الدكتور العثماني يكتب: بين الصحة النفسية والطب النفسي

يخلط كثير من الناس بين الصحة النفسية والطب النفسي، ويعتبرونهما شيئا واحدا، وفي كثير من الأحيان يربطون هذا الأخير بعلاج بعض الاضطرابات النفسية الشديدة، لكن الصحيح أن المفهومين متداخلان وبينهما العديد من الفروق. فيمكن أن يكون الفرد خاليا من المرض النفسي، لكنه ليس بصحة نفسية جيدة عندما تكون عنده صعوبات في مواجهة تحديات حياته، فيكثر عنده الارتباك والقلق والإحباط مثلا، بينما يمكن أن يصاب الإنسان بمرض نفسي، ويكون ذا صحة نفسية جيدة، إذا سلك أساليب العلاج أو التحكم في المرض المعني، وتفاعل مع وضعه بما يكسبه الرضا والسعادة.
إن الصحة النفسية – على غرار الصحة العضوية – أوسع وأشمل إذ يدخل فيها أساسا: توفير الشروط النفسية بمستوياتها الثلاثة: المعرفية/العقلية والوجدانية/العاطفية والسلوكية/العملية، وكيف يستفيد الفرد من حياته ليحقق أهدافه التي يصبو إليها، ويستمتع بحياته في مستوى معقول من الرضى والسعادة، مع معالجة العوائق النفسية التي تشوش – قليلا أو كثيرا- على التحقق بمعايير الصحة النفسية.
ويسلك المختصون في مجال الصحة النفسية أساسا سبل الوقاية ووضع الاستراتيجيات والبرامج الصحية العامة التي تقي الناس من المعاناة النفسية وتجنبهم التعرض لمضاعفتها، وهذه البرامج تهم كل جوانب النشاط البشري، فتهتم بالصحة العضوية وبنمط حياة الفرد وظروف عيشه المدعمة للصحة النفسية، كما تهتم بطرق تكوينه من طفولته إلى شيخوخته. ومن الأمثلة على ذلك التدخل لخفض تأثيرات الضجيج على الصحة النفسية، وتوفير أجواء مساعدة لممارسات الرياضات الجماعية، وتقديم المشورة النفسية للأزواج والآباء، وتحسين ظروف العمل للوقاية مثلا من الإجهاد فيه، وتطوير سياسات الإسكان بالاهتمام بالحدائق والمساحات الواسعة والهواء النقي، وغيرها من الإجراءات التي تزيد من حظوظ أكبر عدد من الناس في التمتع بمستوى أحسن من الصحة النفسية.

أما الطب النفسي فهو فرع من فروع الطب، يهتم بفهم الاضطرابات النفسية وتصنيفها وتشخيصها وعلاجها والوقاية منها، وهذه الاضطرابات النفسية أنواع، فمنها الاضطرابات الشديدة ومنها الاضطرابات المتوسطة ومنها البسيطة. والخفيفة.
والاضطراب النفسي هو حالة تتميز بتغيرات في الجوانب العقلية والوجدانية والسلوكية للفرد، مما يربك نشاطه ويسبب لديه الضيق النفسي.
وقد وضعت المنظمات المختصة- على غرار الأمراض العضوية المختلفة- تصنيفا للأمراض التي يمكن تشخيصها على أنها مرض أو اضطراب نفسي، وذلك مثل اضطرابات القلق والرهاب والوسواس القهري والاكتئاب والفصام والهوس والذهان الحاد وغيرها كثير.
والتصنيفات المعتمدة حاليا اثنان هما: التصنيف الدولي للأمراض، من خلال تصنيف الاضطرابات النفسية والسلوكية الصادر عن منظمة الصحة العالمية،والموجز التشخيصي والإحصائي للإضرابات النفسية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي.
ومن المفيد، الوقوف عند الفوارق التي تميز بين الطبيب النفسي والمختص في علم النفس والمعالج النفسي، وهي تخصصات تسبب نوعا من الخلط لدى العديد من الناس، فالطبيب النفسي فهو أولا وقبل كل شيء طبيب، تلقى التكوين الذي يتلقاه كل طبيب عام، ثم تخصص في تشخيص وعلاج الأمراض والاضطرابات النفسية والوقاية منها، وقد يكون الطبيب النفسي تلقى تكوينا لتقديم بعض أنواع العلاج النفسي دون بعض، لكنه الوحيد المؤهل- على غرار سائر الأطباء- في وصف العلاج الدوائي، وقد يلجأ إلى إرسال المصاب بالاضطراب النفسي إلى معالج متخصص في نوع معين من العلاج النفسي تستلزمه حالته.

وأما المختص في علم النفس، فهو شخص تلقى تكوينه النظري في علم النفس، ويمكنه أن يسهم من زاوية تخصصه في فروع متعددة من النشاط البشري مثل مجالات التربية والإعلام والسياسة والتسويق وغيرها، ويمكنه أن يتلقى تكوينا في العلاج النفسي، وأن يسهم بالتالي في مجالات تشخيص الاضطرابات النفسية وعلاجها والوقاية منها.
أما المعالج النفسي فقد يكون مختصا نفسيا وهو الغالب، وقد لا يكون وغالبا ما يتخصص في نوع من العلاج النفسي مثل العلاج المعرفي السلوكي أو التحليل النفسي أو العلاج الجماعي أو غيرها. ويقوم المختص المعالج النفسي أيضا بالتدخل على مستويات متعددة إذا كانت حالة الفرد المعني تستدعي ذلك،فيمكن أن يتدخل على مستوى الأسرة إذا كانت ديناميكية العلاقات بين أفرادها تحتاج إلى تغييرات تستدعيها حالة طفل يعيش معاناة أو اضطرابا، وقد يكون التدخل على مستوى بيئة العمل، فيدرس تأثيراتها على الفرد الذي يعيش معاناة نفسية، وينصح بالتغييرات الضرورية لوضعيته وظروف عمله.

نقلا عن موقع هوية بريس

زر الذهاب إلى الأعلى