كلمة عن المرحوم الشيخ عبد الرحمن شعيب/ الشيخ إبراهيم الشيخ سيديا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

كلمة عن الشيخ الفاضلِ العابد الناسك السُّنِّىِّ المُحسن عبدِ الرحمن بنِ شُعيب – تغمده الله برحمته.

ماذا أقول عن رجل الصَّفِّ الأوَّل الذى يَشهَدُ كلُّ من عَرَفه أنه ظَلَّ عشراتِ السنين يُلازم بيوتَ الله – عزَّ وجل – ليلًا ونهارًا بالأذان فيها، والتبكيرِ إليها، والمُحافظة على الصلاة فيها، وببنائها وتشييدها، والإنفاقِ عليها وعلى أئمتها، وإقامةِ حلقات تحفيظِ القرآن والعلم فى أرْوِقَتِها، ومَحاضِرِها، والقيامِ على مُدَرِّسيها وطُلَّابها؟
وهل يَستوى مَن منَع مساجدَ الله أن يُذكرَ فيها اسمُه وسعى فى خَرابها ومَن عُلِّقَت بها قلوبُهم وعَمَروها حِسًّا ومعنًى بأموالهم وأعمالهم؟
لا يَستوون.
ماذا أقول فيمن لم تُلْهِه زَهْرةُ الدنيا عن نعيم الآخرة؟ وعمن لم يُضيِّعْ وقتَه فى تَفاهات السياسة وألاعيبِها، ونِفاقِها وأكاذيبها، والتَّزَلُّفِ إلى كُبَرائها و”أباطِرَتِها”؟
لقد تعاقبتْ على الرجل أنظمةٌ ورؤساءُ وساسةٌ كثيرون، وهَزَّت البلدَ أحداثٌ جِسام، فلم يُعلَمْ قَطُّ أنَّه دَنَّسَ عِرضَه، أو نال من دِينه، أو أثَّر فى استقامته وتقواه شىْءٌ من ذلك.
وقد كان له أن يَعتَلَّ بأنه رجلُ أعمال، وأن له مَصالحَ يَخاف عليها – كما يَعتلُّ الأكثرون – ولكنَّه لم يَرْضَ بأن يَبيعَ دينَه بدنياه، فضلًا عن أن يَبيعَه بدنيا غيرِه.
لقد رَسَم الرجلُ لحياته مَنهجًا صارمًا، وحَرَص على تطبيقه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وإن أنْسَ لا أنسَ دَلَّه السَّنِىَّ وسَمْتَه السُّنِّىَّ، وتَفانيَه فى الِاتِّباع، وتجافيَه عن الِابتداع، ومَحبَّتَه للسنة وأهلِها، وشِدَّةَ تمسُّكِه بها، وحرصَه على الِاسْتزادة من العلم النافع سُؤالًا وبحثًا ومُطالَعةً ومُذاكَرة.
وقد عُرف عنه أيضًا بِرُّه بوالديْه، وحِرصُه على إرضائهما، وعِنايتُه بالأقربين والضعفاء، وسَعيُه إلى عمل الخير فى الخَفاء.
أذكُرُ أننى لمَّا كتبتُ رسالتى: (رفع الحُسام على من سَبَّ خيرَ الأنام) إثْرَ الإساءة المَشهورة فى البلد على الجَناب النبوىِّ الشريف، رَغِب فى طِباعة ألْفَىْ نُسخةٍ منها على نفَقته الخاصَّة بشرط ألا يُكتَبَ اسمُه على الغِلاف.
وتلك آيةٌ من آيات إخلاصِه لله، وسلامةِ قَصْدِه، وحُسنِ نِيَّته.
كما أذكُر أنه لما وصلَتْ إلى ميناء الصداقة شحنةٌ كبيرة من المَصاحف والكتب مُوجَّهةٌ إلى جمعية الهدى، وعَلِم بها، أخذ بنفسه الملف، ودفَع عنها رسومًا باهظة، واكتَرَى لها شاحنةً لتُوصِلَها إلى المقر، دون دِعايةٍ أو ضَجيج.
وكان عبد الرحمن، مع ذلك كله، رجلا سهْلًا لَيِّنًا مُتواضِعا، حَسَنَ الأخلاق، طيِّبَ العِشرة، مُحَبَّبًا إلى النفوس، قد سَلِم الناسُ من لسانه ويدِه، يَبذُل الخيرَ ولا يُبدِيه، ويَكرَه الشرَّ ولا يُخفيه.
(وما شَهِدنا إلا بما علِمْنا وما كنا للغيب حافظين).


جعل اللهُ ذلك كله فى موازين حسناته، ورفع به درجاتِه.
اللهم اغفر لعبدك الذى نَزَل بك – وأنت خيرُ منزول به – عبدِ الرحمن بنِ شعيب، وتقبَّلْ صلاتَه وصيامَه وحجَّه وعُمْرته وتلاوته وذكرَه وصدقته، وسائرَ أعماله الصالحة، وألحِقْه بالصالحين، وثَبِّتْ عند المَسألة مَنطقَه، ولا تَبْتَلِه فى قبره بما لا طاقةَ له به، وأصلِحْ ذُرِّيَّتَه وأهلَ بيته أجمعين، وبارِكْ فيهم يا رب العالمين، واجعلْهم خَلَفًا لا خَلْفا، وألهِمْنا وإيَّاهم الصبرَ والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الأربعاء ١٢ ذى القعدة ١٤٤٢هـ
٢٣ يونيو ٢٠٢١م

زر الذهاب إلى الأعلى