أسطر في رحيل العلَم الوضيء/ سيدي محمد المختار السالم

ما خلاَ من وصف به يُحمد النّـــــاسُ بلى لم يكن رسولا نبيا

رحل فضلٌ كثير وغاب قمرٌ مشرق وطويت أسفارٌ مشرقة من المحامد والمآثر وأظلمت مجابات فسيحة وأقطارٌ شاسعة برحيل شيخ الشيوخ وعلَم أهل الورع والرسوخ الشيخِ العلامة محمد ولد محفوظ ولد المختار فال، الرجل الذي عاش بين ظُهرانينا فما اطّباه بريق الغرور الذي نسبح فيه، رجل أرانا كيف لمؤمن في أيام الناس هذه أن يعيشَ ألقَ الصفاء الأول المتجرد من كل شبهة وترخّض، ترك لأهل الدنيا المناصبَ والمكاسب وأزمع السفر الدائم نحو مراسي الخلود، له مسجده ومعهده ومعكتفه والدنيا في صخبها تموج!

قبسٌ مضيء في جنبات القرية

في قريتنا الوديعة أبصرتُ وأنا على كتف الزمان غُلامٌ ذلك الضياءَ المشرق وذلك السمت الفصيحَ المخبر عن أثيرِ محامد وكبير قرُباتٍ وترقّ قاصد، فتح لداتي أعينَهم والشيخ في القرية فكان ذلك الرحاب مشرقا وذلك الأديم الطاهر مضاء بخطو رجلٍ باذخ يمشي بوقار ويصافح بحبّ وينطق بعلمٍ ناثراً ددر المعرفة الصافية، أذكر الطلبةَ الغرباء الذين آواهم الشيخ ونصرَهم ونهلوا وعلّوا من رِاوء حكمته ونمير علمه وكان لافتا أن تجد في فجاجِ تلك القرية المتوارية بين كثيبين شباباً جاءوا من خارجِ حدود القُطر ونشأوا في مناطق غير تلك الروابي والسهول، أذكر حديث الناس عن سجن محمد وعن عسْف الظالم الذي حرم المنابر والمحابر صوت الحكمة الحاني، أذكر دعواتِهم الضاجة له بالخلاص ولمن ظلمه بالبوار، ثم أذكر فرح القرية يوم زارها وقد تهاوتْ حُجب الظلم وتكسرت جدُر السجّان، أذكر تلك الفرحة العارمة أمام منزل الشيخ وقد خلّى بين الناس وعفويتَهم فضربوا لفرط فرحهم الدفّوف وعلمنا ونحن صغار أنها ليلةُ بهجة كان بها الزمان ضنينا.

رُفع له علمٌ فشمر

نفحاتُ ربّك على العباد عظيمة وعطاؤه جزيل واسع ومن أعظم ما يُعطى العبدُ الهمة السامقة التي تأبى إلا العلوّ وتأنف أن تقنع بغير المراتب العالية ومن أؤلئك الذين أُعطوا الهمة العالية الشيخ محمد – رحمه الله – فكانت رحلته في طلب العلم مثالا دالاّ على الصدق والإخلاص والتجرد، فبعد أن فتحت له الحياة رحابها وأشرعت له أبوابها أبى غير طريق العلم فتخلّص من تجارته ومن كل صوارف الحياة وانسلّ من بين الناس دون أن يعلم أحد أين اتجه، سافر الشيخ قاصدا أرضا بعيدة لم تطأها قدماه قبلُ، ذهب إلى تگانت حيث كان الحاج ولد فحفو يدير كؤوس العلم الصافي الزلال وجلس هنالك في انقطاع عن الناس وإقبال على رياض العلم فقد حقّق مقتضى همةٍ عالية أبت غير هذا الطريق، وفي سنوات قصيرة بالعدّ الزمني عريضة ممتدة بهمة الشيخ ومضائه وصدقه مع الله حصّل علما وفيرا، ست سنوات فقط حصل فيها الشيخ موسوعيةً أقنعته بالعودة وهو المذكِّر دائما بضرورة موسوعية العالم وتحصيله لكل فن وكان يقرّب لطلبته ذلك بأن العالم مثل التاجر الكبير لا بد أن تتوفر لديه كل البضائع فلا يردّ قاصد سلعة أبدا فكذلك العالم الحق لا بد أن يجمع كل الفنون ويحصل كل علم مستطاع حتى لا يخيّب قاصدَه في أي درس فكان هو ذلك العالم الذي لا يرد لوحا.

سلّم الكمال

على مر التاريخ عانى كثيرٌ ممن حصّلوا العلم في معاسفة الحياة وطرق أبواب الرزق فوردوا – على كرهٍ – مواردَ أمضّهم قذاها وآلمهم لذعُها بعد لأي، والموفّقون من أهل العلم هم أولئك الذين استغنوا عن الناس فلم يقصدوهم بحاجة ولم يطؤوا بساطَ معظّمٍ من ذوي الهيئات، فكان لهم كمالُ العلم وكمال الغنى عن الناس يقول ابن الجوزي – رحمه الله – “ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس فإنه إذا ضُمّ إلى العلم حيز الكمال” كان محمد من تلك الثلة العالمة الآخذة بأسباب الكمال، من أولئك الذين احتاج لهم الناس واستغنوا هم عن الناس، حصّلوا المال والعلم وجلسوا يبذلون من كليِ المورديْن، وهذا ملمح مهمّ في حياة الشيخ – وكل حياة الشيخ دروسٌ وعبر – فقد ظل قويا في الحق بعيدا عن كل ظالمٍ غير محتاج إلى تقرّب وتصنّع لأحد، سميره علمه وأنيسه الطلبة البسطاء الذين يحنّ عليهم ويبسط لهم فرش التبجيل ويسعى في مصالحهم بماله وجاهه، الذين تحس في حديثهم اليوم مرارة اليتم وفداحة الخطب الذي آلم كل من سمع بالشيخ أحرى من ألِف سمته ونهل من معين علمه.

غراس أثمر

أمثال محمد من أهل الله الصادقين لا تذهب أعمارهم سدى ولا ينتهي عمرهم بالممات، بل نفعهم باقٍ ورايتهم في الخير محمولة على أكفّ رعوها وأنفسٍ غرسوا فيها العلم والورع والفضل، ولقد كان محمد رحمه الله مربّيا بشخصه قبل لفظه، من أولئك الذين ما إن يلقاهم المرء إلا أحس بسكينة المؤمنين وصدق المخبتين، وقد فتح الله به على فئام من الناس فأخذوا من علمه واقتدوا بهديه وقد توزعوا اليومَ في أقطار الدنيا يضيؤون بسراج علم وقبسِ هدى هو موقده وهذا وربك الخلف المشرّف والغراس المثمر وما كان لجهد الشيخ أن لا يثمر فهو لله وفي ذات الله، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله، ثم نحمد الله سبحانه أن خلف الشيخ من بنيه من يخلفه ويمضي على سنَنه الراشد فأستاذنا الخيّر العالم سيدي محمد محمد عارفٌ بسبيل الشيخ وله من علمه وفضله زاد ومستند، نسأل الله أن يحفظهم ويبارك فيهم أجمعين، كما نسأله سبحانه أن يرحم الشيخ ويعلي مقامه ويبوّئه منازل الصديقين والشهداء ويخلفه في أهله وطلبته ومحبيه بخير وإنا لله وإنا إليه راجعون

زر الذهاب إلى الأعلى