تفسير آية مع الشيخ سيد محمد محمد المختار


﴿يأَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقنكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلنكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقيكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾
[الحجرات: ١٣
هذه آية عظيمة، والوصف كاشف ، وليس للاحتراز ، فكلّ آيات القرآن عظيمة.
والآية مدنية باعتبار نزولها بعد الهجرة ، مكية باعتبار نزولها بمكة إبّان الفتح ، وباعتبار النداء ب ( يأيها الناس ) الذي هو من مِّيَزِ القرآن المكّي فهي تجمع بين خصائص القرآنين .
أفادت هذه الآية الكثير والكثير ممّا نجمل بعضه فيما يلي :
١ – أنّ مشكل العنصرية مشكل بشري تعاني منه البشرية جمعاء ؛ فكلّ شعب يرى نفسه شعب الله المختار ، وكلّ فتاة بأبيها معجبه. ؛ لذلك كان النداء موجّها إلى الناس عموما (( يأيّها الناس )) وخالف هذا النداء نداءات خمسة سبقته موجّهة إلى المؤمنين، واختير لمكان نزول الآية مكة ؛ لأنّها يومئذ كانت تتمثل عبّية الجاهلية على الوجه الأكمل، فإذا هدمت عبّيّة الجاهلية في عقر دارها، فلأن تهدم في غيره أيسر وأسهل.
٢ – نسبة خلق البشر إلى الله (( إنّا خلقنكم ))؛ لنتبيّن نحن البشر أن لا شأن لنا بخَلْقِنا الذي لم نشهده، ولم نستشر فيه ((ما أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم … )) فأنّى لنا أن نتعالى على غيرنا بما لا دخل لنا فيه.
٣ – أنّ خلقنا وفق نظام الزوجية (( من ذكر وأنثى )) فنحن نشترك مع جميع المخلوقات الحيّة في هذا النظام ، فلا فضل لنا فيه على أيّ مخلوق حيّ ، والتصريح بأنّ خلقنا من ( ذكر وأنثى) بدل من ( رجل وامرأة ) تأكيد على هذه الحقيقة.
لا يعني هذا – معاذ الله – أنّ الإنسان لا مزيّة له، ولا فضل يختصّ به دون غيره ، فتلك فلسفة مادية لا مصداق لها ، بل يكفي الإنسان فضلا ذلك التكريم الإلهي (( ولقد كرّمنا بني آدم …. )) ويكفيه مزيّة خلقه في أحسن تقويم، وجعله خليفة في الأرض.
٤ – نسبة جَعْلِنا شعوبا وقبائل إلى الله (( وجعلنكم شعوبا وقبائل ))
يأتي القرآن ب ( جعل ) للدلالة على خَلْقٍ فَرْعٍ عن خلق سبقه مثل (( الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور )) فجعْل الظلمات والنور خلق جديد فرع عن خلق السماوات والأرض، وكذلك جعلنا شعوبا وقبائل هو فرع عن خلقنا من ذكر وأنثى، فإذا كنّا لا نفتخر بخلقنا من ذكر وأنثى – وهو الأصل – فلِمَ نفتخر بجعلنا شعوبا وقبائل؟ وهو فرع عن الأصل، والأصل أفضل من الفرع ، دعني من بعض الاستثناءات التي هي إلى تصحيح القاعدة أقرب منها إلى إلغائها.
٥ – التصريح بالحكمة من خلقنا شعوبا وقبائل أنّها التعارف (( لتعارفوا ))
فالتصريح بهذه الحكمة كفيل بقطع الطريق أمام التعالي بالنسب الطيني، والتغالي في الاعتداد بالحسب الأرضيّ.
٦ – جعل التقوى معيار التفاضل عند الله (( إنّ أكرمكم عند الله أتقيكم.))
٧ – التعقيب ب (( إنّ الله عليم خبير )) لنسلّم له الأمر، ولا نعترض عليه، ولننطلق من الرضا بما شرع لنا ،ونبتعد عمّا نهانا عنه من العنصرية النتنة ، والافتخار العفن بالآباء مسشعرين رقابة العليم الخبير.
٨ – استخدام ضمائر العظمة ( نا )
٩ – استخدام أدوات التوكيد ( إنّ )
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأمر جلل، وأنّ الشأن جدّ .
إنّ على الجادّين في بناء وحدة البلد وإبعاده عن هاوية الكراهية أن يضعوا نصب أعينهم هذه الآية و نظائرها في كتاب الله ، ومثلها مما ورد في السنّة المطهّرة حتّى يسهموا حقّا في إنقاذه مما يخشى عليه – لا قدّر الله – من التفكك والتفرّق.
سلّم الله البلاد والعباد من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

زر الذهاب إلى الأعلى