أسفار المعرفة (6)إسلاميات_الجابري للكاتب إخليهن محمد الأمين

(كتاب بنية العقل العربي.. ومساءلة التراث)

1- محمد عابد الجابري من أبرز الفلاسفة العرب في العصر الحديث، ويعتبر مشروعه في نقد التراث من أهم المشاريع الفكرية التي تناولت نقد التراث وأكثرها عمقا. والجابري فيلسوف واسع الإطلاع متعدد المعارف غزير الانتاج. وهو إلى جانب ذلك كاتب رشيق الحرف باذخ الأسلوب، مقتدر في التفكيك والتركيب والتحليل، متمكن من ما يكتب. ويتميز الجابري أنه نزل بالفلسفة من أعلى إلى مستوى القاريء العادي..

2- صدر للجابري عشرات الكتب القيمة، ولكن درة إنتاجه هي رباعيته في نقد العقل العربي (تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي). وقد استوعب الجابري في هذه الرباعية خلاصة أمهات كتب التراث العربي الإسلامي في مجالاته المختلفة (أصول الفقه، الفقه السياسي، الأخلاق، أصول الدين وعلم الكلام، الفلسفة، الأدب وكتب اللغة بمختلف أنواعها، والتصوف…)، وصاغ خلاصتها في إشكالات علمية كبرى؛ تمثل أبرز القضايا التي تمحور حولها التراث العربي الإسلامي بمختلف مدارسه.

3- ويعتبر كتابه بنية العقل العربي هو أبرز هذه الرباعية وأكثرها إثارة للجدل. وقد فكك الجابري من خلال هذا الكتاب المعرفة العربية الإسلامية وقسمها إلى ثلاثة نظم رئيسة هي التي تتشكل منها بنية العقل العربي؛ باعتباره يفكر داخلها ويفهم الأشياء وفق أساليبها ومناهجها في التحليل. هذه النظم هي: نظام البيان، ونظام العرفان، ونظام البرهان.
والحقيقة أن الجابري قد سبق إلى هذا التقسيم، وهو نفسه قد ذكر ذلك، حين استشهد بمقولة القشيري “فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان، وصاحب المعرفة في حكم العيان”وكرر عبارات أخرى للقشيري تفيد نفس هذا التقسيم (بنية العقل العربي، ص286). فالقشيري إذا هو ملهم الجابري في هذا التقسيم الثلاثي لمناهج التفكير داخل التراث العربي الإسلامي، ولكن الجابري نقل هذا التقسيم من مجرد ملاحظة عابرة للعلامة القشيري إلى نظرية علمية.

4- يتألف كتاب بنية العقل العربي من مقدمة وأربعة أقسام؛ قسم عن البيان، وقسم عن العرفان، وقسم عن البرهان؛ تتناول هذه الأقسام التعريف بالبيبان والعرفان والبرهان كنظم معرفية شكلت بنية العقل العربي، ودراسة أهم القضايا والإشكالات التي يتأسس عليها كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة؛ والقسم الرابع الذي سماه الجابري ب”بتفكيك النظم ومشروع إعادة التأسيس” وفي هذا القسم يفكك الجابري النظم المعرفية ويذكر مشروع إعادة التأسيس الذي دشنه ابن حزم وتبعه في ذلك ابن رشد وابن تيمية والشاطبي، وفي الخاتمة التي جاءت تحت عنوان “من أجل عصر تدوين جديد” طرح الجابري رؤيته للتراث.

5- في مقدمة الكتاب القصيرة يحيل الجابري القارئ على كتابه “تكوين العقل العربي” الذي صدر قبل هذا الكتاب، وذلك باعتباره يمثل “شبه المقدمات والمدخل لهذا الجزء”. وفي “تكوين العقل العربي” حدد الجاري مصطلحاته بشكل دقيق ووضع النقاط على الحروف، ومن ضمن ما أوضح هناك هو أنه يقصد بالعقل العربي “الفكر بوصفه أداة للانتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية بالذات، الثقافة التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام، وتعكس واقعهم أو تعبر عنه وعن طموحاتهم المستقبلية كما تحمل وتعكس وتعبر، في ذات الوقت، عن عوائق تقدمهم وأسباب تخلفهم الراهن”. (تكوين العقل العربي، ص13-14)، والفكر العربي هو فكر عربي “ليس فقط لكونه تصورات وآراء ونظريات تعكس الواقع العربي أو تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضا لأنه نتيجة طريقة أو أسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات، منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهره الخصوصية فيه”. (تكوين العقل العربي، ص12).

البيان ||

6- البيان هو نظام معرفي معين كرسته العلوم العربية الاستدلالية الخالصة، وقد بدأ الوعي بهذا النظام المعرفي يتبلور كرؤية منهجية ومفاهيم ومصطلحات وطريقة في التفكير داخل الثقافة العربية الإسلامية مع بدايات تشكلها الأولى. ويتخذ البيان “من النص والاجماع والاجتهاد سلطات مرجعية أساسية، ويهدف إلى تشييد تصور للعالم يهدف إلى خدمة عقيدة دينية معطاة، هي العقيدة الإسلامية” (بنية العقل العربي، ص384). والبيان كفعل معرفي هو “الظهور والإظهار والفهم والإفهام”، وهو كحقل معرفي هو المعرفة التي تبنيها علوم اللغة والعلوم الدينية بمختلف أنواعها.

