رحيل سيداتي.. فناء زهرة في أرض الشوك/ أحمد ولد جدو

ربت على كتفي وناداني ورفيقي، وقال بتأثر:” العيل لقد أتى دوركم، فانفثوا بعض الرمل على قبر الفقيد، ففي ذلك أجر كبير”، ورحل تاركا خلفه صديقا يحمل له الكثير من المحبة والود، ويمثل له صورة باهرة لمجتمع ينتمي له ويعرفه وكرس حياته للبحث حوله والكتابة عنه، تركه بعد أن ووري الثرى ودعا له بالرحمة والغفران، وقلت في نفسي، سيحزن عليه بالتأكيد وستهجم عليه ذكرياتهما معا كل حين، لكن الزمن كفيل بطمر كل حزن في أوحال الواقع، فهكذا هي الحياة.. ميلاد وفرح وفقد ورحيل وحزن، ثم ميلاد وهكذا، ونحن مجرد أرقام تضاف في سجلات الازدياد والوفيات.


ذهبت ورفيقي ونثرنا الرمل وكنت أود أن أزهر قبره، لكن أرضنا الشائكة لا أزهار فيها، وإن وجدت فهي نادرة كالفقيد.. نظرت للقبر متأملا المشهد رغم أنني لا أحب لحظات الوداع ولا يروق لي حضور جنائز أهل هذه الأرض لتحولها لكرنفالات للمجاملة البلهاء والاستعراض المستفز، كتعازيهم التي لا ينقصها سوى بنجة لتكون مناسبات للفرح والصخب.
نظرت وتأملت لأنه رجل بمثابة الملحمة، سطر بأنامله أجمل ألحان هذه الأرض، وشدى بصوته أشهى القصائد وأغزرها معنى، وبث قيما تنير درب الإنسان في أرضنا اليباب، وصنع المجد أينما حل، وربى وهذب الأنفس، فصوته يغني المريد عن أوراد شيخه، فلا شيخ يصل لبهاء وسمو ونقاء فنه. فهو سيداتي.
سيداتي النشيد الأول، نشيد الاستقلال السليب والمشوه بمعزوفات فرقة حسب الله، وسيداتي صانع أجمل أصوات هذه الأرض، أقصد ديمي التي جاورها في المقبرة أيضا.
سيداتي الذي عدد خصاله الجميلة يمين هذه الأرض ويسارها، رغم أنهم قد يتفقون من باب المجاملة بل النفاق الاجتماعي، لكنني لمست الصدق هذه المرة، سيداتي الذي يؤسفني أني لم أقابله حتى دفن، فكنت تواقا للسماع منه؛ عنه وعن تصوراته وتجربته.
ورغم ما يعني الرجل، رحل ولن يبقى منه سوى ما ترك من بهاء ليستمتع به آخر ويعطى المعنى للحظات تخص غيره، وسيبقى ذكرى جميلة كصوته العذب وعزفه البهي.


رحم الله سيداتي ولد آبه، وأبقى الجمال الذي زرع في النفوس، فذلك الجمال هو ما ينفع الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى