الإمام مالك والشافعي . ومن السلف من يبيح الفطر والقصر في قليل السفر وكثيره محتجين بظواهر النصوص المطلقة .
وكذلك لا يجب الصيام على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصيام فروى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) قال ابن عباس : ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا .
وكذلك لايجب الصوم على الحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو أولادهما لعدم قدرتهما على الصيام .
وكذلك لا يجب الصوم على الحائض والنفساء بل يحرم عليهما ، وعليهما قضاء ما فاتهما .
أركان الصيام :
1 . نية الصيام قبل طلوع الفجر ( 2) الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
مبطلات الصيام : مادام الصوم إمساكا عن الأكل والشرب وسائر المفطرات فإن الصوم يبطل بما يلي :

  1. الأكل والشرب عمدا لا نسيانا فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه . متفق عليه . فلا يبطل صوم الناسي عند جمهور علماء الأمة ، ويبطل الصوم بالأكل ولو كان ما يتناوله لا يتغذى به .
    2 . الجماع والاستمناء .
    3 . القيء عمدا أما من غلبه القي ء فلا حرج عليه .
    4 . نية الفطر في أثناء النهار ولو لم يأكل ولم يشرب .
  2. من أفطر ظانا غروب الشمس ثم تبين له عدم غروبها فقد بطل صومه ، وعليه القضاء عند جمهور العلماء ، وذهب داود وإسحاق إلى عدم وجوب القضاء في هذه الحالة، ورجح ذلك ابن تيمية مستدلا بحديث البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت أفطرنا يوما من رمضان في غيم على عهد رسول الله ثم طلعت الشمس .
    قال ابن تيمية : هذا يدل على عدم وجوب القضاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به . “
    على من تجب الكفارة ؟
    تجب الكفارة على من أكل أو شرب أو أتى أهله أو استمنى متعمدا في نهار رمضان عند المالكية ، أما عند الجمهور فإن الكفارة لا تجب إلا فيما ورد فيه النص وهو: إتيان الأهل . ما الكفارة ؟كفارة رمضان هي عبارة عن :
  3. عتق رقبة (2) صيام شهرين متتا بعين . ( 3) إطعام ستين مسكينا
    ويجب أن نلاحظ هنا أن المسلم ليس مخيرا بين الصوم والكفارة بل الكفارة جاءت لحل مشكلة التائبين النادمين ، كذلك الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول يا رسول الله هلكت وأهلكت . فال ما أهلكك ؟ قال وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم فدله على الكفارة .
    والكفارة مرتبة عند جمهور العلماء .

5 . لا حرج على الصائم فيما يلي:

  1. لا حرج على الصائم في أن يصبح جنبا فقد أباح الله للصائم مباشرة أهله حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل وهو أمر يستلزم أن يصبح جنبا وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا وهو يريد الصيام فيغتسل بعد الفجر ويصوم .
    2.الاغتسال والتبرد فمادام يجوز للصائم أن يصبح جنبا فقد وجب عليه الاغتسال ، وهو أمر نفهم منه أنه لا حرج في الاغتسال والتبرد.
  2. الأكل حتى يتحقق طلوع الفجر قال الله تعالى ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ..)
  3. السفر في رمضان ولو أدى إلى الفطر فقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في رمضان.
    5.المضمضة والاستنشاق بلا مبالغة ، وذلك مفهوم من وجوب الوضوء للصلوات ، أما عدم المبالغة في الاستنشاق فقد دل عليها حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” .. وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما .” رواه أهل السنن .
  4. استعمال الحقنة الدوائية في رمضان لأنها ليست أكلا ولا شربا ، ولا هي في معنى الأكل والشرب ، أما حقنة التغذية فهي في معنى الأكل والشرب ولذلك ينبغي للصائم تجنبها.
  5. شم الطيب لعدم الدليل المانع وللأمر بمس الطيب لصلاة الجمعة ولم يقيد بغير رمضان .
  6. غلبة القيء أما من استقاء عمدا فعليه القضاء .
  7. بلع الريق .
  8. غبار الطريق.
  9. الاحتلام لأن القلم مرفوع عن النائم .
زر الذهاب إلى الأعلى