7- وعلماء البيان هم علماء اللغة والنحو والبلاغة وعلم الأصول والفقه وعلم الكلام؛ سواء كانوا أشاعرة أو معتزلة أو حنابلة أو سلفية أو من الظاهرية. “فهؤلاء جميعا ينتمون إلى حقل معرفي واحد، يؤسسه نظام معرفي واحد هو النظام المعرفي البياني” (بنية العقل العربي، ص13).
وقد انقسمت الدراسات البيانية إلى قسمين أساسين؛ قسم يعنى ببيان قوانين تفسير الخطاب، وقسم آخر يعنى ببيان شروط انتاج الخطاب. (بنية العقل العربي، ص20).

8- ويرى الجابري أن العناصر التي تقوم عليها البنية المعرفية البيانية هي؛ ثلاثة عناصر رئيسية كل واحد منها يضم إشكالين رئيسين:

  • العنصر الأول: هو اللفظ والمعنى: ويضم هذا العنصر الإشكال المتعلق بمنطق اللغة ومشكل الدلالة، ويندرج هذا الإشكال تحت قسم “قوانين تفسير الخطاب” ويعني الدرسات التي سطرها البيانيون حول “الدلالات” التي تعطيها الألفاظ والمعاني؛ وهل الأولوية فيها للفظ أم للمعنى؟ ويلاحظ الجابري هنا أن “أول ما يلفت الانتباه في الدراسات والأبحاث البيانية، سواء في اللغة أو النحو أو الفقه أو الكلام أو البلاغة أو النقد الأدبي هو ميلها العام والواضح إلى النظر إلى اللفظ والمعنى ككيانين منفصلين” (بنية العقل العربي، ص41)، و”النتيجة التي كان لا بد أن يكرسها هذا النوع من التعامل هو الفصل بين اللغة والفكر” (بنية العقل العربي، ص103)، والسبب في هذا هو “أن غياب الاهتمام بعلاقة اللغة بالفكر راجع هنا إلى غياب الاهتمام بعملية التفكير ذاتها مستقلة عن الألفاظ واللغة” (بنية العقل العربي، ص104). أما الإشكال الثاني المتعلق باللفظ والمعنى فهو “نظام الخطاب ونظام العقل” وهو يندرج تحت قسم “شروط انتاج الخطاب” في الدراسات البيانية، ويتجه هذا الإشكال إلى الإعجاز في القرآن؛ هل هو متعلق باللفظ أو بالمعنى؟ ويرى الجابري أن البيانيين غلبوا في مجال انتاج الخطاب الاهتمام باللفظ على حساب المعنى، وقد كان من نتائج ذلك “الانشغال والاهتمام بتجنب التنافر بين الكلمات على حساب الاهتمام بتجنب التناقض بين الأفكار” (بنية العقل العربي، ص107)، و”ظهور أنواع من تراكيب الكلام لا تحمل أي معنى، ولكنها تقرأ وتسمع على أن لها معنى” (بنية العقل العربي، ص102).
  • والعنصر الثاني: هو الزوج الأصل والفرع، ويضم هذا العنصر إشكالين؛ أحدهما هو الخبر والإجماع وسلطة السلف، والمقصود بالأصل هنا طبعا هو الأساس المرجعي الذي يأخذ منه الحكم سواء كان نصا أو إجماعا، وأما الفرع فهو ما يتفرع عن الأصل من أحكام. ويلاحظ الجابري هنا أن “العقل البياني فاعلية ذهنية لا تستطيع، ولا تقبل، ممارسة أي نشاط إلا انطلاقا من أصل معطى (نص) أو مستفاد من أصل معطى (ما ثبت بالإجماع والقياس…)” (بنية العقل العربي، ص113)، كما يلاحظ أيضا أن “الأصول ثلاثة أصناف: صنف يؤسس المعرفة البيانية فهو منطلقها، وصنف يؤسس الاستدلال المنتج لها، وصنف يوجه التفكير حين عملية انتاجها” (بنية العقل العربي، ص113). أما الإشكال الثاني المتعلق بالأصل والفرع فهو القياس البياني وإشكال التعليل، وأضاف القياس هنا للبيان من أجل أن يميزه عن القياس البرهاني، ويؤكد أنهما متغايران، ويبين الجابري أن القياس يحتل “موقعا مركزيا في التفكير البياني، بل يمكن القول إن التفكير البياني إنما هو بياني لأنه يقوم على القياس، كما أن العلوم البيانية الاستدلالية من نحو وفقه وكلام وبلاغة إنما كانت استدلالية لاعتمادها القياس منهجا” (بنية العقل العربي، ص137).
  • العنصر الثالث: هو الجوهر والعرض؛ ويتضمن هذا العنصر إشكالين؛ أحدهما هو إشكال المكان والزمان ومشكلة السببية. والجوهر والعرض مصطلحان من مصطلحات المنطق، ويقصد بالأول منها الجزء الذي لا يتجزأ، وبالثاني الطارئ على الشيء. وعلى العموم فإن المقصود بهذا الإشكال المتعلق ب “المكان والزمان ومشكلة السببية” هو نقاش موقع السببية في النظام المعرفي البياني. وخلاصة قول الجابري هنا هو أن هذا النظام بكل مدارسه رفض فكرة السببية بشكل مطلق، جعل مكانها “العادة”، فالسببية عند البيانيين “ليست علاقة ضرورية بين الحوادث، وإنما هي علاقة اقتران بينها، والفعل الناتج هو فعل الله الصادر عن إرادة حرة. أما الاطراد الذي نلاحظه في الطبيعة فهو عبارة عن عادة من عاداتنا نحن أن نتوقع الاحتراق كلما مست النار الحطب” (بنية العقل اعربي، ص203). وهنا يؤكد الجابري أن الأشاعرة لم يكونوا وحدهم من رفض مبدأ السببية، بل لقد فعل المعتزلة ذلك قبلهم،”رغم قولهم بخلق أفعال العباد، وهو القول المبالغ فيه كثيرا من طرف بعض الباحثين المعاصرين الذين يقرأون فيه حرية الإنسان، في حين أن المسألة ترجع في أصلها إلى تنزيه الله من أن يكون هو الفاعل المباشر لما يأتيه الناس من قبائح وشرور، وليس إلى تأكيد حرية الإنسان بالمعنى المعاصر للقضية”. (بنية العقل العربي، ص205). والإشكال الثاني المتعلق بهذا العنصر هو العقل والوجود ومشكلة الكليات، وخلاصة رأي الجابري في هذا الإشكال هو أن الرؤية البيانية للمعرفة يحكمها قانون اللاسببية؛ أي مبدأ التجويز والقول ب”العادة”، ولا تنظر “إلى العلاقة بين الدليل والمدلول في العمليات العقلية الاستدلالية على أنها علاقة ضرورية، بل على أنها علاقة ترجع إلى العادة”. (بنبة العقل العربي، ص220).

