كيف نعيش الأزمة ( أمة الإسلام )/ أحمد الوافي

خبر عابر في السنة النبوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سابق عائشة؛ فسبقته مرة.. وسبقها أخرى..
كان ذلك في غزو، والغزو محفوف بالمخاطر، ويقع فيه القتل.
آدم بعد الأكل من الشجرة والهبوط من الجنة استمتع بالحياة وعاشر وأنجب، وضرب في الأرض، وضحك وبكى..
إبراهيم خرج من النار فضرب في الأرض طولاً وعرضاً، وسافر بامرأته -وكانت صالحة جميلة- إلى مصر والبلد الحرام، وتسرَّى من هاجر أم إسماعيل، وكان ينتاب أهله، ويختلس وقت الفسحة ليزور ولده ويطمئن على وضعه الأسري، ويقدم له النصائح الحكيمة..
يوسف خرج من الجُبِّ، وفارق الأهل وتغرَّب، وتعرَّض للضغوط الكبيرة داخل القصر، واتُهِمَ ظلماً وسُجن دون محاكمة، وتكيَّف مع هذه الأزمات، وظل محتفظاً بهدوئه وسكينته وابتسامته وخلقه الجميل؛ قادراً على توظيف المواقف لصالح رسالته، ولم تتوقف عنده عجلة العمل والإحسان، ولم ينس اقتناص لحظات الفرح والسرور كلما سنحت.
انقلبت حياة موسى رأساً على عقب بعدما غادر مصر غريباً؛ تاركاً أماً مشفقة، وأخاً محباً، وأختاً ملتاعة، وشعباً مضطهداً يبحث عن قائدٍ أو منقذ.
وما ضاق وقته ولا تكدَّرت نفسيته عن أن يؤدي عملاً طوعياً لبنات لا يعرفهن، وفي بلدٍ لم تطأْه قدمه من قبل.
ولم يجد غضاضة أن يمضي عشر سنين من عمره المبارك يكدح من أجل مهر الزوجية.
اليوم تمر الشعوب العربية بتحولات خطيرة وأوضاع صعبة وتدخُّلات خارجية ومشكلات داخلية،
وتعيش الأمة مرحلة انسداد سياسي، وتراجع اقتصادي، وهزيمة نفسية.
ويعيش الشباب حالة صدمة من القدوات والرموز، وعجز عن تفسير المواقف.
وأخطر ما أجده اليوم هو غياب الحلم بالتغيير الإيجابي أو حتى الحياة الكريمة.

أجيال فقدت الثقة بمن حولها وما حولها!
أقل ما يمكن تقديمه هو القرب من هؤلاء الشباب فهم ثروة الأمة ورصيدها ومستقبلها، والاستماع لأنينهم، والإنصات لنقدهم، ومنحهم الحب والأمان والاحتواء.
تبصيرهم بأن حياة الأمم والأفراد منذ فجر التاريخ تمر بمنعطفات ومآزق وآلام..
وأن الحل لا يكون باندفاعات متسرّعة؛ تزيد المعاناة، وتفاقم اليأس، وتعطي ذريعة لتدخّل الأعداء، وتفرّق الأصدقاء.
الأزمة طويلة ومديدة ولا تنحل في يوم وليلة، ولا يصلح أن نعيش نفسية المأزوم؛ الذي عطَّل فرص الحياة ومجالاتها وإيجابياتها وجمالياتها.. كلا.
هذا الهدي النبوي الحكيم هو الوصفة الصحية الجميلة لنفسياتنا؛ التي انغمست في القلق والتوتر بسبب الأحداث من حولنا، وبسبب شعورنا بالعجز عن تغيير مسارها..
جزء من الحل هو أن ننفك عن شعور الأزمة وحالة الأزمة ونفسية الأزمة، وأن نوقن أن للكون رباً يدبره، وهو أحكم وأعلم وأرحم {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} (104:هود)، ونحن نعجل والله لا يعجل!
جزء من الحل أن تقرأ اللُّطف في الضَّعْف والمنح في طيات المحن

زر الذهاب إلى الأعلى