نحو خطاب إسلامي معاصر (8) عن الرق والاسترقاق


كنت قد كتبت حلقات سابقة، تناولت أساسيات الفهم والمنهجية، وقضية المرأة، وجوانب من المسألة السياسية، وبقيت حلقات في المسألتين الحقوقية والثقافية هذه إحداها.
مثل هذا الموضوع مادة لنقاش لم يتوقف حتى الآن. وله وجهان، شرعي واجتماعي: وجه شرعي يتعلق بموقف الاسلام من الرق، هل يجيزه أو يحببه، أم يمنعه ويكرهه، وكيف نفهم ما ورد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الموضوع، وهل من ترابط بين الأحكام الجزئية والمقاصد الكلية في هذه المسألة.
أستسمحكم في بعض الإطالة وأطلبكم مرافقتي حتى نهاية المرافعة دون تجاوز أو استعجال، ولكم بعد ذلك أن تحكموا وتقوموا وتستدركوا.
أزعم أن استراتيجية الاسلام في التعامل مع الرق مرت بمرحلتين بالمعنيين الفكري والزمني، الأولى هي تغيير المعاملة قصد التكيف، والثانية هي تجفيف المصادر والمنابع قصد الإنهاء، وإليكم شرح ذلك ومستنده.
المعاملة للتكيف :
عند مجيء الاسلام كان الرق نظاما اجتماعيا منتشرا بين الأمم والقبائل، يقبله الجميع أو يستسلم له أو يتعايش معه، وعلى عادة الاسلام في حكمته وعقلانيته شرع يغير قواعد النظرة للرقيق ويضع ضوابط تنقله – ومعه غيره – إلى مستوى الإنسانية والندية ويمكن ملاحظة ذلك من خلال :
١ – تصحيح منطلق التفاضل : قال تعالى:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”
وفي الحديث الصحيح
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى”
فالرب واحد ( الخالق واحد )
والأب واحد ( الأصل واحد )
لا اعتبار لعرق ولا للون
التقوى هي المعيار ( متاحة للجميع ) إن وفق الله وسدد
٢ – أدب الخطاب وكف الأذية:
في حديث مسلم ” لا يقولن أحدكم عبدي أو أمتي، كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي ”
كما أخرج مسلم عن أبي سعيد البدري ” قال كنت أضرب غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي يقول: اعلم أبا مسعود، إعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول :اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام قال : فقلت : هو حر لوجه الله فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار”
فانتبه لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللمسارعة إلى العتق، وإلى مستوى العقاب المنتظر.
وفي تغيير أسلوب المخاطبة وكف الأذية والتعنيف فرصة واضحة للارتقاء بضحية العنف اللفظي والبدني، أي الرقيق، ونحن مازلنا في مرحلة التكيف وتغيير الحال.
٣ – العدل في الإنفاق وفي التكليف:
في البخاري «يا أبا ذَرٍّ أعيّرْتَهُ بأمِّه؟ إنَّك امرؤ فيكَ جاهلية، إخوانُكم خَوَلُكُم، جَعَلَهُم اللهُ تحت أيديِكم، فمن كان أخوه تحت يده، فلْيُطْعِمه مما يأكلُ، ولْيَلْبِسُه مما يَلْبَسُ، ولا تكلُفُوهم ما يَغْلِبُهم، فإنْ كَلَفْتُمُوهم فَأَعِيْنُوهُم”
فانتبه، أصبحوا إخوة (العلاقة تغيرت )
ثم نفس المأكل ونفس الملبس، والتكليف حسب الطاقة، وإلا فالإعانة والإسناد ، إنه التكيف والتغيير يتراكم.
ونقلوا أن عمر بن الخطاب وهو خليفة يتناوب مع عبده الركوب على الناقة، وأضاف الإمام النووي في شرحه على مسلم ” حتى ولو قتر السيد على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله، إما زهدا وإما شحا، فلا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه”
٤ – الصورة المثلى :
في الحديث المتفق عليه أن ” ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين ” ومنهم ” رجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران”
والانتقال السلس بالمجتمع في مرحلة التكيف وتصحيح الوضعية يقتضي تفهم الحال مع السعي لتغييره، لنستمع إلى سيدنا بلال رضي الله عنه يخطب لنفسه ولأخيه عند أسرة من غير فئتهم : ” هذا أنا بلال وهذا أخي، كنا كافرين فهدانا الله، وكنا عبدين فحررنا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله، فإن زوجتمونا فلكم الشكر، وإن رددتمونا فلكم العذر” فقالوا : والله لا نردكما فزوجوهما ”
ونقل عن ورقة بن نوفل أيام امتحان بلال رضي الله عنه وثباته على ” أحد…أحد…” قوله “والله لئن مت على هذا لأتخذن قبرك جنانا”
وقد رأينا تجسيدا عمليا للمعاني الشرعية الآنفة الذكر، فهاهي المؤاخاة – بما تحمله من التحام ومساواة – :
حمزة بن عبد المطلب مع زيد بن حارثة
بلال بن رباح مع خالد بن رويحه الخثعمي
أبوبكر الصديق مع خارجة بن زيد ….. رضي الله عنهم جميعا
وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يزوج ابنة عمه زينب بنت جحش لمولاه زيد بن حارثة، وهاهو الشاب أسامة بن زيد يقود وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش، وهاهو عمر بن الخطاب صاحب الموافقات والمزكى في فهمه يقول “لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته” وانتبهوا هذا منصب الخلافة والقيادة والريادة.
ولعل المحاورة التي أوردها ابن الصلاح في مقدمته عند حديثه عن النوع الرابع والستين: معرفة الموالي من الرواة والعلماء، توضح إلى أي حد كان حصاد تغيير المعاملة والتكيف مع التوجهات التحررية للدين، خلاصة المحاورة التي جرت بين الزهري وعبد الملك بن مروان أن من يتولى الفتيا وكرسي العلم في مكة واليمن ومصر والشام وأهل الجزيرة وأهل خراسان والبصرة، كلهم من الموالي، وبقيت الكوفة وحدها للعرب حيث كان ابراهيم النخعي، وختم عبد الملك المحاورة قائلا :” ويلك يا زهري، فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال قلت : يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد ومن ضيعه سقط “
ذلك وجه المعاملة للتكيف والتي كان حصادها كما رأينا تغيير وضع الرقيق وإشراكهم إخوة ومزاحمين ثم رؤوسا متفوقين، ولكن الاستراتيجية الاسلامية كانت تؤسس بهذا لجزئها الثاني وهو التجفيف للإنهاء وهو ما سنتتبعه في الحلقة القادمة، لننتقل من بعد ذلك من الوجه الشرعي إلى الوجه الاجتماعي – المحلي لنخرج في النهاية بخلاصات التحرير والمواطنة والمساواة.

زر الذهاب إلى الأعلى