الاجتهاد الجماعي “العفوي”/ د. محمدٌ محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
يبدو العنوان – أعلاه – عنوانا مثيرا بالفعل؛ فكيف لاجتهاد فقهي أن يكون “عفويا” خاصة وقد وصف بأنه اجتهاد جماعي؟!
الذي أقصد بمصطلح “الاجتهاد الجماعي العفوي” ما تفرضه الأمة – أحيانا – من حلول لإشكالاتها الفقهية العملية وردود على أسئلتها الجوهرية المفصلية؛ بترجيحها “العملي” لمذهب فقهي وانتقائها الاجتهادي لرأي منهجي؛ متقدمة بذلك على فقهائها المنظّرين وحكّامها المنظِّمين؛ واضعة إياهم أمام الأمر الواقع!
من أوضح أمثلة هذا النمط من “الاجتهاد” ما جرى به العمل – في العصر الحديث – في جميع أقطار العالم الإسلامي (وبلاد مهجر الأقليات المسلمة كذلك) من العمل بمقتضى مذهب الأحناف، المجيز لتعدد إقامة الجمع (الجمعات) في مساجد متعددة في المصر الواحد بلا شرط ولا قيد؛ كما في حاشية ابن عابدين “وتؤدى في مصر واحد بمواضع كثيرة مطلقًا على المذهب. وعليه الفتوى (…) دفعًا للحرج” ثم قال معللا: “لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجًا بينًا لاستدعائه تطويل المسافة على أكثر الحاضرين. ولم يوجد دليل عدم جواز التعدد”
وهو اجتهاد انتقائي (عفوي) لقول يلائم العصر؛ من حيث ضرورة حضور المؤسسات المسجدية في كل حارة وزقاق، لمقاومة مدّ المفاسد والمغريات المدنية الحديثة. ولمركزية حضور كلمة الحق وخطبة الجمعة وإشعاع الجامع وشموخه وبركته ونورانيته… في بيئة تعطلت فيها خطة الحسبة وانسحبت الدولة الحديثة عن مسؤوليتها التوجيهية في هذا الباب.
محققة (الأمة) بهذا الاجتهاد “العفوي” من المصالح الظاهرة ما لم يعد معه بإمكان الفقيه المنصف (والفقهاء محمولون على الإنصاف) أن يقف معه في وجه تمدّد المساجد وتعدّدها وحضورها وقوة تأثيرها، وفي مقدمة آليات ذلك خطبة الجمعة وإقامة صلوات العيد المتعددة.
هذا، مع العلم أن أصل المذهب المالكي، عدم جواز تعدد الجمعة في المصر الواحد (مختصر خليل: والجمعة للعتيق، وإن تأخر أداءً) وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وإن أجازوه للضرورة كتعذر اجتماع الناس في مسجد واحد لضخامة العدد أو اتساع المصر. وشرط البعض تباعد المساجد ثلاثة أميال (ثلاثة كيلومرات، أو أربعة كيلومترات ونصفا، خلاف)

بيد أن الأمة – من مختلف المذاهب – قد تجاوزت هذا الحاجز المذهبي وأخذت بمذهب الحنفية الموسع بأنها “تؤدى في مصر واحد بمواضع كثيرة مطلقًا” وكأنهم وسعوا التعليل الفقهي (التعليل الأصغر) وجعلوا علة الجواز “مظنة الحرج” وليس الحرج نفسه؛ والقاعدة أن “المعلل بالمظان لا يتخلف الحكم فيه بتخلف الحكمة”
وعليه فإن لنا أن نستفيد من هذا الاجتهاد “العفوي” إن صحت التسمية، أن الأمة قد تسبق فقهاءها المنظّرين وحكّامها المنظِّمين؛ إذا لم يسارع أؤلئك بأخذ زمام المبادرة الاجتهادي، ويبادر هاؤلاء بسدِّ الفراغات التنظيمية الحديثة بقوانين تنطلق من الشرع الحنيف لتحقق المصالح الدينية والدنيوية، للأمة.
والله تعالى أعلم

زر الذهاب إلى الأعلى