الخطاب الدعوي: الإشكالات والتحديات2/2/ شيخنا سيد الحاج

ويشمل أيضا هذا الخطاب ثانيا الأسلوب اللفظي الذي يجب أن تبلغ به الدعوة وتقدم به من خلال المنبر الذي يعلوه الخطيب فيتكلم للناس ويدعوهم إلى الخير، أو من خلال وسيلة الإعلام التي يجلس فيها الخطيب فيكلم الناس في أمور الدعوة أو من خلال الدرس في المجلس العلمي وما إلى ذلك.
وهناك جملة من الضوابط ينبغي أن تحكم وتوجه الخطاب الدعوي وعلى الداعية أن يستحضرها، ومن هذه الضوابط:

  1. أن يستحضر الداعية في خطابه ما يدعو إليه من هذا الدين وخصوصا ماله صلة بالفهم الكلي، ونقصد بذلك أن ينطلق من خصائص هذا الدين العامة التي تسهل الاستيعاب والفهم حتى يكون المدعو فاهما أو حتى يهيأ للمدعو مقدارا من الفهم الكلي لهذا الإسلام ويتجنب مساوئ الفهم الجزئي للدين.
  2. أن ينطلق من الخصائص العامة التي تميز هذا الدين من ربانية وشمولية ووسطية ومن توازن ومرونة واعتدال وعالمية. فالخصائص العامة من الأهمية بمكان وعلى الداعية أن يستحضرها في خطابه وأن تكون توجيهاته ونصائحه وما يقدمه وما يعرضه منطلق من هذه الكليات، وبهذا يتجنب مساوئ الجزئية لأنه إذا كان ينطلق من المعنى الكلي لهذا الإسلام ومن المقاصد الكلية له فهذا مما يساعد المدعو أن يفهم الدين على حقيقته، على أنه دين كامل وشامل وعالمي ومتوازن، وأنه دين وسطي مرن.
  3. أن ينطلق الداعية في خطابه من محبة الخير للناس والشفقة عليهم وأن يستحضر أن مهمته كمهمة الطبيب المعالج الذي تأخذه الشفقة على المريض فيسعى لبذل ما يستطيع من جهد من أجل معالجة هذا المريض ومن أجل التخفيف من آلامه ومن أجل أن يدرأ عنه ما يحيط به من مخاطر ومن أمور قد تهدد حياته.
    فالداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يكون متصفا بالشفقة والرحمة كما وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم))، ((فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا))، ((لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مومنين)) هذه الشفقة هي التي تجعل الداعية إلى الله تعالى يبذل جهده أن يحول بين الناس وبين ما يحذرونه، من غضب الله وعقوبته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف نفسه وأنه آخذ بحجز الناس يحول بينهم وبين غضب الله تعالى وبين عقوبته، والناس يتقحمون فى النار والنبي صلى الله عليه وسلم آخذ بحجزهم يمنعهم ويكفهم ويدفعهم عنها.
  4. أن يؤسس الداعية دعوته وخطابه على العلم، فيعلم أن الجانب التعليمي من الدعوة له أهميته، فالدعوة أشمل من التعليم لكن أهم أساليب الدعوة وأهم ما تنجح فيه الدعوة أن تكون بأسلوب علمي بمعنى أن يلقن للمدعوين أمور الإسلام وأمور الدين وأحكامه، وأن تشتمل الدعوة في محتواها على مضمون علمي للمدعوين، فيحفظونه ويفهمونه ويستوعبونه ويحملونه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “بلغوا عنى ولو آية “، “فل يبلغ الشاهد منكم الغائب إلى يوم القيامة “، “نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها”. وإذا كانت الدعوة قائمة على التعليم معنى ذلك أن المعتمد فيها هو المرجع القوي الصحيح؛ مرجع الوحي، مرجع الكتاب والسنة، وهذا هو أهم ما تقدم فيه الدعوة محتوى ومضمونا ومادة، وذلك بأن تربط بالكتاب والسنة وبالآية والحديث.
