الأسباب الفعلية لانتشار أكل المال العام/المهندس/ سيدأحمد محمد


لقد شهد المجتمع الموريتاني في الثلاثة عقود الماضية بعض الاختلالات أو الانحرافات في القيم الاجتماعية ومفهومها فمثلا انتشار أكل المال العام أمر مقبول اجتماعيا بشكل ما أو يمكن القول أن عدم رفضه كظاهرة محرمة ومجرمة هو نوع من أنواع القبول والموافقة الضمنية على هذا النوع من الجريمة ” وبصراحة يمكن القول أن هذا النوع من السرقة هو الوسيلة الوحيدة والسريعة للحراك الاجتماعي أو ما يعرف بالانتقال من طبقة أو مستوى اجتماعي اقتصادي معين إلى طبقة أخرى أو مستوى اجتماعي اقتصادي آخر” ولذلك أصبح هناك تسابق على الوظائف ذات الميزانيات العالية لمجموعة من الأسباب نذكر منها على سبيل المثال الاستحسان الاجتماعي، الاستقرار الوظيفي وعدم المتابعة القانونية.
أولاً: في ما يخص الاستحسان الاجتماعي والذي يعتبر هدفا أساسيا للاستقرار النفسي لدى الأشخاص وهو مسعى لأفراد المجتمع الطبيعي ومن أهم وسائل الاستقرار النفسي والاجتماعي وقد صنف بعض علماء التربية والتعليم وكذلك علماء النفس التربوي والاجتماعي أن هدف الاستحسان الاجتماعي يرقى للأهداف الأولية مثل الأكل والشرب لذلك يحرص الفرد عادة على حصوله على مكانة اجتماعية مرموقة بين افراد مجتمعه من أقران وزملاء وغير ذلك وهذا المسعى من أهم العوامل الخارجية التي تراقب سلوك الفرد وتوجهه وتبعده عن كسر منظومة القيم التي يتبعها المجتمع مثل العادات و الأعراف والمعتقدات الدينية فالإنسان الطبيعي يشعر بالفخر والارتياح النفسي عند ما يرى أن الآخرين معجبين بما يقوم به وما يتمتع ويتميز به من اخلاق مثل الصدق والأمانة واحترام القيم والمعتقدات الدينية لذلك يظل الإنسان تحت المراقبة الداخلية ” الضمير” وهو ما يعرف بالقوة الداخلية وعند غياب هذا الوازع قد يخرج الفرد على تلك القيم أو القوانين لكن الخوف من القوة الخارجية المتمثلة في السلطات الأمنية ترجعه للصواب وعند الشعور بقوة القوة الخارجية يكون هناك ضبط لأفراد المجتمع الذين يتمتعون بضعف العامل الداخلي ويسود الأمن لكن عند غياب العامل الداخلي وضعف العامل الخارجي يتم الخروج على القيم والمعتقدات وتسود الفوضى لذلك ما يقع من سرقة هو ناتج لقبول المجتمع لها فلوكان هذا النوع من السرقة مصنف أنه سرقة وخيانة من طرف المجتمع لما تمت ممارسته دون استحياء فلو رفض المجتمع هذا النوع من الانحراف لكان ذلك مانعاً لنسبة كبيرة من القيام بهذا السلوك ولو طبق القانون بشكل صارم لخاف الباقي من تلك السلطة الخارجية وعليه يمكن القول أن من أهم اسباب انتشار سرقة المال العام هو تقبل المجتمع وعدم محاسبة افراده محاسبة اجتماعية أخلاقية كما أن هذا القبول منح هذا السلوك المخزي شرعية مما أضعف تطبيق القانون لتجريم مرتكبيه، أخي القارئ الكريم قبل الانزعاج مما قرأته فكر معي كم من أقاربنا وزملائنا وجيراننا نعرف أنهم متورطون في سرقة المال العام دون أدنى شك ومع ذلك نتعامل