سلسلة ظاهرلي ح١/مواطن فقط/ أحمد الوافي

الومضة الأولى :

                

بلادي هواها في لساني وفي فَمي * يمجدُها قلبي ويدعو لها فمي
ولا خيرَ فيمن لا يحبُ بلاده * ولا في حليفِ الحُبِّ إِن لم يتيَّم
الوطن هو المكان الذي نترعرع فيه وهو رحم الأم الثاني والذي لا نحمل له سوى مشاعر الحب والإعزاز
ولذالك اقترن حب الأرض بحب النفس في القرآن الكريم. قال الله عز وجل:(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ)
بل ارتبط في موضع آخر بالدين، قال تعالى:(لَا يَنْهَاكُمْ اللَّه عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ)
ولما كان الخروج من الوطن قاسيًا على النفس فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم فارقوا أوطانهم هجرةً في سبيل الله، وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح: عن عبد الله بن عدي بن حراء قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واقفاًعلى جبال مكة فقال:(إنكِ لخيرُ أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجت)، قال العيني:(ابتلى الله نبيه بفراق الوطن).
ولما علم النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه سيبقى مهاجرًا دعا بتحبيب المدينة إليه كما في الصحيحين وفي (صحيح البخاري): أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته (أي أسرع بها)، قال ابن حجر:(فيها دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه).

ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ * وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
عهدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمة * كنعمةِ قومٍ أصبحُوا في ظلالِكا
وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إِليهمُ * مآربُ قضاها الشبابُ هنالكا
إِذا ذَكَروا أوطانهم ذكرَّتهمُ * عهودَ الصِّبا فيها فَحنُّوا لذاكا

هنا يتضح جليا ما للوطن من مكانة في النفس راسخة وعند الشرع معتبرة وعبر تاريخ الانسان محفوظة
انطلاقا من هذا كله يجب علينا أن نعرف للوطن مكانته وأن نؤدي واجبه وحقه من دفاع وعطاء وخدمة وعمل وبناء وتنظيم ورعاية
ولكن ما يحزّ في النفس ويجرح الفؤاد أنه هو لم يعد يقدِّم ما عليه من حقوق مثل الكرامة والكفاية
والحرية والعدل والصحة إلى آخره.

يتواصل …

زر الذهاب إلى الأعلى