أنت يا لوح صاحبي/ باب أحمد محمد القصري

ازدادت في الآونة الأخيرة حدة الانتقادات الموجهة لمستخدمي اللوح في الدرس المحظري، وارتفعت الأصوات المطالبة باستحداث وسائل تتواءم وروح العصر!..

وقد كان من بين المنتقدين محسوبون على المحظرة، انجرارا وراء وهم التجديد دون موازنة وتقويم ونظر في المآلات. لقد مر معنا في سلسلة (رؤى لتطوير المنظومة المحظرية) أن تعميق النقاش حول الثابت والمتغير في الدرس المحظري يعتبر حجر الزاوية في عملية التطوير، وأن أشواق التحديث لا يجوز – بحال – أن تجرفنا إلى الانقلاب على خصائص المحظرة ووسائلها دون دراسة متأنية، وموازنة دقيقة، لنحافظ على تميز وفرادة النموذج، ونقطع الطريق على مساعي التجفيف والتحجيم. 

وغني عن القول إن “اللوح” في الدرس المحظري وسيلة لا غاية، وإن الوسائل تتطور وتتغير وتخضع للمراجعة والتقويم، ويوازن – باستمرار – بين مزاياها وسلبياتها، فيبقى منها ما كان أنسب لتحقيق الغايات والأهداف، لكن ليس من التطوير في شيء الاستغناء عن القديم لمجرد كونه قديما، ولا القبول بكل جديد باعتباره عصرنة وتطويرا، بل لا مناص من دراسة البدائل والمفاضلة بينها، لاختيار ما كان – بالفعل – إضافة نوعية ترتقي بالأداء وتيسره. ولم تنطلق الأحكام المتسرعة لعشاق التحديث – في تقديري – من أسس علمية واطلاع كاف على واقع المنظومة المحظرية، وإنما هي انطباعات أو ردود أفعال على تجارب شخصية ومواقف مجتزأة لا تصلح للتعميم، رغم أن أهمية ومركزية اللوح في الدرس المحظري تستدعي منا الغوص بعمق في مزاياه وسلبياته لنرى كامل الصورة، ونتخذ القرار بعد موازنة ونظر.

 إن من أهم خصائص الدرس المحظري: وحدة المقرر (المحفوظ)، وإلزامية الحفظ العميق في أمد قصير (بعيدا عن النظام المدرسي وما يطبعه من تراكم وتسويف)، أي أن المدى الزمني المخصص لإتقان حفظ “الدرس” محدود ببداية ونهاية، ولا تزيد مدته في الغالب عن بضعة أيام، لذا كان اللوح أنسب وسيلة لفلسفة الحفظ هذه، حيث يمنح الطالبَ تركيزا في المحفوظ ويجنبه التشتت، فالبداية والنهاية محسومتان سلفا، وعلى أساسهما تكون البرمجة، ولا يدرك أهمية هذه المزية إلا من عاش في بيئات تعليمية تستخدم وسائل مشتتة، وغير صارمة في حصر الطالب في إطار ملزم. وقد أكدت دراسات كثيرة كفاءة هذه المنهجية وفعاليتها في نقل المعلومات من الذاكرة السريعة إلى الذاكرة الثابتة / أو الدائمة (التخزين العميق)، فقد عدد موقع “ديلي هيلث” المتخصص خمس عشرة وسيلة لتثبيت وتقوية الذاكرة، منها:

“التوقف عن أداء عدة مهام في وقت واحد”، فحتى لو كان إنجاز مهام متعددة في آن واحد سمة العصر، فإن ذلك يجعلنا أبطأ وأكثر تشتتا وعرضة للأخطاء والنسيان، كما اعتبر الموقع “الكتابة” وسيلة مساعدة في التركيز، لتوظيفها عدة حواس في آن واحد، فالحركة الوظيفية للأيدي – مثلا – تعطي إشارات إيجابية تنشط المخ  وتساعد في التذكر. وفي دراسة مشتركة للباحثين دان أوبنهايمر وبام ميولر من جامعتي كاليفورنيا وبرينستون اتضح أن “الطلاب الذين كانوا يكتبون بخط اليد كانوا يتذكرون أكثر، ولديهم فهم تصوري أفضل للمادة من الطلاب الذين كانوا يكتبون على لوحات المفاتيح”، وأرجع الباحثان ذلك إلى أن فعل الكتابة يحفز – بشكل محسوس – الجهاز التنشيطي الشبكي المتصل بالمراكز العليا للدماغ، والذي هو مركز الانتباه والتحفيز في الإنسان، فيكون ذلك بمثابة إشعار بأهمية المعلومات وضرورة الاحتفاظ بها، وسرعة نقلها من ذاكرة “الوصول الفوري” إلى “التخزين العميق”.

 إن استخدام اللوح يجعل من الدرس المحظري “مهمة” أو “وظيفة” مرتبطة بأجل موقوت، مما يولد توترا ورغبة في الإنجاز (يسمى: التوتر المتعلق بالمهام)، يستمر في التأثير على العقل الواعي وغير الواعي حتى اكتمال المهمة، وهو ما يعرف بتأثير زيجارنيك، نسبة لأبحاث عالمة النفس الشهيرة بلوما زيجارنيك بإشراف أستاذها “كورت ليفين “. 

إن الكتابة في حد ذاتها – إضافة لأهميتها في تعميق الحفظ – غاية ومطلب مهم، خاصة في هذا العصر الذي طغى فيه استخدام الأجهزة الإلكترونية، وأصبح من المألوف أن نرى متعلما لا يحسن كتابة اسمه!.. كما أن في الكتابة تدريبا للطالب على الإملاء ورسم وضبط المصحف الشريف، وقد أضحى الأمر سهلا ميسورا بعد توفر أقلام الحبر القابل للإزالة بأرخص الأثمان، مما يعني أن الحديث عن اشتراطات النظافة وحفظ الوقت من التبديد لم يعد له ما يسوغه، وإن استدعت مشاغل الطالب وظروفه استخدام وسيلة أخرى كالمصحف فإنه لا يوجد ما يمنع ذلك بشروطه، لكنه استثناء لا يقلل من أهمية اللوح وكونه الأنسب للدرس المحظري. 

 إن من مزايا اللوح كذلك سهولة ويسر التعامل معه، بخلاف المصحف الذي أدى تمكين الصغار منه لكثير من الامتهان والإفساد مما جعل المنظومة المحظرية في حرج وعنت، وقد كثرت شكاوى الفاعلين المحظريين من هذا الواقع المؤرق، وكنت ولا أزال أنصح بقصر استخدام المصاحف والأجزاء والقطع المصورة على الحالات الخاصة فقط، كالطلاب المدرسيين الذين يخصصون للمحظرة وقتا محدودا، وطلاب الإعادة السريعة ( سلكة 10 إلى 40 …)، وبرامج تعليم الكبار غير المتفرغين.

 إن الوسائط والوسائل المعرفية السريعة تحمل الكثير من السلبيات والأضرار تماما كالوجبات السريعة، وكما يحذر أطباء الأبدان من أضرار الأخيرة ويوصون باتباع عادات غذائية صحية، فإن على أطباء الأديان أن يحذروا من أضرار الأولى، ويبينوا أثرها على المدى الاستراتيجي ليأخذ الجيل الكتاب بقوة، ويجدَّ في تلقي  القول الثقيل، فقد كان أسلافنا يتجشمون مشاق طلب العلم، ويكتبونه على ما تيسر المرة تلو المرة، فيتكرر ويتقرر.

زر الذهاب إلى الأعلى