9- وقد طبق الجابري نظريته في النظام المعرفي البياني من خلال كثير من الكتب في مجالات مختلفة، على رأسها كتاب الرسالة للشافعي، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري، والمستصفى للغزالي في مجال الأصول، ومنها في مجال اللغة وعلومها الكتاب لسيبويه، والبيان والتبين للجاحظ وخصائص اللغة لابن جني، والبرهان في وجوه البيان لابن وهب، ودلائل الإعجاز للجرجاني، ومفتاح العلوم للسكاكي، ومنها في مجال أصول الدين وعلم الكلام مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، والمغني في أبواب التوحيد، والأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي، والتمهيد للباقلاني، والشامل للجويني، والمعتمد في أصول الدين لإبي يعلى الحنبلي، وكتب أخرى متنوعة اقتبس منها الجابري بدرجة أقل.

10- يرى الجابري أن أول من قفز بالدراسات البيانية في مجال “قوانين انتاج الخطاب” من مستوى الملاحظات الجزئية إلى مستوى التعميم والتصنيف العلمي وبناء النظرية هو الإمام الشافعي، بينما يعتبر الجاحظ الذي عاصر الشافعي وعاش بعده أكثر من 50 سنة هو أول من نهض بهذه الدراسات في مجال “شروط انتاج الخطاب”، (بنية العقل العربي، ص24). وقد جاء ابن وهب من بعدهما ليجمع في مشروعه “بين البحث الأصولي الذي دشنه الشافعي والبحث البلاغي الذي طوره الجاحظ” (بنيه العقل العربي، ص37).

11- وختاما لهذا القسم من الكتاب يقرر الجابري أن الخطاب البياني بصورة عامة، كان ضد اللاعقل ومنتجاته، سواء منها السحرية أو العرفانية، ليس فقط لأنه يؤكد أن النبوة ختمت وأن المعجزات قد مضى زمانها، بل أيضا لأن العرفان يلغي البيان، يتجاوز نصوصه وشريعته”. (بنية العقل العربي، ص240).

العرفان ||

12- العرفان هو “نظام معرفي، ومنهج في اكتساب المعرفة ورؤية للعالم، وموقف منه” يقوم “على تجنيد الإرادة وليس على شحذ الفكر، بل يمكن القول إنه يقوم على جعل الإرادة بديلا عن العقل” (بنية العقل العربي، ص253). و”يتخذ من الولاية، وبكيفية عامة من الكشف الطريق الوحيد للمعرفة، ويهدف إلى الدخول في نوع ما من الوحدة مع الله، وهذا هو موضوع المعرفة عند أصحابه” (بنية العقل العربي، ص384). والعرفان كفعل معرفي هو الكشف والإلهام، وكحقل معرفي هو المعرفة التي تبنيها العلوم الباطنية المستمدة من الهرمسية التي تلبست بالدين الإسلامي.
ونظام العرفان هو -بحسب الجابري/ نظام دخيل على الثقافة العربية الإسلامية انتقل إليها من الثقافات التي كانت سائدة قبل الإسلام، وخصوصا من مصر وسوريا وفلسطين والعراق.

13- والعرفانيون هم المتصوفة والشيعة بشقيها الامامية والإسماعلية، والفلاسفة الباطنيين والإشراقيين، فهؤلاء جميعا يجمعهم منهج واحد في الرؤية والتفكير، وهو المنهج العرفاني الذي يغيب العقل ويعتمد على الأمور الباطنية في البحث عن الحقيقة، ويرى أن “المعرفة الحقيقية بالله وبأمور الدين هي تلك التي تقوم على تعميق الحياة الروحية واعتماد الحكمة في السلوك، مما يمنح القدرة على استعمال القوى التي هي في ميدان الإرادة” (بنية العقل العربي، ص253). وقد كرس العرفانيون الإسلاميون “في الحقل المعرفي العربي الإسلامي لا عقلانية صميمية، سواء على صعيد المنهج أو على صعيد الرؤية” (بنية العقل العربي، ص374).

