الشعر والشاي لدى الموريتاني: جدل الكؤوس والطّقوس/د. ادي آدبه

كان المجتمع الشنقيطي، يسبح في صحاريه، منتجعا مواقع الماء والكلأ، حاملا معه مدارسه وجامعاته ” المحاظر “، أينما حل وارتحل، ترافقه مكتباته الموسوعية، على الظهور، وفي الصدور، متخذا من تراتيل القرآن، تعاويذ تمنحه طمأنينة القلوب، في جو التوجس السائد في تلك ” البلاد السائبة “، من حكم أي سلطة مركزية ضابطة، وباحثا في أناشيد الشعر، عن يلوى ترطب شظف الحياة البدوية، المتصحرة في مجملها، وبينما هو هكذا، لا يعرف مشروبا ألذ من الماء واللبن، إذ فاجأته القوافل القادمة من الشمال، 1875م، بمشروب الشاي الأخضر، الذي تعشقه، وأسقط عليه كل ما ترسب في مخزونه الشعري من صور للخمر في دواوين العرب، فأصبح هذا الوافد الجديد، هو خمرة الصحراء، التي يدمنها الواجد، ويتوق إليها الفاقد، وأصبح هو والشعر توأمين في ” بلاد المليون شاعر”، لدرجة من التماهي لا يكاد يعبر عنها إلا كيمياء: الشاي في الشعر، والشعر في الشاي” ، فهذه الخلطة السحرية بين شين الشاي، وشين الشعر، تفاعلت في عصارتها، حروف الأبجدية، منتجة ـ ضمن مدونة الأدب الموريتاني ـ غرضا خاصا بوصف هذا المشروب المعشوق، بالشعر الفصيح، والشعبي، وبالنثر، غير أني هنا سأقتصر على بعض تجليات الشاي في الشعر الموريتاني الفصيح، متلمسا بعض النقاط الأكثر أهمية:

بداية علاقة الشينين تفاعل الرحيقين:

لقد كان الشعر سابق الوجود على الشاي طبعا، إلا أنه ما كاد هذا الأخير يظهر، حتى احتضنه الأول، عبر علاقة حب حميمة، بين مكونين وجوديين، بالنسبة لأبناء هذا الإقليم، وهكذا كانت جلسة الشاي، عندنا سباقة إلى تجسيد فكرة ” الاتحاد المغاربي “، منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، من خلال توحيد عناصره لأغلب دول هذا المغرب الكبير، تجاريا على الأقل، فالشاي قادم من طنجة (المغرب)، والسكر من وهران (الجزائر)، والمستهلكون من شنقيط (موريتانيا)، والشهر هو عاقد هذا الرباط الوحدوي المقدس، حيث يقول الشيخ سيدي باب رحمه الله، واصفا لنا كؤوسا من هذا الشاي:تُخِيِّرَ من تُجّار طنجة شاهها + وخير لها من ثلج وهران سكرعناصره وأدواته: ترف البداوة:تتكون عناصره أولا من الشاي الذي يسمونه عموما، بـــ ” الورقة”، ويحرّفُونه، إلى “الشّاه”، و “أتاي”، و ” الأتاء”، ويقسِّمونه ـ حسب ـ أنواعه القديمة، إلى ” المفتول “، و ” الوندريز “، و” النميلة ” ، إضافة إلى السكر، الذي يسمونه بــ”التلج”، تحريفا للثلج، الذي يشبه قوالبه القديمة، بياضا، وتماسكا، دون أن ننسى الماء طبعا، وحزمة من النعناع ترفا، أما أدواته فأهمها صينية معدنية، وإبريق شاي، وكؤوس، ومجمر، وإبريق لغلي الماء، وقنديل إضاءة، إن كان التحضير ليلا، ولم يفُت الشعر الموريتاني أن يُسجّل لوحة دقيقة مركّبة، ” لطقم” الشاي هذا، الذي نسميه (أتاي)، مستلهما سورة يوسف عليه السلام، في صورة يوسف محضّر هذا المشروب المُحبّب، حيث يقول أحد شعرائنا القدماء:أتاي يوسف لا شالت نعامته + نعناعه أبدا… يفوح ريّاهُك أن إبريقه في دَوْرِ أكْؤُسه + من تحت مشكاته ـ في الليل ـ رُؤْيَاهُفالإبريق، والمشكاة، يمثّلان الشمس والقمر، في رؤيا يوسف عليه السلام، والكؤوس الدائرة، تمثّل الأحد عشر كوكبا التي رآها ساجدة له، وهنا نجد الشاعر سيد الأمين ولد سيدي ولد بابا الجكني، يصف وضعية ” مواعين ” الشاي أيضا، مشبّها سيادة الإبريق على الكؤوس، بسلطة الجَمل بين شوْله، في منزع بدوي، معرّجًا على وصف الصناعة في بعض الأدوات، التي ينسبها للهند، تعبيرا عن انبهاره الكبير بإتقانها:

