يوميات عائد من الغربة/ الشيخ محمد الأمين البان

اقتداء بسنة المصطفى للعائد من السفر بأن يبدأ بالمسجد ، فسننطلق في هذه الملاحظات من بيوت الله في بلدي موريتانيا ….لا شك أن الصلاة هي عماد الدين وأنها من أحسن ما يعمل الناس ، كما في البخاري عن عثمان رضي الله عنه ، إلا أن هذه الحقيقة والمفترض أن تكون واقعا معاشا في شعب مسلم متعلم معكوسة عندناتماما… لتكون البداية بالطهارة المشروطة لصحتها : ففي مساجدنا تتناثر الحجارة في مظهر لن تجده في عالمنا الاسلامي اليوم ، مع ما يقع من الحركات البهلوانية لمن يقوم بالتيمم على هذه الحجارة ، أوبالضرب على الارض عند الابواب ، والعجيب في الامر أن ظاهرة التيمم يستوي فيها جميع الاعمار من الناس وفي كل المواسم الشتوية والصيفية ، وإن كانت في الشتاء أكثر ،وإذا سألت أحدهم عن الاسباب ينظر إليك نظرة ازدراء وتعال ، وأحسنهم من يجيبك بأنه من أهل البرودة ، أو أنه من أهل الضروس ، أو الشقيقة ، وأحيانا وللجهل المركب حرصا على صلاة الجماعة …..وإذا نظرت إلى جانب الاخذ بالزينة والنظافة والطيب ونحو ذلك مما هو مطلوب من كل مسلم تجد العكس هو المعمول به عندنا فالرجل الموريتاني إذا دخل بيته يخلع ثيابه الحسنة التي كان يقابل بها الناس في العمل وغيره ، ويلبس ثياب نومه التي لا تجد حظها من الغسيل في الغالب وإذا ذهب إلى المسجد ليقابل ربه لن يغير تلك الثياب من أجل الصلاة أبدا ، وكذا الحال بالنسبة للطيب ، فإذا دخلت المسجد ترى الناس بين الشعثاء والمغبر والعريان ، والرائحة النتنة سيدة الموقف ، وبدل أن يأخذ الواحد من طيبه، يأخذ من الادهان المؤذية المعروفة محليا بمنطلة ونحوها ، ومن غريب القوم عندنا أن حاسة الشم عندهم أدمنت رائحة العرق والغبار والادهان الكريهة واللباس البالية الوسخة فصار الطيب والعطر الجميل سببا للحموضة ، وإذا دخل معك في الصف يبدأ يشمر يمينا وشمالا كأنه يتجهز لمعركة ، أو يسلخ شاة ، أو يجلب الماء من البئر مع مايصاحب ذلك من حركات وبطش في جلده كأنه مصاب بداء الجرب ، ومع الاصوات الخيشومية والصدرية المختلفة ، وتحسب أنك ستأخذ قسطا من الراحة عند الوصول إلى ركن من أركان الجلوس فإذابه يصدمك بكامل أريكته ، وهكذا يظل المصلي في معركة قياما وجلوسا وحال لسانه اللهم سلم سلم … أما الأئمة فإليك بعض الملاحظات المصاحبة لحالهم :أول ما يقابلك الامام تجده في الغالب مسنا وقورا محافظا على الشعائر الظاهرة كاللحى والحول والسبحة …فإذا نظرت إلى جانب النظافة والهندام فحاله كحال المأموم ،وأول المروعات : الصوت المصاحب لتكبيرة الاحرام ، فإن لم تكن على علم أوانتباه أو رابط الجأش فإنك ستهتز رعبا أو ( تنخلع) بسبب تكبيرة الاحرام القوية التي لاتناسب الشيخ الطاعن في السن ثم تبدأ القراءة ضعيفة جدا لا تكاد تسمع إلا همسا لا تجويد ولا تحسين للصوت ، وفي الغالب لا مخارج للحروف مع سرعة لا تصدق في السرية ، ويزيد عداد السرعة أكثر فأكثر في الركعتين الاخيرتين من السرية في كل صلاة مع تتابع للحركات وسرعة في الاركان ، ويظل الهدوء الصوتي مسيطرا حتى تصل إلى التسليم فعليك بالانتباه أيها المأموم فإن صاعقة الخروج من الصلاة كصاعقة الدخول فيها كما تقدم …. فإذا كان يوم الجمعة فذاك يوم نكد وكدر على المصلين، فبينما أنت تتنظر من يقدم لك موعظة تتزود بها لأسبوع كامل ، أو خطبة تفقهك في دينك، أو شئونك السياسية ، أو يومياتك وما تعيشه من أيام الناسفإذا بإمام بائس يدعوك حاله على الشفقة عليه يصعد على المنبر خائفا يترقب مطأطئ الرأس ينظر بين قدميه يجلس محتشما … وقد صليت مرة مع إمام جلس بجنب الكرسي المخصص للجلوس !!!!…ثم يبدأ يتلعثم : خبطة في السماء وخبطة في الارض – تنتهي الخطبة ولم تعرف موضوعها ، وأحسنهم حالا من يكرر خطبة واحدة طيلة العام وبدل أن يوزع نظراته على المصلين ويتفاعل بجسمه على ما يقول ، لا تجد إلا البطش بيده في ملابسه الداخلية وفوقها أحيانا وعلى أماكن حساسة ، وهكذا من هنا وهناك ، لا يكلف نفسه أن يرجع لهاتفه ليأخذ خطبة من محركات البحث ، ويظل الحال هكذا إلى يأتي الله بالفرج وينزل من منبره … هذه من أحوال أهل المساجد في بلادنا الحبيبة، وللامانة فإن هناك صحوة شبابية من الأئمة ورواد المساجد تعنى بالمساجد نظافة وأئمة ومرافق ، لكنها قليلة جدا وغالبها في الاحياء الراقية من العاصمة ، والقائمون عليها هم الاهالي فقط ، ولا يشملها الجامع السعودي الكبير في العاصمة فإن حوشه يسقى كل يوم بأبوال المواطنين مسور بالقاذورات من كل جوانبه، ودوراته المائية معدومة ، وفراشه منذ التأسيس في الثمانينيات من القرن الماضي لم يغير ، وليس له إمام ثابت سوى الجمعة. وكأنه تابع لدولة خارجية فكثيرا ما يصلي بالناس طالب وافد يقرأ برواية حفص ، وفي هذه محظوظ لحسن صوت الامام في الغالب وتجويده …. هذا قليل من حال يعيشه المصلون يوميا في مساجدنا …إن الصلاة عندنا من أسوأ ما يعمل الناس ….. يتواصل

الشيخ محمد الأمين البان إمام وداعية

زر الذهاب إلى الأعلى