مرة_أخري .. عن تداعيات انتخابات المغرب/ الأستاذ محمد جميل منصور

أتيح لي أن أقرأ عددا من الكتابات لكثيرين في الداخل والخارج حول تداعيات الانتخابات المغربية الأخيرة، وخسارة حزب العدالة والتنمية فيها، وبدا لي أن البعض تجاوز في الموضوع، ووظفه توظيفا لا يتناسب والمقاربة الموضوعية للأفكار والأحداث، ومع أنني تناولت الموضوع في مقالي السابق ضمن قراءة عامة لمصير مدرسة الواقعية السياسية باستحضار التطورات في كل من تونس وأفغانستان والمغرب، فإنني أعود له مركزا الحديث على ما جرى في المغرب ومحاولا التوقف عند الاشكالات بوضوح أكبر.
1 – ليس من الوارد عندي في الحديث عن تجربة حزب العدالى والتنمية استعمال مصطلحات “الخيانة” و”الخروج على المبادئ” و “التنازل عن الكليات” ونحو ذلك مما لا يحسن أصحابه التفريق بين فضاء الثوابت ومجال المتغيرات، ولا يدرك أن الأمر في أغلبه يدخل في دائرة التقديرات والاجتهادات، فلنهذب لغتنا النقدية، ولنبتعد عن صياغة القضايا السياسية صياغة عقائدية كما هو سائد في بعض الخطابات السلفية.
2 – يؤكد ما جرى في المغرب الشقيق، وقبله في تجارب أخرى أنه على التيار الإسلامي أن يحس بتأثير عامل الزمن والتطور، وهذا ما عنيته بانقضاء الاستفادة الانتخابية من مظلومية الأمس، وبتراجع الاستفادة من العنوان الإسلامي، ليس لأن هذا العنوان لا يعطي شعبيا، بل لأنه في الميدان السياسي يصاحبه حذر وضبط في إطار التمييز الواجب بين السياسي والدعوي، ولأن آخرين أصبحوا يشاركوننا هذا العنوان، أما مفردات ” تطبيق الشريعة” و”الجهاد” و”التمكين” فليس هذا مجالها، فمصطلح تطبيق الشريعة أصيب بتسمم دلالي وأصبح استعماله في الفضاء السياسي يحتاج من الشروح والتوضيحات التي تغني عنه، ولا أعرف دلالة استعمال الأحزاب السياسية لمصطلحات مثل “الجهاد” بالمعنى القتالي و”التمكين” خصوصا في بلدان لا تخضع للاحتلال ولا يسيطر عليها الأجنبي.
3 – مرة أخرى لم يكن حزب العدالة والتنمية يوما ثوريا، ولا كان ذا منزع معارض حدي، وهو صاحب إشاعة مصطلح الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية بدل الأحزاب الاسلامية، ومع ذلك وبه أعطته قواعده ومعها الشعب المغربي ثقة واسعة في 2011 و 2016 وبالمناسبة 2016 كان عز الثورة المضادة، فلاتبحثوا يرحمكم الله عن أسباب ما وقع في سبتمبر 2021 في اعتدال حزب المصباح ولا تجديديته ولا مدنيته.
4 – إذن لتفسير ما حدث في الثامن من هذا الشهر في المغرب الشقيق ينبغي أن نستحضر ثلاثة مداخل تفسيرية : الأول هو حجم التدخل والتحكم الذي يبدو أنه عاد إلى المشهد الانتخابي بدء بتغيير قانون الانتخابات ومرورا بأنواع التدخلات والضغوط الناعمة والخشنة وانتهاء بمخالفات الاقتراع وعدم تسليم المحاضر، ولكن هذا المدخل لا يكفي لتفسير مستوى الخسارة وحجمها.
الثاني هو الأخطاء التي وقع فيها حزب العدالة والتنمية والمرتبطة بالفضاء الفكري وماتعوده الناس منه، أعني فرنسة المواد العلمية في التعليم، وزراعة مخدر الكيف، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، صاحب هذه الأخطاء ضعف تواصلي ملموس وخلاف داخلي مؤثر أدى لغياب وتحفظ شخصية قيادية في حجم وتأثير الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران.
والمدخل الثالث ولعله الأهم هو التنازل عن مكاسب ضغط الربيع العربي بما حملته من بعض التوازن في السلطات وحضور للحكومة المنبثقة عن اختيار من اختارهم الناس، فقبول اشتراطات رفع البلوكاج وما تلاه من رخاوة في التعامل مع التدخلات الصريحة والخفية أضعف صورة الحكومة وحزبها القائد في نظر قطاعات واسعة رأت في تجربة العدالة والتنمية تكرارا لتجربة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في التدجين والتمييع.
5 – الدرس الأهم لنا معاشر الاسلاميين الوسطيين الذين يرون في العمل السياسي وسيلة للإصلاح والتغيير أكثر أمنا وأبعد عن احتمالات الإضرار بالأوطان وسلامتها ووحدتها، هو أن للسياسة منطقها وطبيعتها، وليست هي الدعوة ولا العمل الخيري أو الحركي، ويظهر لي أن النجاح في ثلاثة أنواع من القوة هو المدخل الطبيعي للنجاح فيها، القوة الاقتراحية، والقوة التعبوية، وقوة الإنجاز، أما قول بعضهم بإضافة المعارضة الاستراتيجية فلم أستسغه، فالمعارضة وعكسها لا ينتميان لفضاء الاستراتيجيات بل هو إلى التكتيك والمؤقتية أقرب، وظروف الأنظمة ومستوى الفساد والاستبداد عندها ونوع مواقفها استعدادا وقبولا أو صدا ورفضا، كل ذلك ذو دور فيما يكون من معارضة أوموافقة، وقد شرحت هذه الأنواع الثلاثة في المقال السابق، يضاف لها مستوى مقدر من قابلية التطوير والتنويع في الأدوات والوسائل، فالعالم يتغير بسرعة والجامد لا مستقبل له في أجواء الحركية والتجدد.
6 – استحضار الأجواء الإقليمية والدولية ضرورة في النظر الاستراتيجي السليم، ومما يعانيه التوازن المطلوب في هذا الاستحضار، نوعان من المقاربة، الأول يتجاهل تأثير العوامل الاقليمية والدولية في الشؤون المحلية، والثاني يبالغ في شأنها فيجعلها متحكمة مسيطرة، ولا سبيل لإصلاح أو تغيير ما لم تتغير معادلة العالم أو موازنات الإقليم، والظاهر أن في الأمر طرفين وواسطة فأما الطرفان فالتجاهل والمبالغة، والواسطة اعتبار العوامل الاقليمية والدولية، وإدراك أن مدافعتها والتخير فيها والاستفادة من تناقضاتها، كل ذلك ممكن ومجرب.
7 – يبقى أن ظاهرة التقدم والتأخر، الصعود والهبوط، ظاهرة طبيعية – ليس بالحجم الذي حدث في المغرب فذلك استثنائي وتفسيره مركب – وعلى الإسلاميين أن يتقبلوها بصدر رحب، ولعلها تحمل معنى مهما هو تراجع حجم التآمر على الديمقراطية في بلداننا بحجة أنها كلما صلحت وسلمت وسادت فيها الشفافية والنزاهة أفرزت التيار الإسلامي، الآن يمكن أن تأتي به ويمكنها أن تزيحه.

زر الذهاب إلى الأعلى