من وحي التراويح (فلسفة اللباس والستر)/ محمد محمود الصديق

مما طالعَنا في صَدْر سورة الأعراف البارحة، هذه الآياتُ المحكمات:
1- (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا).
2- (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّة).
3- (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا، وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْر، ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّه).
4- (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا).
5- (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد).
ويؤكد هذا أنّ لِباس الأجسام، وسترَ الأبدان، وتحصينَ العوْرات: أصل من أصول الفطرة، وجزء مُكمِّل لأصل الخِلقة القويمة التي خَلق اللهُ الإنسانَ عليها . ولذلك امتن الله على الناس – مُوازةً مع خَلقه وتكْوينِه لهم – بخَلقِه وإنزالِه لِمادة اللباسِ عليهم، ليتمكنوا من تغطية أبدانهم، وسترِ عوراتهم، وجميلِ هيئاتهم؛ بل جَعَل ذلك آيةً من آياته: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشا…) (ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ الله) . ومعنى (الريش): الزينةُ والجمال؛ فمِنحةُ اللباس لها غايتان: سترُ العَورات، وتجميلُ الهيئات. أو إن شئتَ قلت: اللباسُ لباسان: لباسُ صورة وستر، ولباسُ زينة وتجَمّل.
وقبل خَلق اللباس كان الستر يتم بحَجب الأبصار عنما لا ينبغي رؤيتُه من الأجساد؛ ولكنّ المخالفةَ التي أتاها أبوانا الأوّلان كان من العقوبة عليها: أنْ كُشِف ذلك الحجابُ وبَدت لهما سوءاتُهما، وطَفِقا يَخْصِفان عليهما من ورق الجنة يَسْتران به أجسادَهما، ويَتّقِيان به نَظر بعضهم وغيرِهم إليهما. وذلك منهم استجابةً تلقائية لداعي الفطرة الكامنةِ في نفوسهم، (فطرةِ الحياء والستر).
وقد كان هذا مما رامَه الشيطانُ وقصَدَه في ما كادَه لهما وخَطّطه، وهو أنه (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا).
وهكذا فإن مِن كمال الخَلق الذي خَلَق الله الإنسانَ عليه: تمامَ الحفظ لِبدنه، وإسباغَ اللباس على جسده ؛ سِترا له وزينةً وجَمالا.. بما لا يَصِل إلى حد المَخِيلَة والرياء، أو يعوقُ عن القيام بأعمال الحياة الضرورية . وكُلّما كان اللباس أَضْفَى وأسبغ، كان ذلك أدنى إلى أصل الفطرة، وأقربَ إلى قانون الأخلاق والمروءة. يستوي في ذلك الرجال والنساء.
ويتأكد الستر في حق الناساء ، لسببين اثنين: لِفتنة الإغراء التي أودَعها الله في أجسادهن ، ولأنّ الحاجات العملية لا تدعوهن عادة إلى إتيان كثير من المشاق والأعمال التي تقتضي التخفيفَ من اللباس، عكْسَ الرجال ؛ هذا فضلا عن السبب المشترَك بينهن وبين الرجال، وهو في حقهن أقوى، وهو أن اللباس السابغَ بطبعه من تمام الخَلق، وزينةِ المَظهر، وجمالِ المَنظر؛ ولِأن المرءةَ في ذاتها زينة (زُين للناس حب الشهوات من النساء..)، فإن من تمام زينتها اللباسَ الساتر و(الريشَةَ) السابغة. ما لم تتجاوز في رِيشَتها حدودَ المعتاد، بحيث تكون صادمةً للسكينة، لافتةً للانتباه، خارجةً عن المألوف.. فحينئذ تكون سيئةً مَكروهة. وذلك هو المعروف عند العلماء (بثوب الشُّهرة). يستوي في ذلك أيضا الرجالُ والنساء.
وللقاءات الاجتماعية، والمناسباتِ الشرعية، أَعْياداً وصلَواةٍ: خصوصيةٌ في العناية (بآية اللباس)، سِترا وزينة: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
تلك باختصار هي فلسفة الإسلام في موضوع اللباس، وخلاصتُها أن الحياء والسترَ توجيه واختيار رباني، وهو جزء من فطرة الله التي فَطَر الناسَ عليها؛ وأن السفورَ والعُرْيَ توجيهٌ واختيار شيطاني، ومن أول فنون الإغواء التي يسعى إليها. وأنّ المعركة الأولى التي جَرت بين الشيطان والإنسان كان موضوعُها للباسَ بشقيه المعنوي والبدني؛ الشيطانُ يريد رفعه ونزعه عنه، والآنسانُ يريد – فطرةً أو تدَيُّنا – التعلقَ به والتشَبّث.
هذا، وقد عَكست الحياةُ الغربية في عصرها الحاضر مقاصدَ الله (وآياتِه) في اللباس، وأحَلّت محلها (آيةَ الشيطان)؛ فبالغت – إمْعانا في اتباع خطواته – في كشف العورات، والتقليلِ من كل ما يُوّاري السوآت ؛ فخَلعت لباسَ الفطرة والحياء، بعد ما خَلعت لباس الأخلاق والتقوى، (ولباسُ التقوى ذلك خير). فعَكَست بذلك الآيةَ من أصلها، كمت عَكسَتها من فرعها: فسَتَرت الرجل جزئيا، وعَرَّتْ المرءةَ كُليا..
ولمُحزن ليس هذا فقط، وإنما هو اتباع المسلمين للكافرين فيما فُصِّل لهم أمرُه، وتُلي عليهم خَبرُه، وحُذّروا منه من أول يوم: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا..).
فنحن إذاً أما حضارتين وثقافتين مختلفتين: حضارةِ سكينةٍ وحياء وستر، وذلك هو قرارُ الله واختيارُه، وحضارةٍ ذاتِ ذوقٍ وثقافة موغلةٍ في السفور والعري، وذلك في الأصل هو منهج واختيارُ الشيطان (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما)، ليتحقق بذلك وعدُ الله في ختام هذه الآية: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمنون). نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.