الرائد السابق محمد ولد شيخن يكتب: الثامن يونيو 2003 في ذمة التاريخ

و قد يتساءل البعض عن أهمية وفائدة التعرض لمثل الحدث في هكذا توقيت ؟الواقع أن الموضوع قد أشبع تناولا خلال السنوات الماضية مما يفقده طابع الحساسية و رونق الجدة .و فضلا عن ذلك فربما قد اكتسب التراجع التاريخي الكافي ؛ فهذه هي ذكراه الثامن عشرة وتلك هي سن البلوغ والرشد كما أنها على أعتاب مدة التقادم في القانون . مع ذلك ثمة أمور لصيقة بالذات والوجدان ومكنونات النفس لم تثر بعد . بالتأكيد ليس هناك أدنى قصد ترويجي( faire l’apologie ) من أي نوع سوى أن الذي جرى – مهما اختلفت الآراء والتقييمات حوله – ظل في حينه وسيبقى لحظة فارقة مفعمة بالآلام والآمال في حياة الوطن وتاريخه.
بالطبع لا يوجد في الحياة و ضمن عمل البشر ما هو خير محض أو شر محض كما يقول الشاطبي وإنما العبرة دائما بالمحصلة .
فقد خرج من هو أفضل منا على من هو أعدل من أصحابنا . وقديما كما حديثا ظل الخروج على السلطان موضوعا إشكاليا ومحل خلاف لدى الفقهاء . ففي حين جوزه البعض لمن كان معه اثنا عشر ألفا فقد حرمه البعض الآخر ما أقام الحاكم فيكم الصلاة .
غير أن الأحوال تتبدل وكذا مقتضيات الزمان والمكان مما يؤثر بشكل ديناميكي على تنزيل الفتوى
ومن نافلة القول ان في هذا خطورة ما بعدها خطورة أي الفتيا للنفس مع ضحالة العلم وشبهة الغرض في أمر جلل كهذا بناء على استصحاب القصد الحسن لا سيما أن جهنم كما يقال ملآى بأصحاب النوايا الحسنة.مع ذلك لقد غلب الأمر علينا حتى استيقنت قلوبنا ضرورته بل كنا نرى أنفسنا متأثمين (أي سنحاسب عليه ) إن لم نمض قدما في المشوار حتى النهاية لكوننا نرى ونلتمس ما لا يراه أو يلتمسه غيرنامن الفرص والإمكانيات فلا يسعنا ما قد يعذر به غيرنا .
وهنا سأسوق حادثة معينة وقعت معي ( صيف 2002 ). لقد كنا في خضم تحضيرات خطرة وكنت أتعجب من حالة الطمأنينة التي كنت أعيشها رغم خطورة ما نحن بصدده في كل وقت وحين ، كأن الأمر لا يعنينا ضف إلى ذلك قوة الدافعية في الموضوع فلم نكن نعيش إلا لهذا الأمر . في ذلك اليوم الحار كانت نافذة مكتب فصيلة تسيير وتخطيط التعداد و أيضا بابه مفتوحين لالتماس تيار الهواء .
و بعد غداء نمطي (ارز بلحم وزيت وافر) حاولت في حدود الثانية زوالا أن اختطف بعض الراحة قبل الصلاة و معاودة الدوام المسائي وبينما انا كذلك إذا بالخواطر تجعلني أمام المخاطر ماثلة للعيان والمخاوف تحاول أن تنتهبني فقمت من فوري لطرد تلك الوساوس المدمرة أقصد التهيؤ للصلاة وللهروب مما كنت فيه . كان مكتبي في داخل بناية الأركان القديمة و هو يفتح في قاعة السكرتارية ثم برواق يقود للخارج .
بعد أن تجاوزت باب المكتب بخطوة أو اثنتين نحو بهو السكرتاريه ، فجأة جاءت زوبعة من جهة النافذة جعلت الباب ينغلق بقوة مرتطما بعنف بالجدار وفي الأعلى كان صوت كالصاعقة يدوي مجلجلا فرجعت القهقرى إلى داخل باب المكتب ثم تداعت أشياء من أعلى بعضها كان وقع سقوطه شديدا وامتلأ المكان بالغبار وحل ظلام دامس وكدنا نختنق من الغبار .
بعد دقائق قليلة وكان أشخاص قد قدموا لاستجلاء الأمر تبين ان ما كان فوقنا هو سقف مزيف معلق( faux plafond suspendu) .و على مدار أربعين سنة تراكمت التربة على هذا السقف بحيث لم تعد القضبان الحديدية المتقادمة التي كانت تمسكه بنفس الكفاءة لذا تسببت صدمة الاهتزاز الناجمة عن انغلاق الباب إلى انقطاع أحد تلك الحبال مسببا تحطم ما كان يثبته ذلك الحبل.
