الإحسان 2/ الشيخ محفوظ أبراهيم فال

شرح ابن القيم رحمه الله تعالى أقسام اليقظة الثلاثة وهي اليقظة تجاه النعمة وعدم الغفلة عنها وقد قال الله تعالى( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) وذكر عن هود عليه السلام قوله : ( واذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون )
وعن صالح عليه السلام( فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ثم اليقظة بتذكر التقصير في جنب الله وعظم الجرم بالجرءة على معصيته ثم اليقظة بقيمة باقي العمر في شكر النعمة ومحو المعصية

وقد اختصرت من كلامه ممزوجا بأصله ما يلي:

القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة، والنهوض عن ورطة الفترة، وهي ثلاثة أشياء:

لحظ القلب إلى النعمة، على اليأس من عدها، والوقوف على حدها، والتفرغ إلى معرفة المنة بها، والعلم بالتقصير في حقها.
وهذا الذي ذكره هو موجب اليقظة وأثرها، فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لاستنارة قلبه برؤية نور التنبيه، أوجب له ملاحظة نعم الله الباطنة والظاهرة، وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها، فيئس من عدها، والوقوف على حدها، وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها، من غير استحقاق، ولا استجلاب لها بثمن، فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها، وهو القيام بشكرها.
فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية: محبة المنعم، واللهج بذكره، وتذكر الله وخضوعه له، وإزراؤه على نفسه، حيث عجز عن شكر نعمه، فصار متحققا ب ” أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ” وعلم حينئذ أن هذا الاستغفار حقيق بأن يكون سيد الاستغفار،

قال: الثاني: مطالعة الجناية، والوقوف على الخطر فيها، والتشمير لتداركها،
والتخلص من رقها، وطلب النجاة بتمحيصها.
فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة، ويعلم أنه على خطر عظيم فيها، وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه، وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ما تقدم يداه، فقال {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه} [الكهف: ٥٧] فإذا طالع جنايته شمر لاستدراك الفارط بالعلم والعمل، وتخلص من رق الجناية بالاستغفار والندم، وطلب التمحيص، وهو تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية، كتمحيص الذهب والفضة، وهو تخليصهما من خبثهما، ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص، فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب، ولهذا تقول لهم الملائكة {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: ٧٣] وقال تعالى {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة} [النحل: ٣٢] فليس في الجنة ذرة خبث.
الثالث يعني من مراتب اليقظة: الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام، والتنصل من تضييعها، والنظر إلى الضن بها لتدارك فائتها، وتعمير باقيها.
يعني أنه يعرف ما معه من الزيادة والنقصان، فيتدارك ما فاته في بقية عمره التي لا ثمن لها، ويبخل بساعاته بل بأنفاسه عن ذهابها ضياعا في غير ما يقربه إلى الله، فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين الناس، مع تفاوتهم في قدره، قلة وكثرة، فكل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به.
قال: فأما معرفة النعمة فإنها تصفو بثلاثة أشياء: بنور العقل، وشيم بروق المنة، والاعتبار بأهل البلاء.
يعني أن حقيقة مشاهدة النعمة يصفو بهذه الثلاثة، فهي النور الذي أوجب اليقظة، فاستنار القلب به لرؤية التنبه، وعلى حسبه قوة وضعفا تصفو له مشاهدة النعمة، فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه، وعافية بدنه، وقيام وجهه بين الناس، فليس له نصيب من هذا النور البتة، فنعمة الله بالإسلام والإيمان، وجذب عبده إلى الإقبال عليه، والتنعم بذكره، والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم، وهذا إنما يدرك بنور العقل، وهداية التوفيق.
وكذلك شيمه بروق منن الله عليه، وهو النظر إليها، ومطالعتها من خلال سحب الطبع، وظلمات النفس، والنظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله،

زر الذهاب إلى الأعلى