نحو خطاب إسلامي معاصر (9) عن الرق والاسترقاق(ج٢)/ محمدجميل منصور


كنت قد أوضحت في الحلقة الماضية الجزء الأول مما اعتبرته الاستراتيجية الاسلامية في التعامل مع الرق، وهو المعاملة للتكيف، وحتى تكتمل الصورة، وتتحدد مقاصد الاسلام في هذه القضية، أتناول الآن الجزء الثاني وهو : التجفيف للإنهاء.
لقد كانت طرق الاسترقاق كثيرة ومصادره متنوعة، مما يضمن له استمرارية وتوسعا في مختلف المجتمعات حينها فجاء الاسلام لإغلاقها، وسن أحكاما في التعامل مع تلك الحالات التي تنتج رقيقا.
كان الاسترقاق شائعا بسبب العجز عن سداد الدين، فيسترق صاحبه عوضا عن تسديده إياه، فجاءت آية التوبة ” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” ثم كان الإعذار وتقدير الحال في آية البقرة
“وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”
وكانت الجريمة لمن ارتكبها سببا من أسباب الرق عقابا لصاحبها، فسنت الشريعة أحكاما لمختلف الجرائم : حرابة أو قتلا أوزنا أو قذفا أو شرب خمر أو سرقة ….إلخ
وكان بيع الأحرار ليصبحوا رقيقا أمرا شائعا فجاء في البخاري “قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته….(ومنهم)… رجل باع حرا فأكل ثمنه”
ومقابل إغلاق معظم الأبواب لمنع الاسترقاق الطارئ الجديد، كان هناك اتجاه الإكثار من أسباب العتق وجوبا وندبا وتحبيبا، فشرعت المكاتبة:
“وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”
وفي البخاري ” عن ابن جريح قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا”
وقد أعجبني تعليق للسيد محمد مختار ولد محمد عبد الله على آية النور ” فهل الأمر بالعفة للندب أو للوجوب؟ وهل إكراه الفتيات على البغاء بل وحتى إقرارهن عليه حرام أم مكروه فقط؟ فما جرى على هذين الحكمين يجري على الحكم الوارد بينهما”
والجارية حرة إذا ولدت لسيدها ” فهي معتقة عن دبر منه ” وحتى الهازل عتقه ماض ” من أعتق وهو لاعب فعتقه جاهز”
والعتق كفارة للقتل الخطإ
“وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حكيما” وقد فهم أرباب التفسير دلالة المعنى الوارد في هذه الآية فمقابل خروج نفس من عالم الأحياء، تدخل نفس في عالم الأحرار، فالرق موت، قال صاحب الكشاف: “وقيل لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها” وفي نفس الاتجاه سار العلامة محمد الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير:”وقد نبهت الشريعة بهذا على أن الحرية حياة، وأن العبودية موت”
والعتق كفارة للحنث:
“لايُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” وقد نبه بعض أهل العلم والفهم إلى أن “فمن لم يجد” تحضير لزمان لا يوجد فيه رقيق حتى يحرر.
والعتق كفارة للظهار:
“وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”
وبوب الاسلام على العتق من المال العام :
“……وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ…….”
“إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”
وهناك تفاصيل أخرى في توسيع دائرة العتق والتحرير تراجع في مظانها.
ومع هذه الأحكام كان الترغيب العام في العتق :
“فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ ”
وفي الحديث المتفق عليه “أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النار” وفي الحديث الذي رواه أبو داؤود “وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ”
وعمليا أعتق النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة المئات، وملفت هو أنه في كتب الحديث تجد كتاب العتق، فضله وطرقه وأجره ومنافذه ولا كتاب للاسترقاق، إو إليه يدعو، أو فيه يرغب.
ماذا بقي؟
بقي خيار من ضمن أربعة خيارات في التعامل مع أسرى الحرب الشرعية، ذكر القرآن منها اثنين ” …..فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا…. ” ومارس منها النبي صلى الله عليه وسلم اثنين، القتل والاسترقاق، ودون تردد مارسهما بصفة الإمامة مما يربطهما بالمصلحة التقديرية، قال ابن القيم : “وهذه أحكام لم ينسخ منها شيء، بل يخير الإمام فيها بحسب المصلحة” وذلك ما عناه الإمام محمد بن علي الشوكاني: “ومذهب الجمهور أن الأمر في الأسارى الكفرة من الرجال إلى الإمام، يفعل ما هو الأحظى للإسلام والمسلمين”
وتعليقا على استرقاق أسرى الحرب، أوضح عالم عصرنا د.يوسف القرضاوي بأسلوبه المتميز “ولم يستثن (الاسلام) من الأسباب التي عرفها العالم مفضية إلى الرق إلا سببا واحدا ضيق فيه كل التضييق، وأبقاه على سبيل الجواز والاختيار لا سبيل الحتم والإلزام، ذلك هو استرقاق الأسير في حرب إسلامية شرعية لم يبدأ المسلم فيها بعدوان، وذلك إذا رأى إمام المسلمين وأهل شوراه في ذلك مصلحة للأمة والملة، وإذا كان العدو يسترق أسرى المسلمين”
وهنا لابد من التوقف عند هذا الاستثناء (جواز استرقاق أسرى الكفار في حرب شرعية، يسترق فيها العدو أسرى المسلمين) بحيث يتضح لنا أنه ليس هدفا شرعيا، بل تحكمه عوامل الاضطرار والمرحلية، فلا هو اختيار ولا ممتد في الزمن، فإذا حصل أن اتفق العالم – كما هو واقع اليوم – على منع استرقاق أسرى الحرب، كان الاسلام والمسلمون أول المرحبين وأشد الملتزمين.
إذن نحن أمام مشهد شرعي وتوجيهي هذه معالمه:

