حول المرض.. وما يتعلّق به من فقه الأموال وما يؤول إليها/د.محمدٌ محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
اعتمد ابن حارث الخشني (ت ٣٦١ هجرية) في كتابه البديع “أصول الفتيا على مذهب الإمام مالك” تبويبا لطيفا للفقه؛ يرتبه فيه على حسب العلاقة الجامعة بين الفروع؛ واستئناسا بتبويبه (رحمه الله) وشكرا لله تعالى على نعمة العافية، واستحضارا لتخصص الصفحة، بدا لي أن أكتب ملاحظة للتذكير بأهم الأحكام المرتبطة بالمرض، والمتعلقة بالأموال وما يؤول إليها؛ فأقول:

  1. المستجدّ الفقهي في حكم التداوي: (مضمون تدوينة سابقة)
    كان اختلاف الفقهاء في حكم التداوي بالنسبة للمريض، بين قائل بوجوبه (إن غلب على الظن نفعه) وبين من يرى أن أقصى حالاته الجواز فحسب، وبين مفضّل لتركه توكلا… كان مفهوما ومتفهما في ظل بدائية الطبّ يومها وربما لارتباط بعض ممارساته بخرافات وتصورات مصادمة للشرع.
    أما اليوم فإن مقصد الشرع في حفظ النفس وإلهام المَلَكة الفقهية في مناسبات الشرع في المجال، تحتم علينا أن نفرق – في الحكم – بين التداوي بالطب البدائي الظني النفع الذي تحدث عنه الفقهاء قديما، وبين الطب الحديث المبني على الأمور اليقينية وشبه اليقينية.
    فمن عانى آلاما حادة وأجريت له فحوص مخبرية وأشعة كاشفة أثبتت إصابته بالزائدة الدودية في مرحلة متقدمة وأخبره الجراح المختص أن عليه إجراء عملية جراحية مستعجلة، احتمال نجاحها يقارب مائة في المائة. واحتمال موته إن لم يجرها بنفس النسبة، فإنه ليس من احترام الفقه الشرعي ولا من النصيحة لشرع الفطرة السليمة والصلاح الديني والدنيوي، أن نقول إن الشارع يخير مثل هذا بين التداوي و”التوكل” وكأننا نجعل التوكل عديلا للأخذ بالأسباب الظاهرة، علما بأن حقيقة التوكل هي أن نباشر الأسباب ونفر من قدر الله إلى قدر الله، مؤمنين بالقضاء والقدر، مطمئنين أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لن يكون.

٢. هل يلزم الزوج علاج زوجه إن مرضت؟ (مضمون تدوينة سابقة)
استقرت في موروثنا الفقهي “مسلمة” فقهية مقتضاها اتفاق المذاهب الأربعة (في مشهور كل منها) على أن علاج الزوج – إذا مرضت – لا يلزم زوجها!
وهو ما عبرت عنه متون المذهب، منها على سبيل المثال، قول خليل في المختصر: ‘… لا مكحلة ودواء وحجامة’ وهو ما عبر عنه محمد مولود في الكفاف بقوله:
“ولا يزدها إن يزدها داء.. أكلا. ولا يلزمه دواء”
ومع غياب نص شرعي (من قرآن أو سنة) صريح في المسألة، واعتماد الفقهاء في تقريرها على أقيسة لا ينسجم مخرجها – في ميزان اليوم على الأقل – مع مقاصد السكن والمودة والرحمة (قياس العلاقة الزوجية على الإجارة التي تحط عن المستأجر إصلاح ما تهدم من الدار المكتراة مثلا!) ولا يتناسب مؤداها في عصرنا هذا إلى ما بنيت عليه أحكام النفقات والكفاية من العرف والمعروف (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) وحتى لا نترك للمتصيدين في الماء العكر مجالا للطعن أو التشكيك، بتحميل الشريعة الإسلامية مسؤولية اجتهادات من مجتهدين اجتهدوا وفق معطيات أزمنتهم وأعراف أهلها وانطلاقا من واقع الطب أيامهم – احتياجا إليه وتطورا في علاجاته واختلافا في حكمه بالنتيجة – مع نصهم (رحمهم الله وتقبل منهم) على ضرورة مراجعة الأحكام الفقهية المبنية على الأعراف والعوائد والأحوال المتغيرة زمانا ومكانا، ما تغير الحال أو استحال العرف أو تبدلت العادة.
وحتى لا تضيع حقوق شرعية تفصح المقاصد الشرعية ومناسباتها وتطفح عمومات النصوص القطعية بثبوتها (انطلاقا من معطيات الواقع ومسلمات الأعراف المعاصرة) في ظل غياب لنصوص شرعية تسقطها!
فإنني أرى أن الأقرب لروح الشرع والأولى بالدخول في عمومات نصوصه في المجال والأجدر بالاعتبار – عرفا وواقعا – والأنسب لنظرة الشارع للأسرة والعلاقة الزوجية – سكنا ومودة ورحمة – هو الأخذ بمذهب من يرى أن مصاريف علاج الزوج المريضة، على زوجها تبعا للنفقة (وهو رأي ابن عبد الحكم من أهل المذهب) وترجيحه بالمرجحات أعلاه – وربما بغيرها من المرجحات – واعتباره مثالا حيا لتغير الفتوى (في غير الأصول والثوابت) بتغير الزمان والأحوال، ولوجود مستجدات واقعية مقتضية للتغيير.

