التعليم في موريتانيا.. مقترحات للإصلاح/ محمد سالم محمدو

لا يتفق الموريتانيون اليوم على شيء اتفاقهم على أن التعليم قد هبط إلى الحضيض، وأن انهياره شمل كل كل مراحله ومساراته، مما يتطلب إعادة البناء من جديد.
وسعيا لأن نتشارك المعلومات الأساسية حول مسار وواقع التعليم وأن نتقاسم أيضا بعض القدرات الاقتراحية في هذا المجال تأتي هذه الورقة

أولا: مراحل التعليم النظامي في موريتانيا
بدأ التعليم النظامي مبكرا في موريتانيا، حيث بدأ افتتاح أولى المدارس سنوات قليلة جدا بعد دخول المستعمر، حيث كانت هنالك مدارس في المذرذرة وكيهيدي سنة 1910، ثم توسعت بعد ذلك المدارس لتصل إلى بوتلميت وأطار وكيفة، وظلت تتوسع باستمرار.
ثم أنشأت فرنسا أيضا مدرسة أبناء الشيوخ في سين لويس السنغالية وكانت تبعث إليها أبناء الزعامات الاجتماعية من مختلف دول غرب إفريقيا.
ولقد عارض الموريتانيون في غالبيتهم التعليم الفرنسي الجديد، الذي بدأ فرنسيا بشكل كامل، قبل أن يتم تطعيمه بعد ذلك بحصص قليلة من اللغة العربية والدين الإسلامي.
ومع بداية الخمسينيات تم إنشاء معهد بوتلميت الإسلامي في محاولة لتحديث المحظرة وبدعم من فرنسا وتأطير منها استطاع المعهد أن يجمع المئات من مختلف مناطق موريتانيا، ومثلوا بعد ذلك النواة الإدارية والتعليمية والسياسية للدولة الناشئة.

التعليم بعد الاستقلال
واصل التعليم الموريتاني بعد الاستقلال بذات النفس الفرنكفوني، حيث كانت أغلبية المواد المدرسة مفرنسة بالكامل، قبل أن تبدأ تعديلات متدرجة كانت تسعى إلى الاستعراب الشامل للتعليم في البلاد، ويمكن استعراض ذلك عبر مسار إصلاحات التعليم.
-إصلاح 1959 : وقد تميز بإضافة أربع ساعات للغة العربية في المستوى الإبتدائي وساعتين غير إلزامتين إلى المستوى الإعدادي، وذلك سعيا إلى استمالة العازفين عن التعليم العمومي.