14- تتأسس البنية المعرفية العرفانية -بحسب الجابري على عنصرين أساسين؛ يضم كل واحد منهما إشكالين:

  • العنصر الأول هو الظاهر والباطن؛ ويضم إشكال “الحقيقة بين الشطح والتأويل” وملخص فكرة هذا الإشكال هي أن العرفانيين من متوصوفة وشيعة صنفوا الدين إلى قسمين: شريعة وحقيقة، والشريعة تمثل علم الظاهر، والحقيقة تمثل علم الباطن، ومن أجل ذلك لجأوا إلى تأويل النصوص حتى يستدلوا بها على ما يدعون أنه حقيقةً، وقد وصل هذا التأويل في بعض حالاته درجة الشطح. وقد وُظف هذا العنصر على “مستويات ثلاثة: مستوى سياسي مباشر، ومستوى إيديولوجي مذهبي، ومستوى ديني ميتافيزيقي” (بنية العقل العربي، ص281). ويلاحظ الجابري هنا أن الزوج الظاهر/ الباطن في النظام العرفاني يقابل اللفظ/ المعنى في النظام البياني، مع الاختلاف في الاتجاهين: ففي “النظام المعرفي البياني يتجه الفعل العقلي المنتج للمعرفة من اللفظ إلى المعنى، بينما تتجه الآلية الذهنية في النظام العرفاني من الباطن إلى الظاهر أي من المعنى إلى اللفظ” بمعنى أن التأويل العرفاني هو نوع “من التضمين: هناك آراء جاهزة يراد صرف النص إليها وجعلها تنطبق عليه” (بنية العقل العربي، ص291). وأما الإشكال الثاني فعو إشكال “المماثلة أو القياس العرفاني”. وفكرة هذا الإشكال هو أن النظام العرفاني لجأ في لحظة من اللحظات بعد الإنكار الشديد عليه من طرف الفقهاء إلى إقامة مصالحة مع أهل البيان، وذلك من خلال التأكيد على أن أهل العرفان يأخذون بالظاهر في مسائل الشريعة، ومن خلال مزج الخطاب العرفاني “بالطابع البياني؛ سواء على مستوى المصطلح والمفاهيم أو على مستوى طريقة التعبير وآلياته” (بنية العقل العربي، ص297)، بل اللجوء إلى إقامة نوع من المماثلة بين آرائهم “التي تشكل قوام مذهبهم وبين المعنى الظاهر الذي تعطيه عبارة النص… ولكن بالمطابقة بين النظيرين، إما بالاحتفاظ بهما معا مع إعلان التساوي بينهما وإما بالاستغناء عن الذي يمثل “الظاهر” منهما وإحلال الآخر محله” (بنية العقل العربي، ص305)، وهنا يلاحظ الجابري أن القياس العرفاني “قياس بدون جامع، بدون حد وسط… بدون رقابة عقلية” وأنه “انزلاق بالمماثلة بوصفها مشابهة في العلاقة بين بنيتين إلى المطابقة بينهما بصورة تجعل الواحدة منهما مرآة للأخرى” (بنية العقل العربي، ص315).
  • والعنصر الثاني المُشكِّل لنظام البنية المعرفية البيانية هو الزوج النبوة/ الولاية، ويتضمن هذا العنصر إشكالين، يتعلق أحدهما بالشيعة، وهو “العرفان الشيعي والزمان الدائري” ويناقش هذا المبحث فكرة الإمامة في الفكر الشيعي والعلاقة بينها وبين النبوة، وهنا يؤكد الجابري أن الزمان العرفاني الشيعي هو “زمان روحي باطني قوامه الارتباط بالإمام، ومراحله وسلم الارتقاء فيه هي مراحل وسلم الارتقاء أو “الحج” إلى الإمام. الشيعي لا يمكن أن يحيى حياته الباطنية الروحية بدون حضور الإمام في قلبه” (بنية العقل العربي، ص337). ويشير الجابري هنا إلى أن الزوج النبوة/ الولاية في النظام العرفاني يقابل الأصل/ الفرع في النظام المعرفي البياني، بيد أن “اتجاه الفكر في الإشكالية البيانية هو من الأصل إلى الفرع بينما هو في الإشكالية العرفانية الإسلامية من الولاية إلى النبوة” !! (بنية العقل العربي، ص317). بمعنى أن الولاية في هذا النظام هي درجة أرفع من درجة النبوة ! أما الإشكال الثاني فهو يتعلق بالمتصوفة ونظرتهم إلى الولاية والنبوة “العرفان الصوفي والزمان المنكسر”، ومع أن الولاية عند الصوفية تختلف بعض الشيء عن الولاية عند الشيعة باعتبار أن الولي/ الإمام عند الشيعة هو زعيم سياسي وقائد روحي في نفس الوقت، بينما هو عند الصوفية مجرد قائد روحي، إلا أن الجابري يؤكد أن “الولاية الصوفية مؤسسة على الولاية/ الإمامة عند الشيعة مستنتجة منها” (بنية العقل العربي، ص346)، والولاية الصوفية لا تعني “العرفان” فقط، “بل تعني أيضا الكرامة: الأولى استمرار للنبوة كوحي والثانية استمرار للنبوة كمعجزة. وكما أن المعجزة بالنسبة للنبي هي علامة صدقه فكذلك الكرامة: هي علامة ولاية الولي وصدقه” (بنية العقل العربي، ص349)، فالنبوة “التي انقطعت إذن، هي نبوة التشريع وحدها، ونبوة الحدود والأحكام، أما النبوة العامة، أو الولاية فهي نبوة المعرفة، نبوة الإلهام والعرفان، وهي لم تنقطع بل مسمرة في شخص الأولياء” (ص361). والزمان عند المتصوفة هو “زمان منكسر، إنه زمان الغيبة والحضور، زمان السكر والصحو، زمان التقلب في الأحوال والمقامات” (بنية العقل العربي، ص356)، وهو يتسم بـ”القطيعة مع الحاضر والمستقل، والاستغراق في “الحال” الذي يحتوي خط الزمان احتواء ويستوعب تعاقب الديمومة في “لحظة” واحدة ممتدة بدون بداية ولا نهاية” (بنية العقل العربي، ص353)

