إبراهيم الدويري يكتب عن ذكرياته مع فقيد الدعوة (الجودة)

خُلَّةُ عَقْدَين مع منقذ الجيل محمد محمود ولد الجودة
في بداية عام 2000م وما صحب الألفية الميلادية الثالثة من دعوات العولمة ووعود التغيير العالمي الشامل وعبور البشرية إلى أنماط جديدة في الحياة والثقافة والاقتصاد والسياسة ثم زلزال موقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغزو أفغانستان وبدء معزوفة الحرب على الإسلام باسم الإرهاب، وقرع طبول الحرب الصليبية في 2003 للثأر من عراقة العراق واستباحة الرافدين؛
كانت ردود الفعل الطبيعية والخيارات المتاحة للشباب المسلم في أنحاء العالم بما فيها المحاظر الشنقيطية للتعامل مع هذه المتغيرات الكونية الكبرى تكاد تنحصر بالأساس في ثلاثة أمور؛ إما الانخراط في مفاتن العولمة والانسلاخ من الدين والهجوم على مقومات الأمة الحضارية والثقافية، أو الانسحاب بهدوء نحو “زمان الخويصة”، أو حمل السلاح لمقارعة الظلم العالمي والذود عن الكرامة وما يستتبع ذلك من غلو وتفريط كَبَّد الأمة خسائر فادحة في الأنفس وشبابها الأبرار.
كانت تلك الأعوام أعوام هزات مزلزلة وسنوات من “سني يوسف” على العالم الإسلامي، والله بحكمته وفضله يسخر بعض أوليائه في المراحل المفصلية من تاريخ الأمم لتثبيت المؤمنين بما تقتضيه كل مرحلة من المثبتات، وكان من معالم الثبات في تلك المرحلة نظرا للمآلات والمشاهدات والعبر بعد عقدين من تلك الهزات أن يبقى الشاب المسلم ملتزما بدينه من غير انخراط في العنف الأعمى، وأن يكون مطلعا على ما يجري حوله ومستفيد من وسائل عصره من غير غرق في “أشياء العولمة”، مع الحفاظ على سكينته الروحية وطمأنينته الإيمانية من غير أن يسكن شعف الجبال ويتفرغ لرعي الغنم.
وممن نحسب أن الله سخره ووفقه للقيام بمهمة التثبيت أحسن قيام في تلك المرحلة الصعبة ذلكم الشاب الهين اللين الصلب الذي فجعت به أمته وقارته ووطنه ومدينته يوم 30 شعبان 1442 هجرية الموافق على 12 أبريل 2021 من الميلاد، فما قصة الشيخ الشاب محمد محمود ولد الجودة؟ وما سبب ترك رحيله “رنة وزفيرا في كل بيت” بعد أن صار الموت بعد جائحة كورونا وسلاسل الحروب أمرا روتينيا لا يحرك ساكنا؟، لقد جمعتني الأقدار والدروب والاهتمامات بهذا الفتى العصامي، ومن حق نفسي علي وحق المفجوعين به في بلده وحول العالم ممن لا تربطهم به إلا آصرة الدين والنبل أن أبوح لهم بما علمت عنه وشهدت عليه خلال خُلَّة عقدين لزمته سنوات منهما لزوم الظل لشبحه، واللهَ أسأل التوفيق وحسن الختام.
اللقاء الأول
ذاتَ عطلة أسبوعية من ذلك التاريخ الصعب في محظرة النباغية –حرس الله مُهَجَ أشياخنا فيها وجزاهم عنا خير الجزاء- كان جمع من الطلاب من مختلف جهات موريتانيا وبعض الدول العربية والإفريقية المجاورة يناقش أحوال العالم وقضايا التيارات الإسلامية، والبعض الآخر يتجادل في مسائل من إشكالات طرة ابن بونه، واستفسارات عن المعاني والوصل والفصل ومباحث الألفاظ والقياس، و”قضايا منطقية” من غير انتظام، وفجأة أطل على الجمع الطلابي من جهة القرية شاب أنيق لا يرى عليه أثر السفر، تخترق نظراته حنايا الروح بلا استئذان، وتزرع مصافحته في القلوب طمأنينة وثقة، يعانق الغرباء ويمازح المعارف الأقدمين دعاه من يعرفه بمحمد محمود وسأله بعضهم بسرعة عن أخبار القدوم وأحوال أهل نواذيبو..