  • إصلاح 1967 : وقد عرب هذا الإصلاح السنة الأولى بشكل كامل وزاد نصيب اللغة العربية من السنة الثانية إلى الخامسة، لكنه أبقى شهادة ختم الدروس الإعدادية مفرنسة بالكامل، وجاء هذا الإصلاح بعد أزمة 1966 التي كانت من أسبابها السعي إلى التعريب ومن نتائجها أحداث 1966 المؤلمة التي أشعلها بيان 19/19.
  • إصلاح 1973 : كان هذا الإصلاح أولى الخطوات إلى الإزدواجية وذلك بعد اعتماد اللغة العربية لغة رسمية والفرنسية لغة عمل، وقد أنشأ هذا الإصلاح الشعبة العربية التي تمكن الطلاب من الدراسة بها، إلى مستوى الشهادة الإعدادية.
  • إصلاح 1979 : وسع هذا الإصلاح دائرة اللغة العربية حيث أصبحت أغلب المواد مدرسة باللغة العربية، وأنشأ الشعبة الفرنسية لمن شاء الانتقال إليها، وهكذا نشأ بالفعل جيلان متوازيان ومتعاديان إلى حد كبير وتم الانتقال من التمييز بين الشُعب إلى التمييز بين الشَعب.
  • إصلاح 1999- حاول هذا الإصلاح تلافي الخلل الناتج عن مسار الازدواجية فوحد لغة التدريس لتصبح اللغة العربية هي اللغة الجامعة منذ السنة الأولى على أن يتم تدريس اللغة الفرنسية منذ السنة الثانية، وزيادة على قرر الإصلاح الجديد تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية.
    ولا يخفى أن الهاجس اللغوي كان مسيطرا على الإصلاحات المتعاقبة، وأن إصلاح 1999 وإن سعى إلى إنهاء الازوداجية اللغوية المفرقة، إلا أنه أضاف معضلة شديدة دفعت الأجيال ثمنها بسبب ضعف المستويات نتيجة التدريس باللغة الفرنسية التي لا تمثل اللغة الأم لأي من فئات الشعب الموريتاني، وهو ما أدى إلى انهيار شديد في المخرجات بشكل لا يمكن التغاضي عنه.
    ثانيا: أزمات التعليم
    ليست أزمة التعليم محصورة في المقاربات الكبرى التي تمثلها الإصلاحات فحسب ولكن هنالك أزمة تسيير كبيرة وفساد استهدف ضرب التعليم، وهكذا فقد مثلت الفترة ما بين 1978-1992 فترة التأسيس المكثف للانهيار فقد تحول التعليم إلى مملكة خاصة، شهدت أٌقصى درجات الزبونية والظلم، وتحويل خيرات التعليم ووسائله وفرصه ومنحه لصالح ثلة من المتنفذين اجتماعيا وسياسيا
    لقد أسست تلك الفترة لما يمكن أن نسميه الاستقرار في ظل الانهيار،وهو حالة من الهدوء يواكبها سير حثيث نحو الانهيار.
    أزمة التكوين: تحولت مؤسسات التكوين لصالح التعليم في موريتانيا من الريادة في غرب إفريقيا إلى الانهيارالسريع، ولا أدل على ذلك من الانهيار الشديد من وضعية المدرسة العليا للتعليم ومدارس تكوين المعلمين.
    ضعف التعلمات والتدريسية: لدى الطواقم التربوية وقد ظهرت نتائج ضعف التعلمات في الحصيلة الهزيلة للنجاح في المسابقات الوطنية، أما ضعف التدريسية فيظهر بجلاء في رتابة وضعف القدرات التربوية والأكاديمية للمدرسين.
    مشكل اللغة: لا أحد في موريتانيا يطالب بالإحادية اللغوية، ولا شك أن الازدواجية ضرورة، لكن بعد تحديد مستوياتها، وتأسيسها على اللغة الموحدة وهي العربية بالنسبة لموريتانيا، ولا شك أن سيطرة الفرنسية على التعليم وعلى المواد العلمية أنتجت ضعفا وانهيارا مما يتطلب بضرورة تخفيف سيطرة الفرنسية والبحث عن ازدواجية معيارية (العربية بنسبة كبيرة – الإنكليزية – الفرنسية) وإذا كان البعض يدفع بأن الفرنسية لغة مهن وهوية بالنسبة لبعض شرائح موريتانيا فإن من الضرورة التذكير بأن حقوقا كفلتها الفرنسية في 30 سنة لن تعجز العربية عن كفالتها وتطويرها وتعزيزها في مدى زمني مقارب أو أقل من ذلك.
    ضعف الإشراف: يمثل الإشراف لب عملية التعليم، إلا أنه في موريتانيا عديم الجدوائية ذلك أن مدارس التكوين لم تعد تمنح المدرسين الكفايات البيداغوجية اللازمة للانطلاق، كما أن عمل المفتشين قاصر جدا عن منحهم الكفايات المصاحبة أو التطويرية أو تعديل مسارات عملهم.
    الاقتيات من جيل الانهيار: يعيش التعليم وخصوصا الأساسي حالة شديدة من الضعف والاضطراب ومن أبرز أسبابها، انتماء أعداد هائلة من خريجي إصلاح 1999 السيئ الصيت إلى قطاع التعليم الأساسي مما جعل هذا القطاع يقتات على مخرج ضعيف جدا.

    أزمة المنشآت : تعاني منشآت التعليم من انهيار متواصل وخصوصا تلك المشيدة خلال العقدين المنصرمين، وتظهر هذه الـأزمة في حجم الاكتظاظ في التعليمين العمومي والحر.
    أزمة التغطية: يعاني التعليم من ضعف شديد في الكادر البشري الذي لا يغطي الحاجة ويستنزفه التقاعد.
    تثوير الاختلالات الاجتماعية: يظهر التعليم في موريتانيا كل الاختلالات الاجتماعية العنيفة من تمايز عرقي وطبقي ولغوي، رغم أن مهمة التعليم هي المجانسة وصناعة الوحدة الوطنية.