15- هذه هي نظرية الجابري حول العرفان، وقد طبقها على مجموعة من الكتب، من أهمها من كتب الصوفية الرسالة ولطائف الإشارات للقشيري، واللمع للطوسي، وقوت للقلوب لأبي طالب المكي، ومشكاة الأنوار للغزالي، والفتوحات المكية لابن عربي، وراحة العقل للكرماني، والمجالس المؤيدية للشيرازي، وكشف المحجوب للهويجري ومن كتب الشيعة اختلاف أصول المذهب وتأويل الدعائم للنعمان، والذخيرة في الحقيقة لابن الوليد، وأصول الكافي للكليني.

16- ويرى الجابري أن العرفانية الهرمسية تشكل “البنية الأم للفكر العرفاني في الإسلام بمختلف نزعاته وتلويناته”، وأنه “ما من فكرة عرفانية يدعي العرفانيون الإسلاميون أنهم حصلوا عليها عن طريق “الكشف” سواء بواسطة المجاهدات والرياضات، أو بواسطة قراءة القرآن، إلا ونجد لها أصلا مباشرا أو غير مباشر في الموروث العرفاني السابق على الإسلام” (بنية العقل العربي، ص372). ويضيف الجابري “أن العلاقة بين العرفان في الإسلام والعرفان في العصور السابقة على الإسلام علاقة وطيدة ومباشرة، ليس فقط على مستوى الموقف والنظرية، بل أيضا على مستوى المصطلح. فالمصطلح العرفاني في الإسلام ليس إسلامي المضمون ولا عربي الأصل، بل هو مصطلح منقول إلى الإسلام وإلى العربية، مثله في ذلك مثل الموقف العرفاني نفسه، والنظريات العرفانية ذاتها، الصوفية منها والشيعية”. (بنية العقل العربي، ص374). ويؤكد أن “النظرية العرفانية بمختلف صياغاتها، تكرس رؤية رؤية سحرية للعالم صميمية” (بنية العقل العربي، ص379).

17- ويؤكد الجابري من جهة أخرى “أن المتصوفة بجميع فئاتهم وباختلاف منازعهم يتفقون في شيء واحد على الأقل، وهو أنهم وحدهم يعرفون “الحقيقة” وأن طريقهم في المعرفة أسمى طريق، ومن هنا الفرق بين “السنيين” منهم و”الغالين” لا يرجع إلى المعتقد، بل إلى درجة التصريح به، لا غير. فالمتصوفة “السنيون” متكتمون، وفي الغالب يقدمون ما يعتبرونه الحقيقة في صورة تفسير “إشاري” للقرآن… أما الآخرون فهم “مغالون” فقط لأنهم يصرحون ب”الحقيقة” (بنية العقل العربي، ص287).

18- وقد بالغ الجابري في نقد العرفان، فرأى أن الكشف العرفاني ليس شيئا فوق العقل، كما يدعي العرفانيون، بل هو أدنى درجات الفعالية العقلية، ليس شيئا خارقا للعادة، ليس منحة من طرف قوة عليا بل هو فعل العادة الذهنية غير المراقبة، فعل الخيال الذي يغذيه، لا المعطيات الموضوعية الحسية ولا المعطيات العقلية الرياضية، بل معطيات شعور حالم غير قادر على مواجهة الواقع والتكيف معه، والعمل على السيطرة عليه سيطرة عقلية أو مادية أو هما معا” (بنية العقل العربي، ص378).

19- مع قناعتي بصورة عامة بأغلب أفكار الجابري حول الخطاب العرفاني وتحليلاته لمقولات العرفانيين، إلا أنني أعتقد أنه بالغ وعمم في نقد الخطاب العرفاني؛ رغم أنه قال في مقدمة حديثه عن العرفان إنه حرص على تخفيف نقده للعرفان “إلى أدنى درجة ممكنة” ! نعم. بالغ وعمم حين صور العرفان بأنه مجرد ترهات وأساطير وسحر وشعوذة لا تمت للعقل ولا للمعرفة بصلة دون استثناء ولا تخصيص. وحين نفى عن القلب إمكان الوصول للمعرفة، وأعطى للعقل سلطة معرفية مطلقة، لا يشاركه فيها القلب وعالم الروح بأدنى درجة من المشاركة.
والخلاف قديم بين العلماء والفلاسفة هل القلب هو مصدر المعرفة أم أن العقل هو مصدرها؟ وقد انتهى حجة الإسلام الغزالي رغم رجاحة عقله وسعة علمه في كتابه المنقذ من الضلال إلى أن القلب هو مصدر المعرفة. ومهما يكن من الأمر فإن القلب يمثل أحد مصادر المعرفة بمستوى من المستويات، ولكن معرفته ذاتية ولا يمكن تعميمها، كما أنها تختلف من شخص إلى شخص بحسب القوة الروحية للإنسان. والجابري نفسه أشار إلى هذا عند ما لاحظ أن الحقيقة العرفانية “حقيقة ذاتية وظرفية وتخص والشخص الواحد وتستمد من قراره واختياره” (بنية العقل العربي، ص290).