لم يكمل الشاب الأنيق جلسته الهادئة في الجمع الطلابي حتى انتظم بأدب جم لافت في سلك النقاش حول قضايا فكرية امتاز فيها في ثنايا كلامه باستعراض جديد الكتب والمطابع والتسجيلات الصوتية فوجدتني منجذبا إليه انجذاب الحائر إلى من يهديه السبيل، ومنعطفا إليه انعطاف الشكل إلى شكله، وكان ذلك المساء المحظري الجميل شاهدا على اجتماع شمل جسدين أضناهما البحث عن بعضهما البعض منذ تعارفهما الأول في عالم الأرواح فتوثقت منذ اللحظات الأولى عرى أخوة وخُلَّة؛ “وكان ما كان مما (سوف) أذكر بعضه”..
تاريخ غرفة
من صفات المصلحين الذين يمسكون بالكتاب أن الله امتن عليهم بأمزجة معتدلة تستوعب الجميع، وبصبر على مواجهة الصعاب التي تعترض طريق إيصالهم نور الله إلى الناس مع تفاؤل ونشاط يدفعانهم إلى مواصلة المشوار يقينا بموعود الله واستعانة به، وكانت هذه صفات مميزة للمرحوم محمد محمود ولد الجودة فكان كما عرفه طلاب المحظرة ومعارفه من أهل القرية رائق المزاج لا تحد علاقاته بالناس أي حدود، صبورا على لأواء المحظرة ونمط العيش فيها وهو القادم من مدينة ساحلية تداعب سكانها بالنسيم وتطعمهم لحما طريا، مع نشاط لا يفتر صاحبه ولا يستعجل اقتطاف الثمار قبل أوانها.
اعتاد طلاب محظرة النباغية تنظيم كلمة تربوية وتثقيفية للطلاب في إحدى “ليالي الخميسة”، وكانت كلمات الطالب محمد محمود وتعليقاته سراجا ينير للسالكين دروب الخير ومقامات الإيمان، ويبصرهم بمقتضيات الوعي بالعصر وتحدياته، وكان لذلك المنبر بركة طار شعاعها في الآفاق، وفي جنباته تحددت مصاير علمية وفكرية لكثير من الطلاب، وتولدت اهتمامات معرفية، وقامت مراجعات ثبت الله بها بعض عباده فعرفوا قيمة الاعتدال وقوة اليقين وفوائد الجد والاجتهاد فلزموا والتزموا وكانوا في مجتمعاتهم مفاتيح للخير مغاليق للشر جعل الله كل ذلك في ميزان حسانته ومؤنسا له في قبره.
لم يقتصر جهد ابن الجودة الدعوي والتنويري في المحظرة على ذلك المنبر الأسبوعي بل كان داعية فذا في سائر حركاته وسكناته وابتساماته ودعواته وزياراته ومطالعاته وإرشاداته ونقاشاته، وكانت مفردات الزيارات والدعوات من أكثر المفردات دورانا على لسانه في سعيه الدؤوب للتمسيك بكتاب الله والهداية نحو الصراط المستقيم؛ كانت غرفته النظيفة المرتبة الواقعة في الشمال الغربي من قرية النباغية صالونا للنقاش الثري وتبادل الخبرات والمعلومات، وحضرة لتأليف القلوب، وتخطيطا لنصرة الدين، ومكتبة عامة لأمهات المراجع الفكرية النادرة والأشرطة المسجلة من السلاسل العلمية والدعوية المختارة بعناية ووعي كبيرين.