٣. حكم إجارة الطبيب
ومع نصّ سحنون بن سعيد على أن الأصل في مداواة المريض الجعالة (مشارطة الطبيب على البرء على أن الدواء من عنده) فإن ابن الحاجب يرى أنها تصح إجارة وتصح جعالة. بل إن الأوفق بواقع العصر – الذي استقل فيه كلّ من استشارات الطبيب، والفحوص والأدوية والجراحات… وغيرها غالبا – هو مذهب ابن عبد السلام: الذي يرجح كون التعاقد مع الطبيب إجارة لا جعالة.

٤. إجارة الرّاقي وجعله:
ورد في الصحيحين: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ. فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ، أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ.
قال الإمام النووي: هَذَا تَصْرِيح بِجَوَازِ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى الرُّقْيَة بِالْفَاتِحَةِ، وَالذِّكْر، وَأَنَّهَا حَلَال لَا كَرَاهَة فِيهَا.
أ. فإذا عامله على الرقية دون ربط لها بالنتيجة، كانت إجارة.
ب. وإن شارطه على البرء كانت جعالة.

٥. نكاح المريض مرضًا مخوفًا
مشهور المذهب المالكي (ولعلها من مفرداته) أنه لا يجوز للمريض مرضًا مخوفًا أن يتزوج (والمرجع في ذلك إلى الأطباء) خوفًا من قصده إدخال وارث. يراجع الشراح عند قول المختصر: “وَهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أَحَدِهِمَا الْمَخُوفُ وَإِنْ أَذِنَ الْوَارِثُ أَوْ إنْ لَمْ يَحْتَجْ خِلَافٌ”

٦. طلاق المريض مرضًا مخوفًا:
لا يجوز للمريض مرضًا مخوفًا أن يُطلّق زوجه خوفًا من قصد إخراج وارث؛ فإن طلّق فيه عومل بنقيض قصده الفاسد؛وورثت المرأة منه حتى لو تطاول به المرض حتى خرجت من العدّة وتزوجّت وولدت! وبه يلغز.

٧. تصرّفاته في المعاوضات
تجوز معاوضات المريض وتمضى، مالم يحاب فيها.
وإليه يشير ابن عاصم في التحفة بقوله:
“وما اشترى المريض أو ما باعا
إن هو مات، يأبى الامتناعا” إلخ.

٨. أما وصية المريض (وتبرعاته تبع لها) فتمضي في الثلث 《والثلث كثير أو كبير》
شفانا الله جميعا وشفى مرضانا ومرضى المسلمين، ورفع البلاء عن الأمة وكشف الغمة.
والله تعالى أعلم

زر الذهاب إلى الأعلى