  5. ومن خصائص الخطاب الدعوى أن يتدرج الداعية في تقديم المحتوى الدعوي وأن يعتمد أسلوبا يمكن من ترتيب الأولويات وأن يعلم أنه لابد من أن يكون هناك تدرج لأن الدين نزل بالتدرج وطبق بالتدرج، فالدعوة كذلك ينبغي أن يتدرج فيها وأن يعلم أنه حين يخاطب بيئة علمية فإنه يخاطبها بأسلوب يختلف عن خطابه في بيئة يقل فيها العلم، كذلك يعلم أن بيئة تكثر فيها الاستقامة والالتزام فإنه يتبغى أن يختلف خطابه لها عن خطابه لبيئة أخرى يشيع فيها التفريط والتضييع وما إلى ذلك.
    فلابد من ترتيب الأولويات بأن يبدأ بالأهم ثم المهم، كما بينه منهج النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أصحابه يبلغوا هذا الدين؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: “إنك تأتي قوما أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مُرْهم بالصلاة ثم مُرْهم بالزكاة”.
  6. التفريق بين الثوابت والمتغيرات من أمور الدعوة ومضامينها ومحتوياتها، فالداعية وهو يقدم المحتوى الدعوي لابد أن ينتبه إلى أن الإسلام له ثوابت ومتغيرات، منه ما هو وحي منزل معصوم ومنه ما هو من قبيل الاجتهادات والآراء التي تحمل الصواب والخطأ وهى قابلة للتغيير والتجديد، ومنها ما يمكن أن يناقش ويمكن أن يعدل عنه إلى غيره.
  7. التجرد من العواطف والأهواء، فعلى الداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يعلم أنه لابد أن يتجرد من الأهواء والعواطف، فحين يقدم الخطاب الدعوي يقدمه بإخلاص، فالإخلاص لله سبحانه وتعالى هو أهم شرط في قبول العمل وتحقق المقصود من العمل وبلوغ غايتهـ فمن يدعو إلى الله تعالى إنما يدعو ابتغاء وجه الله تعالى رغبة في ثوابه لا يدعو ليمدح ولا ليقدم على غيره، فإن دعا لهذه المقاصد فقد ضاع وخاب “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”، “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو أمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”. فهذه الهجرة وهذا الجهاد وهما أعظم الأعمال، ومع ذلك فإنما لا يقبلان إلا إذا وقعا على أساس من الإخلاص وأساس من التجرد.
    أما ما يتعلق بإشكالات الخطاب الدعوى والتحديات التي يواجهها فلعل أهم ذلك ما ينافي ما ذكر من ضوابط بضدها تتبين الأشياء.
    وعموما فإن أهم إشكال يواجه الدعوة إلى الله تعالى هو اختلال المنهج الدعوي الذي بينه الله تعالى في قوله ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن))، فحين تغيب الحكمة عن الدعوة فهنا يقع الإشكال وهنا يكون التحدي، وحين نضع الشيء في غير محله، ونتخذ نتخذ الأسلوب غير المناسب للمقام الذي نحن فيه والمغاير للظرف الذي نعيش فيه وللعصر الذي نحن فيه فهنا يأتي الإشكال.
    ونقع في الإشكال أيضا:
    _ حين نحدث الناس بما لا يستوعبون وما لا يفهمونه
    حين نخاطب الناس بما لا صلة له بحياتهم وواقعهم حين يحدث الناس بأمور متجاوزة لم يعد لها وجود
    حين نستخدم الوسائل التي فنيت ولم تعد مجدية حين نخلط بين الأساليب والغايات ونخل بالترتيب والأولويات
    حين لا نفهم واقعنا الذي نحن فيه حين لا نفهم واقعنا الذي نحن فيه ويلاحظ الناس ذلك في أسلوبنا ومعطياتنا وفي تصرفاتنا.
    وخلاصة القول إن الداعية إلى الله تعالى عليه أن يدرك أنه يقوم بمهمة نبيلة وأنه مبلغ عن الله تعالى وأنه يقوم بوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما يتطلب وعيا وإدراكا كبيرا للكليات والمقاصد الشرعية والانطلاق من خصائص الدين العامة التي تسهل الاستيعاب والفهم حتى يكون المدعو فاهما ومدركا لمحتوى الخطاب ومضمونه، ويتهيأ له مستوى مقدر من الفهم الكلي لهذا الإسلام ويتجنب مساوئ الفهم الجزئي لهذا الدين، ويعلم أن هذه الدعوة من الدين وهي بذلك تحوز خصائصه الكلية من ربانية وشمولية ووسطية وتوازن ومرونة واعتدال وعالمية.
    والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
زر الذهاب إلى الأعلى