لقاءات غزاوني بالمعارضة..كثير من المجاملة قليل من السياسة

نواكشوط – الإصلاح

شكلت لقاءات الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزاوني الأخيرة مع عدد من قادة المعارضة ومرشحيها في الانتخابات الأخيرة فرصة لتلمس حاضر ومستقبل العلاقة بين النظام والمعارضة على ضوء التطورات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الاخيرة وما إذا كان نظام غزواني سيختلف في تعاطيه مع المعارضة عن سلفه  الذي اتسمت علاقته بمعارضيه بمستوى كبير من الشد والجذب وصل حد الازدراء العلني.

في خطاب القسم شدد الرئيس غزواني على أنه سيتبع سياسة تشاور مع المعارضة وعقد لقاءات خلال الأيام الماضية مع  معظم قادتها لكن مضمون هذه اللقاءات أو ما تسرب عنها بالأحرى لم يخرج عن “المجاملات” والتعبير عن “النوايا الطيبة” وكان نصيب السياسة فيه قليل جدا…

الجميع عبر عن تفائله بهذه اللقاءات ـ قادة سياسيين ونشطاءـ غير أن تأثيرها على مستقبل العلاقة بين الطرفين ما زال محل شك وتساؤل.

نائب رئيس البرلمان والقيادي في حزب تواصل شيخاني ولد بيب حذر في تدوينة له على الفيس بوك من خطر الارتهان للحظة الحالية إذ أن ما حدث حتى الآن لا يكفى للاطمئنان على وجود أساس قوي لعلاقة سلسة بين النظام الجديد والمعارضة وربما تكون الأخيرة الخاسر الأبرز من التفاؤل المفرط في الوقت الحالي.

المرشحون السابقون الذين قابلهم غزاوني حتى الآن ولد مولود وولد عبيدي وولد بوبكر عبروا بصيغ مختلفة وإن كانت متقاربة عن “تفاؤل” بالظروف التي جرت فيها اللقاءات وعلقوا آمالا عليها في حل المشكلات التي يعاني منها البلد وفي تحقيق التوافق والحوار.

تشاور لا حوار

الهدف من اللقاءات الرئاسية الحالية كما عبرعن ذلك أكثر من طرف هو التشاور، ذلك أن الرئيس تسلم للتو مهامه وكذلك الحكومة شخصيات في حملة الرئيس عبرت ـ أكثر من مرة ـ عن أنها لا ترى ضرورة لإطلاق حوار جديد ونقل الكلام نفسه عن الرئيس .

من المفهوم أن نظاما جديدا ما زال يتلمس طريقه معني بالهدوء قبل أي شيء آخر ما يعنى أن صيغة التشاور هي الأنسب لهذه المرحلة، بالنسبة لنظام جديد يسعى لتثيبت أركانه، فضلا عن أن أي حوار جديد يعنى اعترافا بوجود أزمة ما يضعف الموقف السياسي للنظام، خاصة أن الأحداث الدامية التي شهدتها موريتانيا عقب الانتخابات الرئاسية يمكن أن تستثمرها المعارضة في حديثها عن ضعف شرعية النظام والفارق بينه وبين منافسيه في النسب و ما يترتب على ذلك من ثمن سياسي سيكون الحوار منصة مناسبة له.

النظام من جانبه لا يرى حاجة لأي حوار سياسي فقد فاز في انتخابات تنافسية حصل فيها تناوب سلمي نادر محليا وإقليميا، ومعارضته مفككة مرتبكة فهو غير معني بأي مبادرة يمكن أن تضعف موقفه كنظام حصل على ثقة غالبية الموريتانيين ولديه ملفات وأولويات اقتصادية وتنموية أكثر أهمية بالنسبة للشارع.

الرئيس ولد الغزاوني كأي رئيس جديد يحتاج وقتا كافيا لتشكيل نظامه الخاص فقد ورث أخطبوطا سياسيا شكله سلفه يعاني الترهل والضعف، تتنازعه الولاءات والصراعات بين مراكز القوى، يحتاج إلى ترتيب أوراقه السياسية وحسم خياراته إما عن طريق تشكيل حزب جديد أو إعادة تشكيل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، ويتوقع أن يكون مؤتمر القادم للحزب حاسما في هذا الصدد وستتضح حينها نوايا الرئيس بشأن التخلص من الحزب او إعادة الاعتبار له بغض النظر عن الصيغة .

وصف الرئيس غزواني مرارا بأنه رجل تسويات لا رجل صراعات وهي مقولة ستكون محل اختبار في علاقته بالأطراف السياسية المعارضة، فقد طرح زعماء المعارضة الذين التقاهم غزواني تسوية قضية رجال الأعمال المقيمين بالخارج مثل ولد بوعماتو وولد الامام الشافعي وغيرهما، ونقل عن الرئيس وعدا بأن هذه القضية قيد الدراسة والتسوية.

خيارات المعارضة

تعيش المعارضة الموريتانية مرحلة بيات سنوي نتيجة اعتبارات كثيرة من أهمها النتائج الضعيفة التي حصلت عليها المعارضة التقليدية في الانتخابات الأخيرة سواء البرلمانية أو الرئاسية فضلا عن الانشقاقات والصراعات الداخلية التي تعصف ببعض أحزابها إضافة إلى غياب رؤية واضحة ومتماسكة في التعاطي مع رئيس جديد جاء عبر انتخابات تنافسية في أول تطبيق لمبدأ التناوب الدستوري في موريتانيا.

شكل تعاطي المعارضة مع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة أزمة حقيقية ما تزالت تأثيراتها تربك المعارضة فقد رفضت النتائج المعلنة واعتبرتها مزورة وتبنت المظاهرات الرافضة لها في البداية قبل أن تتراجع تحت وقع الاضطرابات وأحداث العنف لتي شهدتها موريتانيا بعد الإعلان غير الرسمي عن النتائج .

أزمة التعاطي مع النتائج انعكست على رؤية المعارضة فقد رفضتها إعلاميا وقبلتها سياسيا ما يمثل استمرارا لحالة الارتباك التي اتسم بها تعاطي المعارضة مع الأحداث الكبري خلال العشرية الماضية (الربيع العربي ـ دعوات الحوار ـ  رصاصة اطويلة ـ المأمورية الثالثة…).

ماذا بعد؟

ليس سهلا على أي سياسي أن يرفض التشاور أو الحوار دون مبررات واضحة أو بدائل مقنعة وفي الظرف الحالي لا تتوفر مبررات مقنعة للتعاطى السلبي مع الدعوات التي وجهها الرئيس غزواني للمعارضة ذلك أن النظام الجديد ما يزال يتمتع بمرحلة “سماح”(وفق تعبير الاقتصاديين) تجعل أي تصعيد ضده غير مفهوم ولا مبرر بالنسبة للرأي العام الوطني كما أنه لم يراكم أي أخطاء بعد وتبقى مسألة ربطه بالنظام السابق محل شك وتردد ما يجعل المعارضة الموريتانية مجبرة حاليا على مسايرة مرحلة “التشاور” حتى لو كان مجرد تعبير عن عواطف (لا معنى لها في السياسة)، أو مجاملات (لا يترتب عليها شيء)، ذلك أن الكل يحتاج وقتا لترتيب أوراقه وفي سبيل ذلك الوقت لا بأس ببذل ” الوعود والنيات الطيبة “.

زر الذهاب إلى الأعلى