معهم دون أي رفض أو الابتعاد عنهم على الأقل بل نعتبرهم أشخاص أسوياء مع أننا نعرف أنهم سرقوا وخانوا الأمانة في نفس الوقت ومع ذلك ما زالت علاقتنا معهم مستمرة لأنهم مجرد سارقون والأمر شيء معتاد في ثقافة المجتمع من حولنا ولذلك يتضح أن هذا السلوك والفعل المحرم المخزي أصبح أمرا مقبول من المجتمع ولا يفقد صاحبه أي مكانة اجتماعية لذلك يمكن القول للأسف أن السرقة قيمة اجتماعية لأن القيمة الاجتماعية قد تكون مخالفة للشرع والقانون لكن تستمد قوتها من قبول المجتمع لها بل أن هناك قيم في أماكن معينة تخالف الفطرة البشرية لكن المجتمع يجيزها ويفرض احترامها لذلك أرى أنه في فترة لا حقة سيجرم من يتكلم عن السرقة لأنه لا يحترم قيم واعراف المجتمع وقد يسن قانونا لتجريم من يخرج على استحسانها لأن ذلك خروج على قيم المجتمع للأسف السارق له مكانة اجتماعية مرموقة الكل يتشرف بمقابلته أو مجالسته والكل يتشرف بمصاهرته فلم أسمع أن أحد هؤلاء تم رفضه عند خطبة امرأة أو أن إمراه طلبت الطلاق لأنها متأكدة أن زوجها سارق ومرتشي ولا تريد أن تأكل هي و أطفالها أموالا مشتبه في طهارتها. الحقيقة المؤلمة هي أن السارق في مجتمعنا ينظر له بمفهوم وعقلية أصحاب قارون فقد صور الله تعالى هذه العقلية في قوله تعالى على لسان قوم قارون في صورة لقصص الآية79 “ ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ ۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ”﴾
النقطة الثانية: المشكلة الأكبر هي أن هذا السلوك الإجرامي هو سلوك أساسي للاستقرار الوظيفي، بل عامل من عوامل توريث الوظيفة سواء كانت عسكرية أو مدنية للأبناء فقد تغير مفهوم السرقة من ضار إلى نافع. لذلك المشكلة خطيرة وهي ليست مجرد ظاهرة عابرة بل هي استراتيجية النظم الحاكمة والمتحكمة في الدولة لذلك هي سلوك منظم ومن يخرج عليه يجب أن يخرج من دائرة النظام عامة و والنظام الوظيفي خاصة لان ذلك نوع من الخروج أو المعارضة للنظام ولا أقول النظام هنا للأشخاص الذين يحكمون البلد الآن بل أتكلم عن النظام ككل لأن المشكلة لا تقتصر على تغيير افراد بأفراد المشكلة أعمق لأنها متعلقة بمفهوم المجتمع للأشياء ومن هنا أقول أنه يجب الاعتراف بأن السرقة محرمة وخيانة للأمانة وهي سلوك مخزي ومن يثبت عليه فعله يجب أن يكون في أخفض الدرجات الاجتماعية “منبوذ اجتماعيا من كل أفراد المجتمع”، وللأسف هذا السلوك هو من أقوى الدوافع للاستمرار الوظيفي فمثلا لا يمكن أن يخرج أحد من النظام الوظيفي عند احترام هذه القيمة ” السرقة” فمثلا إذا خرج من الوزارة بفضيحة بكل سهولة يصبح سفيرا أو مدير إدارة حتى يعود وهكذا يستمر الحال وتستمر السرقة، الحقيقة أن هذه المشكلة أو الانحراف الأخلاقي أخذ طابع التراكمية الزمنية لذلك لا يمكن معالجته في وقت وجيز بل إذا وجدت نوايا صادقة لمعالجته وإدراك أنه خلل اجتماعي سيتم ذلك في فترة طويلة لأن التغيير الاجتماعي بصفة عامة يأخذ طبع الاستمرارية.