البرهان ||

20- البرهان هو نظام معرفي “يعتمد قوى الإنسان المعرفية الطبيعية، من حس وتجربة ومحاكمة عقلية، وحدها دون غيرها، في اكتساب المعرفة بالكون ككل وكأجزاء”، ويتخذ النظام البرهاني من “منهج أرسطو وجهازه المفاهيمي، والهيكل العام للرؤية التي شيدها عن العالم” مرجعيته. (بنية العقل العربي، ص384). ويعتبر البرهان أن “منهجه هو أقوم المناهج، بل المنهج الوحيد الموصل إلى “العلم” ويعتبر الرؤية التي يقدمها عن العالم أمتن وأكمل من أي رؤية أخرى، لأنها “العلم” ذاته” (بنية العقل العربي، ص416). والبرهانيون هم الفلاسفة المسلمون الذين وظفوا منهج ارسطو وجهازه المفاهيمي وطبقوه على الإشكاليات المعرفية البيانية، مثل الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي…

21- وتتأسس بنية النظام المعرفي البرهاني على عنصرين أساسين:

  • أولهما: هو “المعقولات والألفاظ.. القياس البرهاني”، ويقابل هذا العنصر الزوج اللفظ/ المعنى في النظام المعرفي البياني، ولكن القياس البرهاني يختلف عن القياس البياني بأن هذا الأخير يتجه من اللفظ إلى المعنى، بينما يتجه الآخر من المعنى إلى اللفظ، ويعتبر “الأسبقية هي دائما للمعنى على اللفظ”، ويرى أن “نظام الألفاظ… إن هو إلا محاكاة لنظام المعاني في الذهن، ونظام المعاني في الذهن إن هو إلا محاكاة لنظام الأشياء في الطبيعة” (بنية العقل العربي، ص421). وعلى هذا فإن القياس البرهاني “يجري على مسوى المعاني وليس على مستوى الألفاظ” (بنية العقل العربي، ص434).
  • والعنصر الثاني: هو “الواجب والممكن.. النفس والمعاد”، وفي هذا الفصل يناقش الجابري ارتباط فلسفة ابن سينا خاصة بالفكر العرفاني الغنوصي، وسعي ابن سينا إلى إعطاء هذا الفكر طابعا برهانيا، ففلسفة ابن سينا “فلسفة تلفيقة تمزج الكلام بالفلسفة وتمزج الفلسفة بالتصوف” رغم أن ابن سيناء حاول “دائما أن يضفي الطابع الاستنتاجي على استدلالاته” (بنية العقل العربي، ص480).

22- تلك إذن هي نظرية الجابري حول النظام المعرفي البرهاني، وقد طبقها على جملة من الكتب من أبرزها: كتاب الكندي إلى المعتصم في الفلسفة الأولى، للكندي، ورسالة العقل، آراء أهل المدينة الفاضلة، السياسة المدنية، الملة، الألفاظ المستعملة في المنطق، التنبيه على سبيل السعادة، إحصاء العلوم، الحروف للفرابي، النجاة، منطق الشرقيين، والإشارات والتنبيهات، والشفاء: الهيات لابن سيناء، ومعيار العلم، والقسطاس المستقيم، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي.

23- يرى الجابري أن الكندي هو أول فيلسوف في الإسلام، وهو الذي قام بالمحاولة التأسيسية للنظام المعرفي البرهاني، لكنه كان يعاني من إشكالين؛ أحدهما ضعف بضاعته في المنطق، وهذا ما جعله “يسلك مسلكا غير برهاني فيما يكتب” والثاني هو أن “الفلسفة كانت محل هجوم من طرف فقهاء عصره”. (بنية العقل العربي، ص417)، وقد “احتفظ الكندي بثوابت العقيدة الإسلامية”. وكان الفرابي هو الحلقة الثانية في هذا المسار، وحاول من خلال مؤلفاته المتعددة “بناء تصور شامل للعلاقة بين البيان منهجا ورؤية، وبين البرهان منهجا ورؤية” (بنية العقل العربي، ص418)، لكن رؤية الفاربي، “لم تكن امتدادا ولا تطويرا لرؤية الكندي ولا تجاوزا لها، بل كانت جمعا بين الإلهيات الهرمسية… وبين المدينة الفاضلة الأفلاطونية” (بنية العقل العربي، ص448). وقد جاء بعده ابن سيناء وتبنى “الهيكل الميتافيزقي الهرمسي للمنظومة الفارابية” نفسها، لكن رؤيته الماورائية التي شيدها على هذا الهيكل “لم تكن قراءة لمدينة الفرابي الفاضلة ولا نوعا من التفكير فيها” وإنما كانت “تلفيقا بين إلهيات الفارابي وأخرويات الإسماعيلية، بالإضافة إلى ما عكسته من مشاغل الفكر العربي الإسلامي في عصره، وبكيفية خاصة مشاغل المتكلمين والمتصوفة” (بنية العقل العربي، ص448).