المهم في الموضوع هو أن طوبة إسمنتية مصمتة عظيمة الحجم(brique pleine beton) سقطت دون أن تكسر في المكان الذي كنت واقفا فيه. ولكم أن تتخيلوا ما ذا كان سيحدث لو لم أتراجع عدة سنتمترات على عجل ، فحوالي 30 كلغ من خرسانة ذلك الزمان كانت ستسقط على الرأس من علو ثلاثة أمتار !!. قرأت في الحادثة رسالة ربانية أن اثبت واستمسك بما شرح الله صدرك له فالموت كان أقرب لك من حبل الوريد .
لقد حمدت الله أني سلمت من موتة السوء بتلك اللبنة ولم تعاودني أبدا أية وسوسة أو أسمح لنفسي بمعاقرتها بعد تلك اللحظة.وختاما لهذا الفصل فأدنى مافي الموضوع أن يكون ضمن حالة المتأولين وعلي أن اعترف وبعد كل الذي حصل أن الموضوع هو ” العمل الأرجى” و إن كان الأولى أن يكون “الأخوف” ، لتغليبنا حسن الظن والثقة بالله المطلع على السرائر وما تخفي النفوس.
مع ذلك نستغفرك ربنا ونتوب إليك من كل قول وعمل ليس فيه رضاك . الخروج على النظام الدستوري وما قد ينجم عنه هو بالطبع من الجرائم السياسية التي لها تكييفات جنائية في ذاتها ومآلاتها. والموضوع في كنهه داخل ضمن حركية التاريخ وصيرورة مخاضاته العسيرة والمؤلمة غالبا ، أي ما يطلق عليه الهدي القرآني “سنن التدافع” قال تعالى: ” ولولا دفع الله النَّاسَ بعضهم بِبَعْضٍ لفسدت الأرض” وقوله “وَلَوْلَا دفع الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وبيع وصلوات “وإذا تجاوزنا مسألة التأصيل فالمنطلق العملي هو أنه ليس ثمة انقلاب جيد أو سيء وإنما هناك انقلاب ناجح أو فاشل. وبالنسبة لموضوع الثامن من يونيو وهو ضمن الفئة ” غير الناجحة في الحال دون المآل ” فقد تعاورته من الناحية الإجرائية والجزائية مجموعة حلقات متسلسلة مترابطة الفعل ومنفصلة الفاعل
وقبل انصرافه كان هناك حكم ابتدائي في حق البعض لكنه حكم محل استئناف.
ثانيا : بالنسبة لحكم المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية (CMJD) بقيادة المرحوم الرئيس اعل ولد محمد فال فقد اتخذ هو الآخر غداة تسلمه الحكم قرارا صائبا ومتسقا مع أهدافه للمرحلة و السياق المنطقي للأمور وكان حينها موضوع تثمين كبير وترحيب واسع ألا وهو إصدار عفو تشريعي شامل مطلق ونهائي يمحو كل أثر سابق ويغلق أية متابعة لاحقة.
ثالثا
وشخصيا كان إسهامي الأقل في ذلك بل هو محصور اساسا في وثيقة من 106 صفحات تحت عنوان : “بغي الخلطاء ” نشرت ألكترونيا في أبريل 2016 مجتزأة من عمل أوسع تحت عنوان،: “غيث في عز الصيف: الطريق إلى الثامن يونيو” ؛ وقد اجتهدت فيها بشكل صادق على تقديم الموضوع بالشكل الذي أعرف عنه شخصيا مع تبيين قصتي معه ، لكن تلك الورقة على أهمية وصحة مضمونها وما حوت ، فقد شابها عيب كبير وهو أنها جاءت في سياق سجالي ضمن مناكفة داخلية مؤسفة بحيث اكتنفتها نبرة غضب تجلت في استطرادات غير ضرورية مع بعض التعبيرات التي تتنزل في سياق “كلام الأقران”مما لا يليق في حق الأكابر (قائلا أو مقولا فيه)،لذا سيتعين تنظيفها من تلك الشوائب الظرفية والإبقاء على المتن الذي قد يكون جزءا مفيدا لتكملة الصورة العامة إنصافا لهذه الحركة وأهلها ووضعا للأمور في النصاب اتجاه المجتمع والتاريخ .