جلوس كؤوس فوق أمّ الدعائم + يُهيِّجُ ما قد هاج طيف لنائم تروّى من الإبريق، وهو كأنّه + عَبَنٌّ يذود العيط بين الضراغموقد أتعب الهندي في صنَعَاتها + ورصَّع كالمولود داني التمائم فهذا نعيم الدهر لو كان دائما + ولكن نعيم الدهر ليس بدائم

إتقان التحضير: طقوس الكؤوس

لقد رصد الشعر الموريتاني ـ بدقة ـ طريقة تحضير هذا العصير السّحري، في طور خلط مكوناته، وعلاجه، وتدويره بين الكؤوس، حتى يصبح كُميْت اللون، معتّقا، مُرّ الطّعم، بين مرارة الشاي، وحلاوة السّكر، تتوّج كاساتِه عمائم بيضاء من الرّغوة…

ولعل أروع نص موريتاني في وصف هذا الطور من الشاي، هو قول ولد حبيب الرحمن، من شعراء النّصف الأوّل من القرن العشرين:

ومُعتّق.. باكرتُ.. عند المطلع + والشمس ـ بادية السّنا ـ لم تطلُعِفسعيتُ ـ فيه ـ بحيلتي.. حتى أتى + جبر الخواطر.. كالعصير المُنقَعِوتنازعته .. حلاوة .. ومرارة + كلتاهما ـ عن شأوها ـ لم تنزَعِكلتاهما لم تزر بالأخرى .. وما + شرب الأماجد غير تين بمُقْنِعِ!شربٌ.. إذا ما صب .. في كاساته + تكسى احمرارا كالخضاب بأصبع وعلىى احمرار الكأس تعلو رغوة + فتخالها شيبا .. بهامة أصلع.

وفي هذا السياق يقول الشاعر الشيخ أحمد ولد آدب:

وشاي بماء رنّحته غمامة + على كل كأس منه تبدو عمامةُوبــ” الوندريز” الصّرف أتقن مزجه + مع التّلج من راقت لديه الإقامة.

مجلس المنادمة: بين النخبوية والعمومية

يجمع الموريتانيون على أن الشاي لا يطيب إلا في طقسه الجماعي، وهذا ما كرّسوه، بقانون الجيمات الثّلاثة، المُشترَط توفّرها للشّاي النموذجي، التي تتجسّد عندهم في: الجماعة ـ الجَّر (طول التحضير) ـ الجمر، الذي يساعد ـ هو الآخر ـ على إطالة أمد الجلسة، المنعقدة، حول الشاي، والتي لا يُراد لها أن تنفَضَّ بسرعة.. غير أن ما يختلف فيه عليه الموريتانيون هو نوعية الحضور، وطبيعة جلسات الشاي، هل هي مفتوحة أم العموم، أم هي جلسات نخْبوية خاصة بأهل الأدب والمعرفة، والمكانة الاجتماعية المعتبرة، حيث إن هذه الجلسات، يريد لها هذا التيار أن تكون صالونات ثقافية، تدورُ فيها المُطارحات بين الفنّانين، والأدباء، والعلماء، والظّرفاء، ولا مجال لتسلّل من لا يمكن أن يحلّق في هذا الجوّ الرّفيع، فهذا العالم الشّاعر أبو مدين الديماني رحمه الله يحرص على الانتقائية في جلسة الشاي

:ألا فاسقني كاسات شاي ولا تذَرْ + بساحتها من لا يعين على السّمرفوقتُ شراب الشّاي وقتُ مسرّة + يزول به عن قلب شاربه الكدر

وبما أن وقت شراب الشاي، تريد له النخبة أن يكون وقت مسرّة ومسامرة، فإنه يفضّل أن يكون الجوّ العامّ مناسبا لذلك، حسبما يصفه الشيخ سيدي الصغير

:يقيم لنا مولاي والليل مقمر + وأضواء مصباج الزجاجة تزهروقد نسَمَتْ ريح الشّمال على الرّبى + نسيما بأذيال الدّجى يتعثّركؤوسا من الشّاه الشهي شهية + يطيب بها ليل التمام، ويقصُرُ