24- ويلاحظ الجابري هنا أن “الفلسفة في الإسلام لم تكن “قراءة متواصلة ومتجددة باستمرار لتاريخها الخاص” كما هو الشأن بالنسبة للفلسفة اليونانية أو الفلسفة الأوربية الحديثة”، وإنما “كانت عبارة عن قراءات مستقلة لفلسفة أخرى هي الفلسفة اليونانية كما تعرف عليها الفلاسفة الإسلاميون؛ لم يكن اللاحق منهم يقرأ السابق حتى يكمله أو يتجاوزه، بل كانوا جميعا يقرأون فيلسوفا “واحدا” هو ارسطو” (بنية العقل العربي، ص447).

25- ويلاحظ الجابري أيضا “أن البرهان كمنهج انتهى به الأمر في الثقافة العربية الإسلامية، إلى أن أصبح مع الغزالي مجرد آلية ذهنية شكلية يراد منها أن تحل محل آلية ذهنية شكلية هي الآخرى، آلية الاستدلال بالشاهد على الغائب، مما أفقده وظيفته الأصلية… وظيفة “التحليل” و”البرهان”. أما البرهان كرؤية فقد تحول “مع ابن سيناء إلى الانخراط في إشكاليات المتكلمين من جهة، وتبني منتجات “العقل المستقيل” منتجات العرفان الهرمسي من جهة ثانية”. (بنية العقل العربي، ص477).

خلاصات واستنتاجات ||

بعد العرض والتحليل للنظم المعرفية الثلاثة، وبيان خصائص كل واحد منها، يخلص الجابري في القسم الرابع من الدراسة الذي عنونه بـ “تفكيك النظم.. ومشروع إعادة التأسيس” إلى جملة من الملاحظات والاستنتاجات.

26- أول هذه الاستنتاجات هي أن هذه النظم المعرفية الثلاثة عاشت لحظة الأزمة “في فترة زمنية واحدة؛ القرن الخامس الهجري”، وقد تجلت هذه الازمة في “التداخل” بين هذه النظم؛ ذلك التداخل الذي بدأ بين البيان والعرفان مع الحارث المحاسبي، وبين البيان والبرهان مع الكندي، وبين البرهان والعرفان مع إخوان الصفا” (بنية العقل العربي، ص486). وقد تجسدت لحظة أزمة الثقافة العربية الإسلامية وانفجار أسسها في الإمام الغزالي الذي كان بمثابة “ملتقى طرق” انتهت إليه النظم المعرفية الثلاثة فالتقت عنده التقاء بنيويا؛ أعني صداميا”… وكانت نتيجة هذا التداخل على مستوى الغزالي كفكر هو الأزمة الروحية التي عاشها الغزالي، وعلى مستوى الغزالي كانتاج هو “التداخل التلفيقي” بين هذه النظم الثلاثة. (بنية العقل العربي، ص486).

27- وهنا يستعرض الجابري خمس مؤلفات في علم الكلام ويقارن بينها، أحدها يمثل طريقة المتقدمين في أوج نضجها، وهو كتاب “أصول الدين” للبغدادي، والثاني يمثل المرحلة الانتقالية بين لحظة تحول الثقافة العربية الإسلامية إلى ما قبل وما بعد، وهو كتاب الغزالي “الاقتصاد في الاعتقاد، وأما الثالث والرابع فيمثلان طرقة المتأخرين في تمام اكتمالها، وهما كتابا الرازي “المباحث المشرقية في الطبيعيات الإلهية” و”محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين”، أما الكتاب الخامس فهو كتاب “المواقف” للإيجي، وهو يمثل ما انتهت إليه طريقة المتأخرين. ويخرج الجابري من المقارنة بين هذه الكتب الخمسة إلى استنتاج أن طريقة المتقدمين كانت تحمل عقلا منتجا، “زاخرا بالحياة، وبالتالي فالمفاهيم كانت مفاهيم حية يجيل إلى عالم معرفي تحدده وتتحدد به”، كان هذا العقل “يشيد مناهج يستنبتها كما في البيان أو يعمل على تبيئتها كما في العرفان أو البرهان، وكان يشيد رؤوى يبنيها لبنة، لبنة بأدواته وجهده واجتهاده”، بينما تحول العقل العربي مع طريقة المتأخرين “إلى عقل يتجر ويستهلك”، وتوقفت معه “عمليتا البناء والتبيئة، بل إن البناءات الثلاثة قد تحولت إلى قطع”، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تم النزول بالفلسفة إلى مستوى الفيزياء الكلامية، بدلا من رفع علم الكلام إلى مستوى الفلسفة. وهكذا تحول العقل العربي إلى عقل “صارت فعاليته أن يحفظ ويتذكر لا أن يفكر ويستدل”. (بنية العقل العربي، ص507 – 509 – 510).