ثالثا: مقترحات تطويرية
يثبت الواقع الحالي أن التعليم العمومي في العاصمة نواكشوط لا يحقق هذا الهدف بل يبرز بشكل كبير أمراض المجتمع وحساسياته الخلافية ويحول التعليم إلى مرآة عاكسة له، ويتطلب هذا الأمر

  1. وضع سياسية تربوية ضابطة تحدد طبيعة المدرسة الموريتانية وأهدافها ولا شك أن هذه السياسة التربوية غائبة وأن النص الدقيق على هذه المسألة لم يتجاوز أسطرا قليلة في رؤية تعليمية صادرة في الستينيات.
  2. تحديد الأهداف الكبرى للعشرية القادمة ومن بينها
    • الهدف العام تطوير التعليم بشكل نوعي
    • الوصول إلى نسبة نجاح لا تقل عن 80%
    • تعميم التعليم وتطويره
    • تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكوادر الفنية النوعية القادرة على التطوير
  3. تصدير التجربة التعليمية ورفع الاهتمام والطلب الإقليمي والدولي على المخرج التعليمي الموريتاني (كوادرا، ومناهج)
  4. السير الممنهج نحو تعميم اللغة العربية وتطوير دراستها، لأن ذلك يستجيب للهوية وللشروط التربوية لتعليم ناجح.
  5. اعتماد نظام النخبة الذكية وهو أقسام خاصة بالطلاب الذين يحصلون على 80-90 % من المعدل السنوي العام ونقلهم إلى نظام تعليمي متطور خاص بهم، مما سيزيد التنافس على التعلم النوعي.
  6. العمل على نشر ثقافة الاستعراب في مناطق الاهتمام بالفرنكفونية، من خلال رفع وتيرة التعليم الديني واللغوي في تلك المناطق.
  7. ترميم المنشآت التعليمية ووضع معايير هندسية موحدة تراعي الخصوصية الموريتانية والشروط التربوية.
  8. توحيد الزي المدرسي للطلاب ما قبل الجامعة، وإلزام الجميع به.
  9. اعتماد التجنيد الإجباري كشرط قبل أداء امتحان الباكلوريا لفترتين لا تقل أي منهما عن شهرين
  10. إنشاء المدرسة المتكاملة والتي تضم سنتين للروضة، ومنها تستمر الحلقات إلى مرحلة الباكلوريا، ومن أبرزها إقامة المختبرات التعليمية الأساسية لتطوير دراسة المواد العلمية، مع ضمان استخدام نفس المدرسة أيضا في برنامج محو الأمية الذي ينبغي أن يعتمد في جزء كبير منه على الأدوار التي يقوم بها طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية
  11. اعتماد دروتين لامتحانات التجاوز إلى الصف الأعلى تضمن الأولى معدل تجاوز لا يقل عن 12/20 وتضمن الأخرى تجاوزا لا يقل عن 10/20 للجميع، وتمكن من إقامة أقسام خاصة بطلاب الدورة الأولى تمكن من توسيع دائرة النخبة، وتحد الثانية من نسب الرسوب.
  12. فرض مسارين للتكوين المهني
    • امتيازي اختياري: يعادل شعبة الرياضيات
    • إلزامي: بالنسبة للطلاب والطالبات الحاصلين على معدلات أقل من 7% ويتم تحويله مع الزمن إلى سوق إنتاج وطني، مع ضمان إيجاد شعبة باكلوريا مهنية خاصة بطلاب هذا التخصص تضمن ولوجهم إلى الوظيفة المناسبة للمتغيرات الاقتصادية في البلد.
  13. اعتماد نظام تعليمي مدرسي للقرآن الكريم يتضمن على الأقل دراسة الطالب ل 20 حزبا من القرآن مع نهاية المرحلة الثانوية
  14. توسيع نظام مدارس الامتياز ليشمل خلال السنوات الثلاث الأولى 40% من طلاب التعليم العمومي.
  15. تحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز تحفيظ للقرآن ومحاظر عصرية خلال العطلة الصيفية.

