التراسل الشفاهي في الشعر الحساني/ د. زينب عابدين

لم تزل مكامن الشعرية ومآتي الحسن في الأدب الحساني عصية على الحصر، تتجلى لكل مستنطق لنصوصه، ملم بها. ففي كل مرة تستنطق فيها نصوص هذا الأدب تتكشف لك صور وخصائص شعرية خاصة، تتحدد ملامحها الأدبية في علاقتها بالسياق الثقافي من جهة، ثم بنمط التلقي والتفاعل من جهة أخرى، ضمن ظواهر أدبية شتى تعود بالذاكرة للتراث الشعري العربي وترسم ملامح التناص والتفاعل بين الذهنيتين (التراثية العربية والتراثية الشعبية الموريتانية). ومن بين تلك الخصائص والسمات نتناول في هذه السطور ظاهرة “التراسل في النص الشعري الحساني”، ساعين للإمساك بالمظاهر الأدبية لهذه الظاهرة من خلال استنطاق نماذج مختلفة من الشعر الحساني في سياقات وبئات مختلفة. وقبل أن نلج مرحلة الاستنطاق تلك لا بأس أن نعرج قليلا على مفهوم التراسل الذي نعنيه هنا .
مفهوم التراسل
إن مفهوم التراسل في الشعر هو مفهوم قائم على استدعاء خاصية سردية في الأصل، ذلك أن التراسل وظيفة السارد، فليس معهودا في النص الشعري أن يتمحض لوظيفة تراسلية، وهذا اللامعهود هو ما يجعل من هذه الوظيفة في السياق الشعري ظاهرة أدبية تستدعي التوقف وتشد الأذهان حينما يتقاطع الشاعر مع السارد في تقنية فنية غير مألوفة في الخطاب الشعري. وهي ظاهرة نجد جذورها في التراث الشعري العربي، من خلال توظيف ألفاظ من قبيل “أبلغ – أنبئ – قل…إلخ” وهي ألفاظ توحي بوجود طرف مرسل (الباث) وآخر ناقل (الرسول) وثالث مستقبل (المرسل إليه). ومن أمثلة هذا النمط قول عصام بن عبيد الزماني:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة وفي العتاب حياة بين أقوام
وقول مسكين الدرامي :
قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا صنعت بناسك متعبد
وقد برزت ظاهرة “التراسل” في الشعر العربي بشكل لافت عند عمر بن أبي ربيعة في مقاطع ونصوص كثيرة من شعره، ومن ذلك قوله :
وصحيفة ضمنتها بأمانة عند الرحيل إليك أم الهيثم
فيها التحية والسلام ورحمة حف الدموع كتابها بالمعجم
من عاشق كلف يبوء بذنبه صب الفؤاد معاقب لم يظلم
وقوله في نص آخر :
إذا جئتها فاقر السلام وقل لهـــا ذري الجور ليلى واسلكي منهجا قصدا
وأمثلة هذا كثيرة مبثوثة في نصوص شعرية عديدة.
جمالية التراسل في الأدب الحساني
ليس الأدب الحساني بدعا في توظيف صيغة “التراسل”، غير أن هذا التوظيف اتسم بنمط من الخصوصية تجلى صورا أدبية شتى ذات دلالات مختلفة على مستوى لحظة البناء الفني والأدبي لنصوص هذا الأدب.
فأحيانا يلجأ المبدع إلى لحن القول حتى يخفي على رسوله مضمون رسالته مع ترك إشارات خاصة معلومة لدى المتلقي المقصود، مجهولة لدى السامع العادي، ومن بديع ذلك قول امحمد ولد أحمد يوره:
لحكلي للنقصد عمرانه منت أحمد
عني ذان فبلد ماني منه منزاد
وأني بعد ال بعد واني زاد الل زاد
وإذا كان الشاعر في المثال السالف قد صرح باسم المرسل إليها، فإن الشيخ ولد مكي قد سلك مسلكه في الإيهام مع تجنب ذكر اسم المرسل إليها، والاكتفاء بذكر وصف لها “سبت لهلاك” عامدا إلى تضليل رسوله باستخدام إشارات وإيحاءات لا يفهمها سوى التي وجه لها رسالته، وذلك هدف الشيخ، فليس مهما عنده أن يفهم طرف آخر محتوى رسالته:
إيل جيت لسبت لهلاك كول له عني كنت معاك
وأراهي هي تفهم ذاك واللي كالتلك كولولي
وكول له تعطيني مسواك ويل طاتولك جيبولي
وكول له هاذ حكل وسولهالي عن مرسولي
كانو كال ارسولي والل يكانو ما كال ارسولي
والسامع لهذا المقطع قد يراه كلاما عبثيا غير مكتمل المعنى، والحق أنه في جوهره معبر ومكتمل -على الأقل- بالنسبة للشيخ وبالنسبة للمتلقية المعنية (وأراهي هي تفهم ذاك).
ومن صور أسلوب التراسل الشعري أن يترك أمر الإرسال مفتوحا أمام كل راغب وكل سالك وجهة المقصود، وفي ذلك دلالة على رغبة الشاعر في انتشار أمر الرسالة وذيوعها، ومن ذلك قول عابدين ولد التقي:
لحكل يحد أمكافي واعد باب عني وافي
من تل، وعني معافي وأني هذان فاوطاني
ؤ مزلت الا ماني حافي وأشمذاك أنر بظانِ
ؤ بظان ذاك أفطن كاف وأني مزلت اعل مانِ
وان كاع اشلاه انطرِّي هانِ هون وحالي هانِ
ولباس اعلي وانگر ي صفية منت الشيبانِ
وواضح أن هذه الرسالة تختلف عن سابقاتها في نمط المستقبل الذي تشي الرسالة بامتلاكه منزلة خاصة من الباعث تجعله يبث إليه تفاصيل أخباره وقراراته، كما يتضح من مضمون الرسالة أن ما تضمنته من أخبار كلها ثانوية باستثناء الخبر الختام الذي هو مربط الفرس، وهو – فيما يبدو- الحامل الرئيس لما أقبل عليه ولد التقي من عزيمة على ترك “تل”، والمكوث حيث هو في منازل “تلميذته” صفية منت الشيباني.