  • الاسترقاق: حالة اجتماعية ونظام كان قائما قبل الاسلام وفي كل الأمم تقريبا، بل كان ركيزة العلاقات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية.
  • جاء الاسلام فتعامل معه، ولاشك أنه أقر أحكاما تتعلق به، إدراكا لواقع يستعصي تغييره حينها، ولم يكن مما جاء به الإسلام أصالة ضمن مشروع الهداية والاصلاح للبشرية.
  • وضع الاسلام قواعد وتوجيهات غيرت نمط المعاملة، وسمت بالعبيد وأنهت صيغ الأذية والإهانة والازدراء.
  • أغلق الاسلام أبواب الاسترقاق المتجدد، ورتب على ذلك أحكاما وبدائل.
  • جفف المنابع ورغب في العتق وترك منفذا واحدا (خيار من أربعة خيارات) لاعتبارات سياسية وعالمية حينها، إغلاقه – مع التطورات الحاصلة – انسجام مع المقاصد الشرعية.
    ولذلك حق للشيخ محمد فاضل ولد محمد الأمين أن يقول: “وإذا انكشف الغيب أن الاسلام لم ينشئ الرق، ولم يجعله دعيمته الوحيدة، بل لم يجعله من دعائمه أصلا، وإنما وجده أمامه وعمل على القضاء عليه”
    إن هذه المقاربة هي المنسجمة مع الإحساس النبوي الصادق في الحديث الذي قال فيه الامام الحافظ أبوبكر البيهقي “أخرج مسلم حديث الجار من حديث الليث وغيره، وحديث المملوك صحيح على شرطه وشرط البخاري” ونص الحديث: “مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه، ومازال يوصيني بالمملوك حتى ظننت أنه يضرب له أجلا أو وقتا إذا بلغه عتق”
    وهنا قبل أن ننتهي من حديث الاستراتيجية الاسلامية في التحرير، لنا أن نتساءل :
    كيف يحارب دين جزء منه ؟
    كيف يثيب دين على خلاف جزء منه ؟
    كيف يسد الباب أمام شرعة من شرائعه ؟
    كيف يسعى – حتى في حالة عتق الهازل – إلى ترصد الأسباب للتخلص من جزء منه ؟
    ما معنى أن يبوب على العتق لا على الرق ؟
    ما معنى أن يكون تحرير رقبة كإحياء نفس ؟
    ألا يعني كل ذلك أن الشارع يتشوف للحرية ، بل يسعى للحرية، بل يفرض الحرية.
    ولذلك لا تستغرب الفتوى المنسوبة لابن عابدين، وخلاصتها تنازع رجلين مسلم وغير مسلم في صبي، يقول المسلم إنه عبده، ويقول غير المسلم أنه ابنه، ولا بينة عند أي منهما، فيحكم القاضي ببنوته للكافر، لأنه في الأصل تقدم الحرية.
    لا تتعجلوا حتى ننهي الحلقة القادمة حيث الوجه الاجتماعي – المحلي للموضوع.

.

زر الذهاب إلى الأعلى