الباكالوريا

  1. اعتماد نظام جديد للباكلوريا يتضمن مرحليتين في سنتين على الأٌقل تنجز في الأولى 60% من مواد المسابقة، وتركز على المواد الأقل أهمية بالنسبة للتخصص، فيما تخصص السنة الأخيرة للمواد الأساسية.
  2. مراجعة نظام المواد المدرسة في مرحلة ما بعد الإعدادية من أجل ضمان خدمتها للتخصص الحالي أو المستقبلي.
  3. اعتماد وحدتين لشعبة الآداب العصرية (شعبة العلوم الإنسانية والقانون – شعبة اللغات والآداب).
  4. التوجه الحثيث والفعال لتدريس اللغة الإنكليزية والمعلوماتية بشكل كبير في التعليم النظامي.
  5. إنشاء سلك خاص لأساتذة الباكلوريا يضمن التجربة والكفاءة والشهادة ويتطلب الحافز التعليمي
  6. اعتماد نظام الباكلوريا العالية : والتي تتطلب حصول طلابها على 90% من المعدل الكامل، إَضافة إلى معدل تراكمي لا يقل عن 14% في كل سنوات الإعدادية، ويحصل بموجبها طلابها على منح داخلية وخارجية وعلى الانخراط في نظام تعليمي جامعي خاص ومركز ونوعي.

التعليم الحر

  1. احتكار المرحلة الابتدائية للتعليم العمومي والعمل المركز على نوعيتها.
  2. منع الشراكة بين التعليم العمومي والحر في الطواقم التعليمية.
  3. تشديد الشروط المتعلقة بترخيص مدارس حرة جديدة.
  4. إلزام مدرسي التعليم الحر بالانخراط في برنامج تكوين خاص تشرف عليه وزارة التهذيب
  5. وضع نظام قانوني لحماية حقوق مدرسي التعليم الحر.
  6. إلزام المدارس الحرة باعتماد الامتحانات النهائية لوزارة التهذيب والتي ينبغي أن توحدها على مستوى الولايات.

الطاقم البشري

  1. إعادة الاعتبار للطواقم العاملة في حقل التعليم وخصوصا المدرس الميداني، وذلك من خلال رفع الرواتب بشكل تدريجي حتى يصل إلى التساوي مع بعض دول الجوار.
  2. رفع مستوى التكوين وتفعيله بحيث يضمن المخرج النوعي
  3. إعادة هيكلة وتطوير وتفعيل مدارس التكوين (مدارس تكوين المعلمين – المدرسة العليا للتعليم)
  4. إنشاء فرعين جامعيين على الأقل للمدرسة العليا للتعليم في الشمال والشرق.
  5. إنشاء نظام إِشراف تربوي نوعي يشرف عليه المفتشون المهنيون للتعليم.
  6. إنشاء نظام مكافآت وعقاب يتناسب مع الظروف العامة للمدرس وأهداف النهوض الوطني
  7. إنشاء نظام وطني للتبريز في مختلف المواد
  8. إنشاء جائزة رئيس الجمهورية للمدرس المتميز (معلم – أستاذ)
  9. اعتماد حفل وداع سنوي للمتقاعدين.
  10. الاستعانة بالمتقاعدين المتميزين مهنيا، والقادرين صحيا على العمل كأساتذة مساعدين بنظام عمل ومكافآت تناسب الجهود المطلوبة منهم (إٍسناد، خبرة، تعويض، تدريب).

الإعلام التربوي

  1. إنشاء قنوات مهتمة بالتعليم والتربية، تتضمن التعليم والتربية القيمية، والترفيه والمسابقات.
  2. إنشاء الفضاء التعليمي الخاص في كل ولاية مركب تعليمي يتضمن (ملعب كرة قدم، قاعات رياضية متعددة، مكتبة، مكتبة وسائط رقمية، قاعة مسابقات وعروض، فضاء للحوارات)، ويتم الاعتماد على هذه الفضاءات لمحاربة الكراهية والعنصرية وخطاب التطرف وكذلك لتوطيد الوحدة الوطنية.
  3. إنشاء نظام مناظرات وطنية خادمة للتعليم والأهداف الوطنية.

الإشراف الإداري

  1. اعتماد هيكلة جديدة لوزارة التهذيب الوطني تتضمن
  2. ترشيد الموارد، ومواجهة الاكتظاظ على مستوى الطواقم الإدارية.
  3. الإدارة النوعية التي تضمن إسناد المهام للكفاءات التربوية النوعية.
  4. إقامة مجالس وطنية للتعليم على المستوى المحلي (تمثل فيها السلطات الإدارية ومختلف الهيئات المعنية (يتم استصدار مقرر بتنظيمها).
  5. تعزيز التعاون الاستيراتيجي مع قطاعات الشباب، الثقافة، المرأة، الداخلية الشؤون الإسلامية في الإِشراف على ملف التعليم.
زر الذهاب إلى الأعلى