التعليم المحظري …قاطرة الأصالة والنهضة في موريتانيا/محمد غلام الحاج الشيخ

عند استقلال هذه البلاد عن المحتل الفرنسي أو على الأقل الخروج السياسي المباشر له ، لم يكن عدد التلاميذ المسجلين في المدارس القليلة ، قادرا على قيادة دفة معركة التأسيس ولا طموحات التنمية التي يسعى إليها جيل التأسيس بقيادة المرحوم المختار ولد داداه.
بضع مئات من التلاميذ يدرس أغلبهم تحت الخيام، وعشرات من تلاميذ مؤسسات ثانوية متفرقة في البلاد، من أشهرها ثانوية إكزافييه كبولاني في روصو.

كان البلد محتاجا إلى نخبة جديدة تقوم عليها سواعده، وكانت هذه النخبة موجودة بالفعل ومؤثرة، وكانت قبل الاستقلال بقرون قد ضربت أطناب الشهرة والسمعة العلمية في أصقاع المعمورة، وعرف الناس المحظرة وأجيالها المتقدة ، وشنقيط وعلماءها الافذاذ ، وكان هؤلاء حيثما حلوا منظورا إليهم بعين التقدير، متوقعا منهم فيض علم وتربية وصلاح، ولم يخيبوا المتوقع، ولم يأيس الراجون منهم فيض العلم وحسن المعاملة .
كانت المحظرة صمام أمان المجتمع الموريتاني، وحافظ هويته، وكانت الاستثناء الحضاري العميق في تاريخ البشرية، حيث صنع هذا الشعب وفق ما يرى المؤرخ العلامة محمد ولد مولود ولد داداه أول تقاليد مكتوبة في شعب بدوي.
ولم تخيب المحظرة أيضا أمل البلد، فقد هب أبناؤها بسرعة، بعد قليل من التكوين والتأطير ، يساعدهم مستواهم العلمي الرفيع إلى تقلد الوظائف السامية التي لاحياة للدولة من دونها، من الدبلوماسية الغرِيبة على مجتمع البادية إلى الوظائف الفنية الدقيقة فبنوا الجهاز التعليمي ، وكان أداؤهم في القضاء والاقتصاد ، وفي الأمن والجيش، والإدارة وكانوا الرافعة الحقيقية للدولة الموريتانية، وذلك من خلال الذهنية المتعلمة التي خلقت قابلية التطور والاستيعاب رغم ما خلف المحتل من ثقافة ” فرنسة الهوية “.
لقد برهنت المحضرة على أنها تهيئة وتأطير معرفي يبني القابليات ويتيح فرص التواصل بلا حدود ولتأكيد ذلك فقد كان بعض من خرجوا المحاضر البيئة التي احتضنت كل الحركات من التقدمية والاشتراكية مرورا بالقومية فالفكر الاسلامي الحديث…

إن مسابقة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم النصوص المحظرية لإحدى الحسنات التي أضاف السيد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني حيث تم التخطيط لها بعمق ونفذت من قبل الوزارة على أرض الواقع بفعالية وعلمية بعيدا عن الإسفاف في الدعاية ورياء المظاهر الخادعة.

إن الرئيس الغزواني الذي دفع بمصالحة وطنية شاملة مع الجميع ثم مع الهوية الإسلامية، وأنهى عصر القطيعة والصراع الوهمي الذي أقامه بعض المحرضين مع الهوية الإسلامية كما أوقف شيطنة المحاظر وإرهاب السلطة وتخويفها من شبابها الطاهر الوضاء .

إن هذه المسابقة في شموليتها وعمقها وفي نخبويتها، وفي قيمة جوائزها، ترفع سقف الهمم العالية بين طلاب المحاظر وشيوخها، وتعلي من قيمة التنافس البناء بين المحاظر والمؤسسات العلمية، ولا شك أنها حسنة خالدة لرئيس الجمهورية كما أنها نجاح في التنفيذ لوزيره للشؤون الإسلامية ذلك الوزير الداه ولد الطالب أعمر الذي تميز بكونه وزير الرئيس الذي قدم بقدومه ، من خارج لوبيات الوزارة الذين مردوا على التقاسم وحصر الإنجاز في القطاع المهم ، بمجرد البحث عن التسخين وخلق العداوة للنظام مع الأبرياء ، هذه الجائزة خدمت العلم والعلماء في هذا البلد.
لأتها من بين الأمور التي لا ينتبه إليها إلا القلة، ذلك أن الدولة عند قيامها بواجبها ، وخاصة في الامور الحساسة ذات الطابع الديني ، تملك زمام المبادرة ويمنحها المجتمع المقدمة ويقبل منها التوجيه ويكل إليها التصرف ، لكونها نابت عنه في أغلى وأعز ما يعتقد.

لذلك يصبح الخطاب الديني مرشدا ضمن أطر الدولة رافعا للأهداف العامة منسجما مع التوجهات الكبرى للأمة ، سالما من المغالبة المرهقة للجميع وهو أمر مهم لمصداقية الدولة وعافية المجتمع .

وليس في الأمر أي غرابة، فالعالم من حولنا، يعيش بتقدير وإكبار لمؤسساته الدينية التي تموّل من أموال دافعي الضرائب، ومن تبرعات الأثرياء وتقيم أنشطتها وتأثيرها الديني في تكامل مع الدولة بل وتأثير قوي على النخبة السياسية والمالية في مختلف بلدان الغرب والشرق .
فيما ينعق عندنا بعض أدعياء الحداثة بفحيح حقد لا حدود له على كل ما هو أصيل معرفيا ويصفون التعليم الاسلامي بكونه تطرفا وخطرة في الوقت الذي يغضون الطرف جهلا أو عمدا عن ميزانيات بالمليارات من الدولار تنفقها الكنائس في دول الغرب المسيحية وكذلك اليهود من أجل تعليم التلمود ، وكأنهم لا يدرون شروط الأحزاب الدينية في الكيان الصهيوني التي تقتطع ميزانيات ضخمة لمصلحة التعليم الديني في الكيان الذي يعتبره بعض المستلبين نموذجا !!!

وتظهر على سبيل المثال نسب الإنفاق على التعليم في الكيان الصهيوني عمق الاهتمام والتأثير ومركزية هذا التعليم في استمرار الأسطورة الصهيونية، وبقائها مستمرة حيث يلتحق سنويا آلاف الطلاب بمؤسسات التعليم الديني المدعومة رسميا والتي ارتفع عددها من 50 معهدا في سنوات الاحتلال الأولى إلى أكثر من 600 مؤسسة في سنواته السبعين.

إن الخلاصة المهمة هي أن التعليم المحظري هو أحد أوراقنا الاستيراتيجية التي فرطنا فيها لعقود، وأن انتعاشه وتطويره، يعيد للبلد الاعتبار والتأثير الفعال في المنطقة والجوار، كما أن الطلب الواسع على التعليم الإسلامي النوعي في مختلف بلدان العالم الإسلامي من شرقيه إلى غربيه، يفتح فرص تشغيل هائلة أمام شباب المحاظر، وتلك بوابة تنموية مهمة لا ينبغي أن تغفلها الدولة ولا أن يتغافل عنها الشباب.
فهنيئا لرئيس الجمهورية على هذه المسابقة الكريمة، وهنيئا لوزيره للشؤون الإسلامية على حسن تنظيمها ، وهنيئا للطلبة الناجحين.

زر الذهاب إلى الأعلى