عيد المرأة والاستلاب الحضاري /شيخنا البان

غدا الثلاثاء فاتح مارس؛ الشهر الذي تحتفل المرأة في الثامن منه بما يمسى “عيد المرأة”، ذلك العيد الذي يمكن القول إن تاريخ نشأته يعود إلى عام 1856 حين خرج آلاف النساء للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك على الظروف القاسية، وقد بقي الإعلان عن تخصيص “يوم واحد” كل عام للمرأة حلما يراود المتظاهرات حتى وافقت منظمة الأمم المتحدة عام 1977 على أن يكون يوم 8 مارس من كل عام عيدا للمرأة.

قبل حلول يوم الثامن مارس والاحتفال به هذا العام وبعيدا عن العواطف الحارَّة والمشاعر الجيَّاشة التي لا تصمد أمام الشرع والعقل، علينا أن نراجع أنفسنا لنعرف هل تساءلنا نحن كمسلمين عن الحكم الشرعي من الاحتفال بالأعياد غير الإسلامية مثل عيد الأم وعيد المرأة وعيد الرجل وعيد الحب؟ هل حاولنا أن نطرح بكل تجرد سؤالا من قبيل: هل يعدُّ الاحتفال بمثل هذه الأعياد بدعة صرفة أم أن هناك بعض الأحكام التي تُجيز الاحتفال بها دون حرج أو ذنب؟ أم أن حب تقليد اليهود والنصارى جعلنا ننسى أن هناك قاعدة قرآنية تقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؟؟.

شخصيا ليس عندي جواب شرعي قاطع على حكم الاحتفال بهذه الأعياد الجديدة لأنني لست فقيها، ولكن الذي أراهُ -بعيدا عن ميدان الفتيا طبعا- أنه كان علينا بدل أن نحتفل بيوم عيد المرأة الذي أنشأته نساء الغرب “العاريات” أن نحتفل بأحد الأيام الخالدة التي أنشأتها نساء مؤمنات قانتات، مثل خطيبة وسفيرة النساء أسماء بنت يزيد التي حملت همّ المرأة قبل وجود منظمة الأمم المتحدة، وجاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت بكل اعتزاز ووضوح وتواضع:

“بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجُمَع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل إذا خرج حاجّا أو معتمرا أو مجاهدا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الأجر والخير؟”.
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كلِّه ثم قال: (هل سمعتم مقالة امرأة قَط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟)، فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: (افهمي، أيتها المرأة، وأَعْلِمي مَن خلفك من النساء أنّ حُسْنَ تبعُّلِ المرأة لزوجها وطلَبها مرضاته واتباعَها موافقته يَعْدِل ذلك كلّه).

أين أنت أيتها المرأة المسلمة من هذا الجواب الذي قدمه النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء لتوصله إلى النساء؟ عرفنا أن عيد المرأة ليس من ابتكارات المسلمين بل من ابتكارات اليهود والنصارى، ولكن هل تساءل المحتفلون والمحتفلات بهذا وغيره من الأعياد الجديدة عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (من تشبّه بقوم فهو منهم)؟ هل يرى المحتفلون والمحتفلات بعيد المرأة أن احتجاج نساء الغرب “العاريات” أكثر بركة من احتجاج نساء الرسول صلى الله عليه وسلم “المؤمنات”، هل اعتراف منظمة الأمم المتحدة بحق المرأة أهمُّ من اعتراف الرسول بحقوق المرأة ودعوته إلى تكريمها؟؟

كلما اقترب عيد المرأة قفزت إلى ذهني أسئلة من هذا القبيل، وفي كل مرة يبدو لي أن احتفال المرأة المسلمة بهذا العيد يمثّل دليلا على الاستلاب الحضاري الذي نعيشه منذ فترة ليست قصيرة، ولكنه بالطبع ليس الدليل الوحيد على انصهارنا في الثقافة الغربية وابتعادنا عن ثقافتنا الإسلامية الأصلية الخالدة، بل هناك أدلة كثيرة يصعب حصرها في تدوينة.

برأيكم، لماذا أصبحت المرأة المسلمة تهرب من حُسْنِ التبعُّلِ لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته وتجتهد في إرضاء غرور النسويات الغربيات والعربيات في تعاملها مع زوجها بل مع الدين كله؟ أعتقد أن منظمة الأمم المتحدة حين تقوم بإصدار قانون يدعو إلى ضرورة تبعُّل المرأة لزوجها ستجد النساء المسلمات يتسابقن إلى تطبيق هذا القرار، ليس بسبب وعيهن بمشروعية وضرورة تبعُّل المرأة لزوجها، وإنما بسبب الاستلاب الحضاري وضعف العقيدة وانعدم الشخصية.

نعلم جميعا أن المرأة المسلمة (سواء كانت أما أو أختا أو زوجة أو عمة أو خالة) كُرَّمت من قبل الإسلام قبل 14 قرنا، ونالت من التكريم ما لم تنله أي امرأة في أي حضارة عبر التاريخ البشري، وتتميز المرأة المسلمة عن غيرها بأن تكريمها جاء في دستور لا يقبل التبديل والتحريف (القرآن الكريم) وقد تكفَّل الله بحفظه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، أما غيرها فنالت التكريم من خلال دستور بشري يمكن تغييره بل والعبث به عند انعقاد أول جمعية عمومية للأمم المتحدة “المتناحرة”.

ومع كل هذا، فإن المرأة المسلمة تستحق التكريم كل يوم بل كل لحظة ولا تحتاج إلى “يوم يتيم” من كل عام. أيها الناس، ينبغي أن نسأل أنفسها: هل استحضرنا ونحن نحتفل بعيد المرأة وعيد الرجل وعيد الأم وعيد الحب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)؟ أم أن عقولنا لديها قوة خارقة لتقبُّل كل ما يأتي من اليهود والنصارى ونيسان الأوامر الشرعية وما قام به المسلمون والمسلمات؟

أيها الناس متى نتَّعظ؟ ألا ترون أننا في كل مرة نتعلق فيها بأذيال الغرب ونسير على نهجه التعيس نكتشف أنه يضحك علينا بطريقة صامتة ردحا من الزمن، ثم يخرج فجأة ليبُول على رؤوسنا أمام الملأ ويضحك علينا بصوت عالٍ وبسخرية تدفع إلى الانتحار؟

أيها الناس، ألا ترون أن السبب في كل ما حلَّ بنا من تخلّف يعود إلى وَلَعِنا بالغرب وثقافته المتهافتة وأممه المتناحرة، لقد صدق عمر بن الخطاب حين قال: “نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله”، لقد نسينا قول عمر وأمثاله من الرجال المسلمين الأبطال، وصرنا نجلس جميعا (كبارا وصغارا) ننتظر خطابات العجوز البرتغالي أنطونيو غوتيريس الأمين العام لـ “الأمم القَلِقَة – المنتاحرة” .

مرة أخرى، لماذا لا نأخذ من نضال خطيبة النساء أسماء ومثيلاتها نموذجا نحتفل به ونقدمه للعالم؟ هل استحضرنا هذا الأمر مرة واحدة أم أن بوصلة عقولنا تتجه نحو النماذج الغربية “العارية” وليس النماذج الإسلامية “الفاضلة”؟

زر الذهاب إلى الأعلى