دكاترة ومربون يطلقون مبادرة جديدة لإصلاح النظام التعليمي


أطلقت مجموعة من التربويين من أطر التعليم العالي والثانوي والأساسي مبادرة سمتها “معا من اجل منظومة تربوية قادرة على تكوين المواطن الصالح”. وذكرت انها موجهة إلى جميع المعنيين بالتعليم.
وتضمنت الوثيقة التي تقدمت بها المبادرة مقترحات في محاور النقاش التي حددت ضمن جدول الأيام التشاورية.
وكانت الأيام التعليمية للتشاور حول الإصلاح التربوي قد انطلقت في جميع ولايات الوطن يوم الخميس 21/10/2011 وتستمر خمسة أيام، على أن تتبعها في الشهر القادم أيام تشاورية أخرى على المستوى الوطني.

وفيما يلي نص الوثيقة:

ورقة موجهة إلى جميع المعنيين بالتعليم بمناسبة انطلاق الأيام التشاورية حوله

إعداد مبادرة معا من أجل منظومة تربوية قادرة على تكوين المواطن الصالح
قبل البدء:
لقد فضل الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان بالعلم وأثنى في غير ما آية على العلماء فقال تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (سورة الزمر9). كما وردت أحاديث كثيرة في تمجيد العلم والعلماء منها قوله صلى الله عليه وسلم: {من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر} (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي).
وقد أثبت التجارب الإنسانية خاصة المعاصرة، أن التنمية والتقدم مرتبطان بإصلاح وتطوير التعليم وأن ضعف التعليم يؤدي إلى ضعف الأمة وانهيارها، والمؤسف أنه لا يكاد يختلف اثنان من المهتمين في وصول مستويات التعليم عندنا إلى مستوى الانهيار، تشهد بذلك دلائل من أهمها:

  • ضعف نسب النجاح في الامتحانات الوطنية، سواء تعلق الأمر بختم الدروس الابتدائية، أو الإعدادية، أو الثانوية.
  • ضعف المستوى العلمي لمخرجات هذه المنظومة.
  • أمور التقارير الدولية ففيها تظهر بلادنا دوما في الأرقام الأخيرة.
    وهي أمور تجعل إصلاح المنظومة التربوية أمرا ملحا لا يقبل التأجيل.
    إطلالة تاريخية:
    عرفت بلادنا مجموعة إصلاحات اتسمت في الغالب بالارتجالية والخضوع للضغط الداخلي أو الخارجي مما أفقدها القدرة على الإصلاح وهي:
    1- إصلاح 1959
    حدد الابتدائية ب 5 سنوات وخصص للتربية الإسلامية ساعة ونصفا أسبوعيا وساعتين في الإعدادية اختيارية بين العربية وبين اللغة الإنجليزية.
    2- إصلاح 1967
    جاء ليخطوا خطوة نحو التعريب وترسيخ الهوية رغم أنه ظل منسجما عموما مع ثقافة المستعمر وحدد الابتدائية ب 7 سنوات وعرب السنة الأولى كليا وأبقى مسابقة المرحلة الإعدادية باللغة الفرنسية.
    3- إصلاح 1973
    لعله الأحق بوصف (الإصلاح) وذلك لعدة أمور:
  • الشمولية حيث تناول: البرامج / الشعب / التوجيه والشهادات / التكوين والبحث التربوي/التكاليف والإمكانيات/التخطيط التربوي.
  • الربط بين التعليم والخصوصية الحضارية الإسلامية للبلد {خلق مواطنين متشبعين بروح الإسلام متمثلين قيمه}.
  • الربط بين التعليم ومتطلبات التنمية في البلد
    -أعلن أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلد
  • عرب السنتين 1 و 2 كليا
  • جعل السنتين 3 و 4 مزدوجتين 50% باللغة العربية 50% باللغة الفرنسية
  • جعل السنتين 5 و 6 مزدوجتين 66% باللغة الفرنسية 33% باللغة العربية
  • ألغى السنة السابعة.
  • قرر إنشاء مؤسسة لتكوين المعلمين {ENI}والمعهد الجامعي للتربية الذي أنشئ بدلا منه المعهد التربوي الوطني.
    4- إصلاح 1979
    كان مقتضى هذا الإصلاح إقامة تعليمين أحدهما عربي والآخر فرنسي، وكان مقررا أن يمر بمرحلتين:
  • الأولى: من 1979 إلى 1985 وتتضمن:
    • أن تكون السنة الأولى من التعليم عربية للجميع،
    • أن يختار التلميذ بعدها أحد المسارين:
    العربي: تأخذ العربية فيه 83% من الوقت والفرنسية 17%
    الفرنسي: تأخذ الفرنسية فيه 83% من الوقت والعربية 17% بما فيها التربية الإسلامية
    • إقرار كتابة وترسيم اللغات الوطنية وإنشاء معهد خاص بها.
  • الثانية: تبدأ من 1986 وتكون اللغة العربية فيها اللغة الأولى والرسمية وتحل اللغات الوطنية محل اللغة الفرنسية.
    غير أنه نتيجة للأحداث السياسية المتلاحقة ظل العمل جاريا بمقتضى المرحلة الأولى، رغم إنجاز اللجنة المكلفة بإعداد التصور عن الإصلاح ككل لعملها بما فيه المرحلة الثانية.
    يعتبر هذا الإجراء من أخطر الإجراءات التربوية إذ أسس لتشكيل جيلين ثقافيين متمايزين لكل منهما لغته وحضارته ولا يجمع بينهما سوى الرقعة الترابية.
    5- إصلاح 1999
    حدد الإجراءات الإصلاحية في:
  • تعريب السنة الأولى كليا
  • تدريس اللغة الفرنسية بدءا من السنة الثانية بمعدل 6 ساعات أسبوعيا.
  • تدريس الرياضيات بالفرنسية بدءا من السنة الثالثة ابتدائية.
  • تدريس العلوم الطبيعية بالفرنسية بدءا من السنة الخامسة ابتدائية
  • إضافة التربية المدنية كمادة مستقلة بدءا من السنة الأولى ابتدائية
  • دعم اللغة العربية بتدريس (مواد الهوية) بها أي ت. الإسلامية، ت. المدنية، التاريخ.
  • تحسين تدريس اللغة الفرنسية بتدريس المواد العلمية بها (العلوم ط، الرياضيات)
  • صياغة البرامج انطلاقا من مقاربة الكفايات بدل مقاربة الأهداف.
    يلحظ أن هذا الإصلاح أسهم إلى حد كبير في تدهور المستويات التعليمية للتلاميذ، كما أنه لم يوفق في مسوغه الأساس الذي هو تحقيق الانسجام ورتق الخرق الذي أحدثه إصلاح 1979.
    فلننتهز الفرصة:
    يعود إلى الواجهة اليوم النقاش حول الحاجة المستعجلة إلى إصلاح جديد للنظام التعليمي يشخص واقعه ويقترح حلولا مناسبة للإشكالات القائمة، وتقرر -وفاء بوعد فخامة رئيس الجمهورية- إطلاق أيام تشاورية موسعة تشارك فيها مختلق قطاعات المجتمع.
    إن أي إصلاح تعليمي لا بد أن ينطلق من المقومات الحضارية للبلد ومن خصوصية مكوناته الاجتماعية وتنوع ثقافاته، وعليه أن يهدف لمخرجات تستجيب للحاجات التنموية ولا تفرط في المصالح والارتباطات الاستراتيجية..
    إننا في مبادرة “معا من أجل منظومة تربوية قادرة على تكوين المواطن الصالح” نتقدم بهذه الورقة لكل المعنيين بالتعليم؛ وفي مقدمتهم أصحاب القرار، وكذلك سائر الأطراف المشاركة في الأيام التشاورية جهويا ومركزيا، من أجل تحقيق إصلاح تربوي جذري، يحقق المدرسة الجامعة القادرة على تكوين المواطن الصالح، وهو ما يتطلب تحديد المنطلقات والأهداف والغايات والأولويات التي تضمن تعليما راقيا متطورا.
    أولا المنطلقات:
  • الالتزام بمبادي وأحكام الشريعة الإسلامية
  • الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والميثاق العربي لحقوق الإنسان.
  • تحديد وترسيخ الهوية الجامعة وإشعار كافة المكونات الوطنية بأن المنظومة التربوية تحقق تطلعاتهم وتحفظ لهم خصوصيتهم.
  • ربط التعليم باللغة الأم للمجتمع فقد أثبتت التجربة أن كل الأنظمة التعليمية الناجحة أنظمة ترتكز على اللغة الأساسية ولا يعني هذا بحال من الأحوال الانغلاق عن الآخر ولا رفض التواصل باللغات العالمية المهيمنة.
  • التوازن بين مختلف التخصصات بما يسمح ببناء الإنسان وجعل البلد في عداد الدول المتقدمة القوية.
  • تعزيز العطاء المحضري الذي مميزا لهذه البلاد تعتز به وتطويره واستغلاله حتى يمثل رافدا اقتصاديا بالغ الأهمية.
    ثانيا – الأهداف
    نرى أن واجب المجتمع الموريتاني أن يسعى من خلال المدرسة إلى “إيجاد المواطن الصالح الملتزم بتعاليم الإسلام، المتشبث بقيمه ومقوماته الحضارية المعتز بانتمائه الإفريقي العربي، المتصالح مع نفسه وإخوانه في الوطن، المتفتح على الثقافات والعلوم، السالم من الميوعة والتطرف، القادر على انقل بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة”.
    ثالثا- الأولويات:
    حسب المعلومات المتداولة، فإنه حددت محاور أساسية للنقاش المرتقب حول التعليم تضمنت: توحيد المنظومة التعليمية، الخريطة المدرسية، المصادر البشرية، تعزيز المواطنة، التكوين التقني والمهني، الانسجام والتكامل بين مسارات التعليم، التعلم غير المصنف والتعليم ما قبل المدرسة، الإنصاف والدمج، تطوير العلوم والرياضيات، التعليم الخاص (تنظيمه، محتواه، قيمه)، التعليم العالي..
    هذه المحاور مهمة كلها وينبغي على المشاركين إبداء الرأي فيها ومناقشتها، وبما أنها تتباين في الأولوية باعتبار أثرها على المنظومة التربوية، فإننا نقدم هذه الورقة تحريرا للمضامين ذات الأولوية؛ كي يتسلح بها المشاركون في الأيام التشاورية ويعملوا على إدراجها ضمن المقترحات المعتمدة في جولتي النقاش الجهوية والوطنية. وتتلخص تلك الأولويات في الآتي:
    1- تخصيص الموارد المالية اللازمة فلا بد من رفع الميزانية المخصصة للتعليم إلى ما لا يقل عن 40% وهو قريب مما ورد في توصيات المحافل العامة المنظمة سنة 2013 لنتمكن من إنجازات حقيقية في القطاع تمكن من زيادة الرواتب والمحفزات التي تجعل المدرس يعطي عطاء متميزا، وتجعل البيئة التعليمية بيئة مستقطبة للعقول والمواهب، وتسمح بتطوير البنى التحتية وتوفير الكتاب المدرسي … وهكذا يظل الحديث عن الإصلاح في ظل الموارد الحالية ضربا من المحال.
    2- إيجاد المدرسة الجمهورية الجامعة: التي توفر مناخا تربويا ملائما يتلقى فيه الأبناء الموريتانيون جميعهم تعليمهم وتربيتهم، ويتمتعون بفرص متساوية ويخضعون لنفس المنهج ويتربون على ذات القيم. تلك المدرسة القادرة على تخريج مواطنين صالحين متآخين ناهضين ببلدهم وأمتهم محافظين على مصالح وطنهم.
    3- تعزيز مكانة التربية الإسلامية: بالرفع من ضاربها وعدد ساعاتها، مع العناية بالتعليم الأهلي وتطويره بجميع مستوياته وأنماطه (محاضر، معاهد، مراكز…) لكونه ثروة وطنية وعلامة مميزة للموريتانيين ينبغي تطويرها واستغلالها أحسن.
    4- العناية بموضوع اللغات: وذلك من خلال:
    o اعتماد اللغة العربية لغة تدريس لجميع المواد بما فيها العلوم والرياضيات والفيزياء، فهي اللغة الرسمية للبلد، وقد شرفها الله تعالى بأن جعلها لغة القرآن والسنة؛ وجعل حفظها من حفظ القرآن.
    o دمج البولارية والسونونكية والولفية في الروضة والمدرسة الأساسية، باعتبارها لغات وطنية وأوعية لثقافات إسلامية أصيلة في البلد والمنطقة.
    o تدريس اللغة الفرنسية ابتداء من السنة الثالثة من الابتدائية، واللغة الإنجليزية ابتداء من السنة الأولى من الإعدادية، واشتراط عتبة محددة لتجاوز التلميذ في اللغتين العربية والفرنسية بداء من الإعدادية.
    5- تطوير تدريس العلوم والرياضيات والفيزياء، والاهتمام بالبحث العلمي، وبتوفير المختبرات الأساسية مع ما تتطلبه من إمكانات ومستلزمات؛ إذ من الضروري للتلميذ الاطلاع على ثقافة العصر والتسلح بمناهجه النافعة، حتى يكون شاهدا على عصره على بصيرة من أمره.
    6- التمييز الإيجابي في الوسائل والإمكانات: وضمان حصول المناطق والمكونات التي تعاني من الهشاشة على ما تستحق من أولوية في توفير البنية التحتية والوسائل التعليمية والتحفيزات…
    7- العناية بالمدرس: تكوينا أوليا نوعيا، وتطويرا مستمرا للكفاءة، وتحسينا لمستوى المهنة، وزيادة معتبرة في الراتب والعلاوات والحوافز بحيث يكون سيد الموظفين كما أن مهنته سيدة المهن.
    8- ضبط الخريطة المدرسية: حيث ينبغي اعتماد معايير وشروط منضبطة لتحديد كيفية افتتاح مؤسسة تعليمية وشروطها التي ينبغي ألا تترك للعشوائية؛ بل تتضمن تحديدا لأعداد التلاميذ المستفيدين في المنطقة؛ والمسافة بين مدرستين، والتسيير الرشيد للموارد (طاقم تربوية، منشآت).
    9- الحكامة الرشيدة: لا بد من إصلاح الجهاز الإداري الذي يسير التعليم مركزيا وجهويا، وفي هذا الإطار يلزم اعتماد الكفاءة في التعيين، وتفعيل مبدأ المكافأة والعقوبة، وسيادة الشفافية والنزاهة في كل أنماط التسيير، بعيدا عن المحسوبية بأنماطها المختلفة.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
    عن المبادرة الرئيس د. بونن محمد سالم
زر الذهاب إلى الأعلى