و الحقيقة أن خلفية بعض المواقف السلبية مما حدث يوم 08 يونيو هي مفهومة ومقدرة:
1 – ابتداء هناك الأسباب العاطفية والنفسية لدى من فقدوا أحبة خلال أو بسبب تلك الأحداث وهذا أمر مشروع ونحن نتقاسم وإياهم ذلك الألم والإحساس بالخسارة فلم يكن أحد أبدا يضمر بأي من شهداء الوطن أولئك ولا بغيرهم شرا . كما لا أحد يعرف على سبيل اليقين ملابسات ما حدث .ومع ذلك إذا كانوا يعتقدون بأن هناك ما ينبغي أن يعتذر لهم عنه او يستمسحوا بشأنه، فالعذر مبذول لهم بسخاء و غيره مطلوب منهم بصدق .
2- هناك أصحاب الدوافع الذاتية من المتضررين بالحدث من جهة المصالح والامتيازات أو القرابة وهؤلاء نقول لهم ان مصالح البلد فوق كل اعتبار ونحن مثلهم أو أكثر منهم تضررت مصالحنا وتأذى أهلنا ولا زال الثمن يدفع.
3- هناك أصحاب الدوافع الموضوعية أي أولئك المعترضون من حيث المبدأ على التغييرات غير الدستورية لخطورتها أو لمآلاتها .
وهذا محل تقدير عندنا ونحن نتشاطر معهم الآن وجهة النظر تلك ولا سيما ما ورد من تجريم لها مؤخرا في الدستور. الموضوع كان حينها من باب الاضطرار في ظرفية معينة و شتان ما بين الوضع في 2003 و ما نعيشه من تجربة تناوب على السلطة ونجاح تحديد المأموريات في لحظة تاريخية في غاية الأهمية لما تبشر به من وعود على ضوء التعهدات المهمة والإشارات الإيجابية الصادرة على الرغم مما قد يعتقده أو يلمسه البعض موحيا له بتقدير معاكس.
وهنا أتكلم عن الصورة الكلية المفارقة وبالقيمة المطلقة بالمفهوم الرياضي ودون اعتبار للمآخذ الفردية..
4- ولن نتوقف عند أولئك الذين تنبني مواقفهم رفضا أو تأييدا على عوامل ظرفية أو منفعية. وفي الختام لم يكن أهل الثامن يونيو في غالبهم الأعم مدفوعين أبدا بظلم واقع عليهم أو أفق مسدود أمامهم بل كانوا في افضل الظروف والمواقع مقارنة بأقرانهم .
كان لبعضهم أطفال رضع وزوجات حوامل وآباء أو أمهات مرضى في المستشفيات لكنهم تحركوا مضحين بأنفسهم من أجل خلاص وقدر جديد للبلد ولم يكونوا حينها معنيين أبدا بالشغل المادي للسلطة أو الانغماس في متعها.
وهم و إن كان الله قد من عليهم بالحفظ أثناء تلك المعمعة وحقن دماءهم لاحقا أمام المحاكم وفي المنافي و سلمهم من فتنة السلطة فقد كان نصيبهم – في الغالب الأعم – من الغنيمة بالإياب . والأكثرية تستغرقهم حاليا شواغل المعاش اليومي وحياة الكدح الشاقة والمزرية. والعفو التشريعي الذي كان ينبغي أن يخرج صاحبه من كل مسؤولية كان انتقائيا في التطبيق فقد احتفظ بالعقوبة الضبطية دون اعتماد المساطر المعتمدة في أسلاكهم أو جرى ذلك بشكل مشوش . فتم البدء الأمر بمعاملتهم كفاقدين لرتبهم اعتمادا على حكم لم يوجد أصلا بصورة نهائية و كان محل عفو .
لاحقا اعيدت الرتب لأصحابها لكنهم أحيلوا للمعاش الضبطي بشكل ، فيه ما يقال ، لأنه خارج المساطر الضبطية (مجالس تحقيق) .
بالطبع هناك ملابسات مفهومة و واقعية في الموضوع لكن كان الأولى البحث عن إخراج بشكل ودي متفق عليه بحيث يحقق غرض السلطة بالتخلص ممن لا ترغب ولم يعد يصلح لكن مع مراعاة جبر الضرر للطرف الآخر المتخلص منه وفق صيغ ذات لبوس قانونية أكثر اتساقا مع دولة القانون المنشودة: كطلبات إحالة للتقاعد متفق عليها .
وليس هذا الاستطراد من قبيل التشكي أبدا فالأمر معقول ومتوقع وهو متساوق تماما مع منطق التاريخوحتى إنه منسجم مع قوانين الطبيعة المتسيدة. و كما يقال ما يكون في البراري قد يصير في البرية.
السلام عليكم