هكذا يبدو الإيهام أوالإبهام مظهرا بارزا في ظاهرة التراسل هذه، إذ لا نعلم حقيقة صحة أركان هذا التراسل، فربما يشوبه ما يشوب النص الشعري من مجازية وتخييل، مع تفاوت في نماذجه في درجة الواقعية بما يشفع به السياق التاريخي لهذا النص أو ذاك في الذاكرة الشعبية. غير أن هذه الصيغة التراسلية وإن بدت متصبغة بالمجاز والإيهام، إلا أن هذا الإيهام هو نفسه ما يخلع عليها حلة جمالية من نوع خاص بما يحمله من إشارات دلالية يهدف الشاعر من ورائها تارة إلى استعطاف الطرف الآخر (المرسل إليه)، بإظهار المشقة في لقائه وتكبد عناء الوصول إليه ومعرفة أخباره والاستشفاع عنده بحامل رسالته، وتأكيد العهد بطرق غير مباشرة عند تعذر التواصل المباشر، وبذل كافة الأسباب المتاحة لذلك، ومن شأن ذلك أن يحدث مستوى من الركون والتجاوب من طرف المقصود بالرسالة.
وتارة يهدف الأديب من وراء أسلوب التراسل الشعري لإفشاء سر، أو نشر خبر، أو بث معنى، فضحا لغائظ، أو مدحا لمستحق.
ومن هنا تبرز شعرية “التراسل المجازي” القائمة على توظيف خاصية “الرسول والرسالة المجازيين”، ودلالاتها في بناء الصورة الشعرية من خلال توظيف اللامألوف الشعري في ثوب من الطرافة والتماهي مع المتلقي الشعبي.

زر الذهاب إلى الأعلى