النقطة الثالثة: الحقيقة ان السرقة حسب النصوص القانونية والمعاهدات الدولية والحقوقية هي جريمة بكل أنواعها وخاصة ما يتعلق بالجزء الخاص بالفساد الإداري والمالي ” سرقة المال” أو استقلال الوظيفة لمصالح شخصية مثل التكسب. وبشكل عام عصى القانون مرفوعة على رأس كل من تسول له نفسه ممارسة هذا الجرم بالسجن ومصادرة الأموال والحرمان من وظيفته وحتى منعه من الحصول على أي وظيفية أخرى مدى الحياة والقانون يسرى على الكل لأن المجتمع يرفض هذا النوع من الجرم لكن نتيجة للانحراف الأخلاقي عندنا فالقانون لا يمكن تطبيقه لأن المجتمع يقبل هذا السلوك وينزل أصحابه منازل الكرماء ولا يستنكر هذا النوع من الجرم، بل يعتبره من سلوكا طبيعيا. لا شك أن السرقة محرمة شرعا بنصوص قرآنية قطعية الدلالة ولا شك كذلك أن خيانة الأمانة محرمة بنصوص قرآنية وأحاديث صحيحة من السنة النبوية فسرقة المال العام هي سرقة من نوع خاص لأن السارق مؤتمن على الأموال المسروقة ولا شك أن القانون يمنع السرقة ويعتبرها جرم ويجب تطبيق العقوبة على صاحبها إذا تمت إدانته والإدانة واضحة على الأقل في أبسط الأمور وهو ظهور الغناء الفحاش بشكل مفاجئ (من أين لك هذا) لكن القانون لا يمكن تطبيقه لأن القانون عبارة عن إفراز اجتماعي اي أنه يتأثر برغبات المجتمع ما يقبله المجتمع يستمد قوته وشرعيته وإن كان غير قانوني أو حتى غير شرعي ويمكن القول أن مجتمعنا اضعف تطبيق القانون في جرم السرقة مع أن النصوص القانونية موجودة ومحددة بشكل دقيق.
في الختام: ألفت الانتباه أن السرقة ليست ظاهرة عابرة ويجب الاعتراف بذلك كما يجب القيام بتوعية عامة في وسائل التواصل لاجتماعي وغيرها من الوسائل التي تنشر الوعي بين أفراد المجتمع ويجب أن يكون التركيز على وضع السرقة في وضعها الطبيعي واظهار أن سرقة المال العام من أخطر أنواع السرقة. إذا تم رفض السرقة من المجتمع ونبذ المجتمع لأصحابها ووضعهم في مكانة اجتماعية مخزية تفقدهم أي تقدير من الآخرين كما يجب أن ينعكس ذلك الخزي والعار على أهليهم وأطفالهم عن طريق التشهير بهم وإسقاط كرامتهم في محيطهم الاجتماعي ومنعهم من الوظيفة العمومية ومصادرة اموالهم وحبسهم وبهذه الأمور ستتقلص النسبة بشكل ملحوظ ودون ذلك ستستمر هذه المشكلة.
أعرف أن كلمة السرقة قد تكون كلمة جارحة عند البعض وأنا والله أكتبها وأستحي من نطقها لكن عزائي في ذلك أنها تكررت في القرآن الكريم لذلك قد يكون ألم نطقها له دلالة في معالجتها كما أني لا أعمم في كل ما قلته فالمجتمع فيه الكثير من الخيرين وهذه سنة الله في خلقه لكن في العلوم الإنسانية إذا انتشرت الظاهرة وتم قبولها يمكن تعميمها لأن التعميم ليس مطلقا في العلوم الإنسانية وأنا هنا مثل المصور الذي ينقل الأحداث بشكل موضوعي دون أي تدخل ذاتي ولا أمزج بين الذاتية والموضوعية أسلط الضوء بموضوعية تامة.

زر الذهاب إلى الأعلى