كان الإنصاف جبلة في فقيدنا المأسوف عليه، كما كان تحصين الشباب من آفتي الإفراط والتفريط هدفا رساليا عنده، ومقتضى الإنصاف الراشد أن يكون لدى المنصف اطلاع واع على مختلف الأفكار والتيارات ولم تكن عند ابن الجودة أي حدود بين الأفكار المختلفة وأصحابها مهما تباينت رؤاهم في بعض الفروع والأصول؛ فكانت كتب القرضاوي وأيمن الظواهري والألباني وحسن السقاف، ومحمد العلوي المالكي والنبهاني وأئمة الدعوة النجدية وكتاب حياة الصحابة والقول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ متصالحة في تلك الغرفة كما كان كل واحد من أصحاب تلك الأفكار والرؤى يعتبر ابن الجودة من خواصه يسعهم علمه وحلمه وينشد لسان حالهم عند كل زيارة أو لقاء قول كعب بن سعد الغنوي في أخيه
خيي ما أخي لا فاحشٌ عند بيته… ولا ورعٌ عن اللقاء هيوب
لقد كان أما حلمه فمُرَوَّحٌ….. علينا وأما جهله فعزيب.
سِداد ثغر وصحوة مدينة
أشهد أن المحبة النبوية الخالصة امتزجت بعظام وعروق محمد محمود، فكانت خطبه الدفاعية عن الجناب النبوي بالغة التأثير ناضحة بالتعظيم، وكان سلوكه هديا نبويا وكان عظيم التوقير للوحي وإن أنسى لا أنس استغرابه واستنكاره على من يتلو القرآن وهو مضطجع، وكان إذا هم بالتلاوة توضأ وتهيأ واستقبل القبلة خاشعا، وكان من أحلامه أن يكون محدثا حافظا للسنة واعيا لها، وما كان يسمع بمحدث إلا اهتم به، ولم يفارقه هذا الحلم ولا فترت فيه هذه الهمة، فلما وفقه الله للتحقيق العلمي كانت باكورة أعماله “البهجة السنية في حل الإشارات السنية”، للعلامة التتائي المالكي، وكانت سلسته العلمية في أحد المواقع الدعوية عن شرح الأربعين للمنذري، ولكم فَرحْتُ حين زف إلي الشيخ المفضال والزميل العزيز محمد فال السيد الشنقيطي خبر إكماله -رحمه الله- تحقيق شرح مختصر ابن أبي جمرة لصحيح البخاري لنور الدين الأجهوري، كما كان يشرح موطأ محمد بن الحسن الشيباني ويسعى لتفريغه. من غرام محمد محمود بالحديث النبوي أنه يرى أن المحدثين من المالكية مظلومون في المذهب، وكان من أمنياته أن يتخصص تخصصا أكاديميا يخدم به تراث أحد محدثي المالكية، وقد اهتم قديما بشروح القاضي أبي بكر ابن العربي للموطأ وبشروح حافظ المغرب ابن عبدالبر للموطأ وكتبه الأخرى، ولعل التحقيقين اللذين أكمل تحقيقا لبعض تلك الأماني النبيلة أجزل الله مثوبته.
عالم تاجر
في كتب السيرة والتراجم قصص مشهورة عن اشتغال النبي صلى الله عليه وسلم واثنين من الخلفاء الراشدين ومئات الصحابة والتابعين وكبار العلماء بالتجارة، ورأى ابن الجوزي في “صيد الخاطر” أن الجمع بين العلم والتجارة من صفات الكمال، فقال “ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس؛ فإنه إذا ضُمَّ إلى العلم حِيزَ الكمالُ؛ وإن جمهور العلماء شَغَلهم العلمُ عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه وقلَّ الصبر فدخلوا مداخل شانتهم، وإن تأولوا فيها إلا أن غيرها كان أحسن لهم”.
ملاحقة الكمال وعزة النفس هما السر وراء اقتحام ولد الجودة لمجاهل إفريقيا بحثا عن مال حلال يغني النفس والأهل ويوسع به على الأحبة والأصدقاء وهم كثر، وتُشادُ به مؤسسات العلم ومعاهده في مدينته الأثيرة نواذيبو، وكانت تجارته بدأت تؤتي أكلها ربحا وتوسعا في الآونة الأخيرة، كما أن شغف محمد محمود بنشر العلم والدعوة كان من دواعي اختياره للنيجر وإفريقيا على خطى الفاتحين والمرابطين، هذا في الوقت الذي آثر فيه نظراؤه المنافي الاختيارية في الغرب والخليج، ومن حقه على أحبابه وتلامذته أن يقوموا بما كان يعزم عليه من تشييد لمؤسسة علمية في مسجد قبا ومحظرة المالكية التي أسسها والده المبارك وأشرف عليها آل الجودة الكرام تلك الأسرة التي بهرت أحباب الفقيد وجميع الزوار المعزين بصبرهم واحتسابهم لفتى لا كالفتيان.
