تعليق على سورة البلد/ الشيخ سيد محمد محمد المختار

كان من نصيب صلاة الفجر اليوم في جامع صلاح الدين قراءة سورة البلد, فتبدّى لي الترابط بين موضوعات السورة , فعلّقت على الترابط بين قوله تعالى : ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ فِي كَبَدٍ ” وبين قوله : ” فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَيكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ (18)
فإذا فسرت ( كبد ) بأنّها الاعتدال واستقامة القامة كان ذلك من باب الابتلاء بالْمِنَحِ, وقد ذكر الله في نفس السورة سلسلة من مِنَحِه : ” أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ” فتكون الآيات أعلاه دعوة إلى شكر نِعَمِ الله شكرا عمليّا برفع المعاناة عن المحاويج من عباده : ( الأرقّاء , اليتامى , المساكين) .
وإذا كان الرقّ بشكله المعروف انتهى بقي نظيره ممثّلا في تقييد الحريات بالسجن لدين , وبالاختطاف من عصابات الجريمة المنظمة؛ فالتخليص من ذلك يدخل في معنى ( فكّ رقبة ) بإعادة حرّيتها المسلوبة إليها, والحريّة هي الملك الحقيق : ” وجعلكم ملوكا ” ( يرجع إلى تدوينة لي عن الحرّية ) .
وإذا فسّرت ( كبد ) بأنّها المعاناة كان ذلك من باب الابتلاء بالْمِحَنِ, وهذه الْمِحَنُ قابلة للاستمرار ابتداء من الحياة الدنيا, مرورا بالبرزخ , وانتهاء بالآخرة مما يضاعف – عياذا بالله – المعاناة, فذكّر الله بجملة من الْمِنَحِ : ( البصر , الكلام , هداية الدلالة ) حتى لا تنسيه قوارع الْمِحَنِ سوابغ الْمِنَحِ.
و لله أن يختبر عباده بالأقدار الحلوة, والأقدار المرّة : ” وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ” .
وعلى التفسير الأخير جاء التذكير بما يخلّص من هذه المعاناة, وبخاصّة في مرحلتي البرزخ والآخرة, فدعاه ربّه إلى رفع المعاناة عن العباد؛ ليرفع عنه نظيرها في الحاضر والمعاد؛ فالجزاء من جنس العمل .
اللهمّ وفّقنا لما ينجينا من عذابك, وارزقنا رحمتك في الدنيا والآخرة.

زر الذهاب إلى الأعلى