صور من العدل/محمد الأمين بن الشيخ بن مزيد


روى أبو عبيد في كتاب الأموال عن عمير بن سلمة الدؤلي قال :
بينما عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة وإذا أعرابية فتوسَّمت الناسَ فجاءته فقالت :
إني امرأةٌ مسكينةٌ ولي بنون ، وإن أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطاب كان بعث محمد بن مسلمة ساعيا فلم يُعطـِنا فلعلك يرحمك الله أن تشفع لنا إليه ، قال فصاح بيرفأ أن ادعُ لي محمد بن مسلمة .فقالت إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه ، فقال إنه سيفعل إن شاء الله ، فجاءه يرفأ فقال : أجب فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فاستحيت المرأة فقال عمر :
” والله ما آلوا أن أختار خياركم كيف أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه ؟ ” فدمعت عينا محمد ثم قال عمر :
” إن الله بعث إلينا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فصدَّقْناه واتبعناه فعمل بما أمره الله به فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك ، ثم استخلف الله أبا بكر فعمل بسنته حتى قبضه الله تعالى ، ثم استخلفني فلم آل أن أختار خياركم، إن بعثتك فأدِّ إليها صدقة العامِ وعام أول وما أدري لعلي لا أبعثك . “
ثم دعا لها بجمل فأعطاها دقيقا وزيتا ، وقال :
” خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر فإنا نريدها . “
فأتته بخيبر فدعا لها بجملين آخرين قال :
” خذي هذا فإن فيه بلاغا حتى يأتيكم محمد بن مسلمة فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول . “
تأمل فيما تضمنته هذه القصة
هذه امرأة تأتي إلى عمر وقت الظهيرة وهي لا تعرفه إنما توسمت فيه أنه يصلح شفيعا فقدمت نفسها إليه بوصفها ( مسكينة لها بنون ) وقد حرَمها عامل الزكاة لسبب من الأسباب التي ليس منها الجور والمحاباة نصيبَها فهي تستحق الزكاة لمسكنتها وحاجتها ولكنها لم تحصل على نصيبها من الزكاة وهي تريد من هذا الشفيع الذي لا تعرفه أن يشرح حالها لمحمد بن مسلمة
وعمر يدعو محمد بن مسلمة ويعظه حتى تدمع عيناه
( والله ما آلوا أن أختار خياركم كيف أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه المرأة ؟)
إن عمر لم يقصِّر في الاختيار وإنما كان يختار الخيار الأمناء الأقوياء وقد جعل الله الصدقة لأهلها من المساكين وقد نفذ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فكيف حرمْتَ هذه المسكينة ؟ ثم أعطاها عمرُ جملا ودقيقا وزيتا ثم أمرها أن تأتيَه في خيبر فأعطاها جملين كل ذلك لتلافي هذا الخطإ الذي لم يقصده عمر ولاعامل عمر، وأصدر أوامره لمحمد بن مسلمة ليعطيها حقها لعامين .
في هذه القصة :
1- نرى الحساسية الشديدة تجاه حقوق الفقراء والمساكين فهذه القضية من أهم القضايا ومن أولى أوليات الحاكم الصالح الاهتمام بالفقراء والمساكين و اتخاذ كل التدابير اللازمة لكفايتهم وإغنائهم .
2- أهمية الزكاة ودورها العظيم في القضاء على الفقر.وقد روى أبو عبيد في كتاب الأموال أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :
” إن الله عز وجل فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي للفقراء فإن جاعوا أو عَرُوا أو جهدوا فبمنع الأغنياء ، وحقٌّ على الله تبارك وتعالى أن يحاسبهم ويعذبهم .
3- مسؤولية الحاكم في اختيار العاملين معه وضرورة أن يكونوا من الأمناء الأقوياء .
4- السرعة في حل المشكلات ، وتبسيط إجراءات توصيل الحقوق إلى أهلها وتعويض الأضرار .فهذا هو العدل الحقيقي ، أما الحصول على الحق بعد الانتظار الطويل ، وبعد إنفاق الأموال وبعد الجهد والتعب ، فهو عدل صوري شكلي .
5- تواضع الحاكم وقربه من الرعية وتضحيته براحته وخصوصياته خدمة للناس وإقامة للعدل ورفعا للضرر .
6- أن الحاكم منفذ لأوامر الله وهو متبع لا مبتدع ( إن الله بعث إلينا نبيه صلى الله عليه فصدقناه واتبعناه )
7- المكافـأة والعقوبة ( إن بعثتك فأد إليها صدقة العام وعام أول وما أدري لعلي لا أبعثك) وقد ذكر الله عز وجل هذا المبدأ في قصة ذي القرنين فقال تعالى ( قال أما من ظلم فسوف نعذِّبُه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا)( سورة الكهف : 87-88) قال سيد قطب رحمه الله تعالى في( في ظلال القرآن) (ج4ص2291 )
: ” هذا هو دستور الحكم الصالح فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم ، والمعتدي الظالمُ يجب أن يلقى العذاب والإيذاء.. وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسنا ومكانا كريما وعونا وتيسيرا ، ويجد المعتدي جزاءَ إفساده عقوبةً وإهانة وجفوة .. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج . أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة ، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون . فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد . ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد . “
أيها الحاكمون سيروا على سنة عمر واهتموا بالفقراء والمساكين ، وافعلوا ذلك لوجه الله عز وجل ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)

زر الذهاب إلى الأعلى