أم الفضل: رسالة تثبيت
حينن صُكت مسامعي بنعي محمد محمود –برد الله مضجعه- فكرت في تعزية كل أحد إلا القدرة على تعزية أختي أم الفضل زوجة الفقيد وأم أبنائه فأنا رجيل ضعيف أسيف شديد التأثر بفقد الأحبة غزير الدمعة على فراقهم هين التذكر تصاحبني أطيافهم وتلاحقني ذكرياتهم، ولمعرفتي بفداحة المصاب وعمق العلاقة الفكرية والروحية والنفسية التي تربط بين فضالة والفقيد قبل أن يزيدها زواجهما صلابة وقوة آثرت السكوت والدعاء لكن الفتاة التي حدثني عنها خليلي كثيرا لم تخيب الظن في موقف من أشد مواقف الابتلاء صعوبة، فكانت لي نعم المثبت بعد أن كان صفيُّها وخليلها خير المثبتين لجيل كامل.
فراق الأحبة صعب سيما فراق من جمع بين الأستاذية والزوجية المثالية وأبوة الأبناء وبأخلاق محمد محمود ونبله وفضله، لكن الفتاة التي طردها نظام ولد عبدالعزيز العسكري من الجامعة بسبب موافقها المبدئية فلم تهن ولم تلن ما زالت جذوة الإيمان عندها متقدة، وما زالت راية اليقين لديها خفاقة، وقد علمها زوجها المربي أن من لم يصبر ويحتسب عند الله فقد أحبته سلا سلو البهائم فآثرت الصبر والاحتساب وكتبت إلي “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحسن الله عزاءانا جميعا في الفقيد، أعرف أنك لم تستطع تعزيتنا لشدة التأثر فأنا والله خير من يعلم تلك الأخوة والخلة التي بينك والمرحوم، وأشهدك أني عند الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، وأشهد أن الله لن يخزيه أبدا، وأسأل أن يجمعني به في مستقر رحمته بعد ما كتب لي عمر في هذه الفانية، وأن يعنني على تربية الأبناء تربية تليق بأتباع النبي صلى الله عليه وسلم”.
صداقتنا إي والله يا أم الفضل كان أبو طه صديقا لي وحبيبا وأثيرا ومؤثرا، وإنه لصديق الجميع ويحب الجميع ويحبه الجميع فمثله في صفاء الروح وسلامة الصدر وعدم الشر لا يُصدق وجوده في هذا الزمن إلا من عرفه وخبره، وما ذا أقول عن أخ وصديق عايشته عن قرب وبعد عشرين حولا فما أحوجني إلى عتاب، ولقد كانت بيننا “ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومواتاة خلقية” أعمق من تلك التي لاحظ التوحيدي وجودها بين أبي سليمان السجستاني وابن سيار القاضي في كتابه “الصداقة والصديق”.
لن أطيل بذكر شمائل صفيي محمد محمود ومناقبه وإنها لموجودة في قصائد الرثاء العربي حقا وصدقا يجدها القارئ في بكاء متمم بن نويرة وكعب بن سعد الغنوي لأخويهما، ويجدها في قصائد ابن حامد لأعيان البلد وعلمائه، ويجدها الباحث في مراثي الخليل النحوي لعالمي البلد الجليلين وفتاه جمال بن الحسن. وبعد؛ فقد قيل لرجل بينك وبين فلان “صداقة فانعته لنا كي نعرف فقال:
هو كالخير، وازنُ العلم، واسع الحلم، إن فوخر لم يكذب، وإن موزح لم يغضب، كالغيث أين وقع نفع، وكالشمس حيث أوفت أحيت، وكالأرض ما حملتها حملت، وكالماء طهور لملتمسه، وناقع لغلة من احتر إليه، وكالهواء الذي نقطف منه الحياة بالتنسم، وكالنار التي يعيش بها المقرور، وكالسماء التي قد حسنت بأصناف النور”.