وعلى طابع ” الإمتاع والمؤانسة”، لمجالس الشاي، يلحُّ الشّاعر الأديب؛ محمد ولد أحمد يوره، رحمه الله

:أتايُنا منه فمّ المرء يحترق + قد طاب سكّره والماء والورقبات المبارك يسقينا على مهل + واللهو مجتمع والهمّ مفترقخِلْتُ الجمان على جباه فتيتنا + كلٌّ تحدّر من جبينه العَرقُ!وهنا لا بد أن يكون مجلس الشاي النموذجي هذا ” مجلس أنس ” مخصصا لكل أديب، كما يقول الشيخ أحمد ولد آدب:وشادٍ بإنشادٍ لشعر مهذّب + بمجلس أنس ليس فيه سآمه يميل إلى وصف القدود.. وتارة + لوصف خدود قد علتها القَسامه

ومن هنا لا غرابة أن ترى أحد هؤلاء النخبة يتأفف من تمييع الطقس الجماعي، لمجلس الشاي، وفتحُه أمام كل من هبّ ودبّ، ممن لا يتقن إلا شرب الكؤوس، مع أن شرب الشاي ليس غاية في حد ذاته، بل هو مُجرّد وسيلة للأُنس، والمسامرة والمثاقفة:ياويح للشاي لا تصفو مشاربه + لشاربيه لأن الكهل شاربُهوالطّفل شاربه منا وشاربه + منا الذي هو ما إن طرّ شاربه

إن

مجلس الشاي هنا يأخذ طابع جوّ المنادمة الحلال، وعلى ضوء ذلك لا بد من صيانته من العربدات غير اللائقة، مع العلم أنّ هذا المشروب، ليست له تأثيرات عقلية، وإنما يخاف من مجرد تدَنّي مستويات الحديث، والتّجاوزات اللفظية والفعلية، العادية في مطارحات العامة، حيث يقدّم بعضهم مسوغات إقلاعه عن تناول هذا المشروب، جاعلا من بينها:وخشية أن أجالس كل نذل + يجُرّ إليّ منقصة وهنالك هذا الاتجاه النخبوي في جماعيّة الشاي، هناك من يناقضه، بدعوته لفتح مجلس الشاي للجميع، باعتباره خيرا يجب تعميمه، فهذا الشيخ سعد أبيه، يقولنُعمّمه مثل المطاعم عندنا + فيشربه من عندنا (…….)

وقفة أخيرة: السّلوى والتّقوى:

لأن الشاي مشروبٌ وافدٌ على صحراء شنقيط، العالمة، المتديّنة، كان لا بد أن يثير داخل المجتمع جدل الحلال، والحرام، وبما أن علّة السّكْر، مناط تحريم الخمر، منتفيةٌ عنه تماما، فقد التمس الجانحون إلى التعفُّف عنه، عللا أخرى، مثل إضاعة المال، وإهدار الوقت، غيرَ أنَّ مُدْمنيه لم يُقَصّروا في دحض كلّ الشّبهات، المُثارة حوْل مشروبهم المُحبّب، فهو من الطّيّبات من الرّزق، التي لا سلطان لأحد على تحريمها، ما دام الله قد أحلها لعباده، وعلى العكس من إضاعة الوقت رأوه مُساعدا، على الدراسة والعبادة، والأذكار، كلّ تلك السّجالات كانت تدور بلغة الشّعر، لغة القوم، المهيمنة على كل الخطابات الفقهية، والعلمية، والتاريخية…،

فهذا أحد الشّعراء المُدمنين، يجعل العلم والشّاي شرْطيْ وُجود، للحياة الطيّبة، ويعتبرهما معا مترابطين وجودا وعدما:

فلا عيشٌ يطيب بغير علم + وكأس في العظام لها دبيبُ!فلولا الكأس ما شُرحت صدور + ولولا العلم ما عُرف اللَّبيبُ!وهناك آخرُ، يرُدّ على مُسَفّهي الإنفاق عليه، معتبرا بذله فيه لكل ما جمعت يداه هو عين الرّشاد، مُصرّا على تماديه، في تعاطيه، مهما يكُنْ:

إن تُسْلِنِي عنهُ فلسْتُ بِمُنسَلٍ + أو تَدْعُنِي عنهُ فلسْتُ بمُندَعِ!

وهذا البيت الأخير، يجسّد صوت أغلب الموريتانيّين، حتى الآن.

نقلا عن موقع “الموقع”

زر الذهاب إلى الأعلى