28- والاستنتاج الثالث هو أنه مع لحظة الأزمة هذه التي كان بعض عملاقة الفكر العربي الإسلامي مثل الجويني والقاضي عبد الجبار المعتزلي وابن سيناء والقشيري والجرجاني يحاولون التخفيف منها، وكان معاصر لهؤلاء يرفع صوته بإلحاح ضد ما انتهي إليه الفكر الإسلامي من تناقضات ومن ضعف في المنهج وخلل في الرؤية؛ إنه أبو محمد علي بن حزم، الذي “دشن مرحلة جديدة من النقد في الثقافة العربية الإسلامية”، وأقام مشروعا فكريا “فلسفي الأبعاد يطمح إلى إعادة تأسيس البيان وإعادة ترتيب العلاقة بينه وبين البرهان مع إقصاء العرفان إقصاء تاما”. وقد جرت العادة بالنظر إلى ابن حزم على “أنه فقيه من اتباع المذهب الظاهري”، “والحق أن اختزال فكر ابن حزم إلى مجرد تابع… ينطوي ليس فقط على ظلم شخصية علمية كبيرة، بل أيضا… على تشويه مسيرة الثقافة العربية الإسلامية، وتعتيم بداية لحظة جديدة فيها”. لقد كان ابن حزم يصدر “عن رؤية للعالم ترفض جميع العناصر الأساسية في الرؤية البيانية “العالمة” التي شيدها المتكلمون”، وقد دعا ابن حزم إلى “اعتماد القياس الجامع والاستقراء منهجا، في العقيدة كما في الشريعة… وإلى الأخذ بعلم عصره (طبيعيات ارسطو) واتخاذه أساسا لتشييد رؤية بيانية جديدة تحترم مبادئ الدين كما جاء بها النص وتفسح المجال للتحرك عقديا وعلميا داخل دائرة المباح الواسعة”. (بنية العقل العربي، 514 – 521 – 527 – 528). وكان من أصداء المشروع النقدي الذي خلفه ابن حزم ظهور ابن باجة الذي حمل مشروع إعادة تأسيس الفلسفة داخل الثقافة العربية الإسلامية، محاولا “أن يقرأ ارسطو بواسطة ارسطو نفسه”، كما كان من اصداء هذا المشروع ظهور ابن رشد “الذي استعاد المحور الرئيسي والأساسي في مشروع ابن حزم” في ميدان العقيدة بشكل خاص، وذلك من خلال الدعوة إلى التمسك “بظاهر النص، والتعامل معه تعاملا برهانيا” (بنية العقل العربي، ص531)، إلا أن ابن رشد -كما يرى الجابري- بهذا المشروع النقدي “إلى مستوى أعلى بكثير مما كان عليه عند ابن حزم: مستوى الفكر الفلسفي الناضج المتمكن من نفسه الواعي لنضجه” (بنية العقل العربي، ص536). أما الحلقة الرابعة في مشروع إعادة التأسيس فقد مثلها ابن تيمية الذي التقى مع “ابن حزم وابن رشد في إنكاره على المتكلمين نفيهم للطبائع والسببية”، ووافق ابن رشد “فيما أدلى به آراء” في الهوامش التي كتبها على كتابه مناهج الأدلة، بل أن تأثير ابن حزم واضح في آراء ابن تيمية وأسلوبه، وهنا يستدل الجابري بمقولة أبي زهرة “ولعل جذوة من الحدة التي امتاز بها ابن حزم قد آلت لابن تيمية من قراءته لكتبه وتأثره إلى حد بعيد بأسلوبها” (بنية العقل العربي، ص536 – 537). وقد جاء بعد هؤلاء الشاطبي أن المختص في الايبستمولوجيا المعاصرة الذي لا يعرف الشاطبي لا شك أنه حين يقرأ له “سيهتز دهشة وعجبا، لأنه سيقرأ في خطاب الشاطبي نفس المعاني التي يقرأها في خطاب فلاسفة العلم المعاصرين”، فقد “دشن الشاطبي نقلة ابيستيمولوجية هائلة في الفكر الأصولي”، وقد تمثل “جانب التجديد والابداع في منهج الشاطبي… في تطوير ثلاث خطوات منهجية… هي: الاستناج… الاستقراء… مقاصد الشرع”، ودشن مقالا جديدا تماما في المنهج الأصولي قوامه أن “كل دليل شرعي فمبني على مقدمتين”؛ إحداهما نظرية، والثانية نقلية. وقد حدد الشاطبي شروط العلم البرهاني في ثلاثة، ورأى أنها متوفرة جميعها في الشريعة؛ هذه الشروط هي: العموم والاطراد، الثبوت من غير زوال، كون العلم حاكما لا محكوما عليه. ويتأسس فكر الشاطبي على ثلاثة عناصر، هي: مفهوم المقاصد، ومفهوم الكلي، والطريقة التركيبية. (بنية العقل العربي، ص539 – 541 – 547). من جانب آخر كان هنالك معاصر للشاطبي هو عبد الرحمن بن خلدون يعمل من جانبه على إعادة تأسيس علم التاريخ على البرهان، وقد اخترع ابن خلدون برهاني صالح للتطبيق في ميدان التاريخ، لكنه أخفق توظيف هذا المنهج. (بنية العقل العربي، ص548).
والخلاصة التي يخرج بها الجابري هنا هي أن “ما ننشده اليوم من تحديث للعقل العربي وتجديد للفكر الإسلامي… يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد، وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون”. (بنية العقل العربي، ص552).

29- وخلاصة الخلاصات عند الجابري هي أنه “لا سبيل للتجديد والتحديث –ونحن نتحدث هنا عن العقل العربي- إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكانياته الذاتية أولا، أما وسائل عصرنا المنهجية والمعرفية فيجب أن نستعين بها فعلا ولكن لا بفرضها على الموضوع وتطويع هذا الأخير في قوالبها بل العمل، على العكس من ذلك، على تطويع قوالبها بالصورة التي تجعلها قادرة على أن تمارس قدرتها الإجرائية، أعني وظيفتها كأدوات علمية”. (نقد العقل العربي، ص568).

زر الذهاب إلى الأعلى