سدُّوم والحلوى الحليبية ومدخل الحمراء/د.الشيخ أحمد البان

كنت إلى وقت كتابة هذه السطور لا أعرف العنوان الحقيقي للقصيدة، الفنان سدوم بن أَيْدَّه حفرها في ذاكرتي من خلال مطلعها الذي كلما صدحت به حنجرته خيل إلي أن بعض الحلوى الحليبية ذابت في فمي:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ***ما أطيب اللقيا بلا ميعاد

قرأت دواوين نزار قباني مُنَجَّمةً، وأعدت قراءتها بعد أن أصبحت أعمالا كاملة، ولكن العنوان الذي اختاره الشاعر لقصيدته (غرناطة) لم يعلق بذاكرتي، فقد ظل المطلعُ البهيُّ في حنجرة سدوم هو عنواني المفضل.

في منافي الاغتراب العديدة (المغرب – جنوب افريقيا – قطر) كنت أفرُّ إلى صوته بهذه القصيدة كلما أحسست بوطأة الزمن، أسأل عنها اليوتوب بهذا المفتاح البحثي (في مدخل الحمراء  سدوم)، أستلقي على قفاي، وأغمض عيني، وأستمع إليها في مكان معتم، هو نوع من اليوگا الصحراوي اللذيذ، أطوف في خمس دقائق وست وخمسين ثانية – هي مدة إنشاد سدوم لها – أعوام حياتي كلها، أستعيد أدق التفاصيل في تلك المدة الوجيزة، لا تستغربوا: إنها الروح في مهب حنجرة سدُّوم الساحرة، كأنها الغيث استدبرته الريح، أو هي أسرع.

لست أدري لماذا أنفض يدي اليوم فجأة من أعمال مكتبية متراكمة لأرمي بنفسي وبسدُّوم في عباب اليوتوب باحثا عن القصيدة بصوته، استمعت إليها معتمدا الطقوس السالفة (اليوگا الصحراوي)، جاء صوته – كالعادة – لذيذا، انسكبت في فمي تلك الحلوى الحليبية من جديد، تمَطَّقْتُ فيها كثيرا، أحسست أن طعمها صار أحلى من ذي قبل، لست أدري لماذا بالضبط أيضا، شعرت بشيء من الزهو بهذا الفنان العظيم، وسألت نفسي لماذا لم يأخذ صيتا عالميا!

 خيل إلي في لحظة الزهو تلك أن هذا العالم الكئيب يحتاج صوت سدوم الملائكي؛ لتشيع البهجة في أرجائه، تمنيت لو أتيح لتقني بارع أن يخترع مكبرا صوتيا بحجم الأرض، ثم يشغل مقطع (في مدخل الحمراء) بصوت سدوم؛ فتسمعه الدنيا، لو حصل ذلك لتوقفت الحروب بين الدول، ولهدأت النفوس عن منازعة فكرة الانتحار الهائجة، ولتوقف المفسدون – وهذا هو الأهم – عن نهب خيراتنا.

هل يستمع أكلة المال العام والمفسدون السياسيون لدينا لسدُّوم؟ لا أظن ذلك، فكثيرون منهم لا يفهمون الأبعاد الروحية الإصلاحية للموسيقى، فالموسيقيُّ المتذوق حقا لا يمكنه أنه يكون قاسيا ولا عاتيا، لعلهم يستمعون إليها ضمن باقة من الملذات المادية، بمعنى أنهم يتعاطون الجانب المادي للموسيقى فقط، كما أن بعض الفنانين يقدم لنا هذا الجانب المادي فقط منها، قلة فقط من الفنانين هم الذين يقدمون لنا روح الموسيقى الذي تغذينا وتشحذ إنسانيتنا، كالوالد سيدي أحمد بن أحمد زيدان وأمثاله، ومن هؤلاء سدُّوم في كثير من مواقفه الموسيقية.

المهم؛ تحت هزة الاعتزاز بصوت سدُّوم دار بخاطري أن أبحث عن محاولات فنانين آخرين لإنشاد قصيدة (في مدخل الحمراء)، استمعت إلى كاظم الساهر، ورأيته وهو يتلوى على خشبة إنشاده، لكن القيصر (هي لقبه) على جلالته كان – في عينيَّ وفي أذنيَّ – مثل طفل يحاول أن يقلد صوت فنان، ومثله كان يزيد العطوني الذي خيل إلي أنه ينشد قصيدة ابتهالات وأدعية.

لست أدري هل أتيح لنزار قباني أن يستمع إلى قصيدته هذه بصوت سدُّوم، لا بد أنه استمع إليها بصوت القيصر كاظم الساهر، وربما استمع إليها بأصوات فنانين آخرين، لست أدري كيف علق، وكيف كان شعوره وهو يستمع إلى قصيدة بذلك التوهج؛ ينطفئ ألقها في فم فنان لا يوقد النار في الكلمات.

ميزة سدوم في إنشاده هذه القصيدة؛ هو أنه استطاع أن يقدمها بشجن يناسب جوها النفسي الذي قيلت فيه؛ كان تدفقه الصوتي يلائم تدفق المشاعر في مخيلة نزار؛ حبا وحزنا وتألقا، موقن أن نزار كان سيعتمد هذا المقطع ممثلا حصريا لقصيدته؛ لو كان أتيح له أن يستمع إليه.

لا أشك أن سدُّوم إبّانَ إنشاده تلك القصيدة كان يعيش قصة حب عاتية ما تزال في عنفوانها الأول، فهذا من التألق في إنشاد قصيدة لا يمكن أن تؤديه حنجرة فقط، لا بد أن ترفدها روح تتعذب وقلب يفيض بمشاعر غلابة، وهذه الروح هي التي فقدها كاظم الساهر ويزيد العطوني وغيرهما من الذين استمعت إلى إنشادهم للقصيدة.

غفر الله لك يا سدُّوم، فقد قطعت علي الانهماك في أداء أعمالي المتراكمة، كنت ضعيفا أمام شهوة الاستماع إليك، لم أستطع أن أقاوم، لقد اختبرني الشيطان بك ساعة واحدة قبل غروب شمس يوم الجمعة، وفشلت في الاختبار، كان إبليس مدركا أن غواية صوتك لا تحتاج سوى غمزة تذكير واحدة؛ كي أنفض يدي مما لدي، ثم أيمم شطر صوتك، كنت فاشلا في المقاومة، هنيئا لك يا ساندرو فينوريزي، كتب المذكور مقالا بعنوان: “عندما حاول الشيطان أن يختبرني بفنجان كابتشينو”، المقال منشور مترجما في العدد 120 من مجلة الدوحة

زر الذهاب إلى الأعلى