إدارة الاختلاف/ الهادي حافظ

إدارة الاختلاف فن لا يتقنه سوى القلة، وكثيرا ما نسيء إدارته ليتحول من نعمة إلى نقمة، لأسباب عدة منها:
-التصرف باسلوب العقل الجمعي، حيث تنسى أنك فرد وهبك الله عقلا يجب أن يُخضِع الأمور لحواسه ثم يحللها بمعزل عن المؤثرات الخارجية، ويأخذ حذره خاصة مما تسرب منها إلى اللا وعي:
كحب الجماعة أو القبيلة أو الجهة، وكل ذلك من حب الذات( فإن حبك الشيء يعمي ويصم).
فبدل أن يتفاعل المرء مع الأمور بما يمليه عليه عقله ومستواه العلمي، يتصرف بما خرج به العقل الجمعي “لجماعته” من طرح ورؤية!
لتغيب تحت ضوضاء هذا النوع من التفكير البصمة الشخصية للفرد، هذا ما جعل أغلب ما نعيشه اليوم من مشاكل أو غيرها هو أقرب لطرح جماعة من طرحنا كأفراد.

-ومن أسبابه كذلك تقديس قيادات الطرح الذي نؤمن به، بدل عرضهم على الحق.
-ومن أسبابه أيضا اتهام الآخر بالترصد لنا، والعيش في متلازمة “أنا الضحية” أو ما يعرف بلعب دور الضحية.

-كذلك ثقة المرء الزائدة في رؤيته وطرحه وطرح جماعته بدل الخوف من حضور الهوى والنفس وطغيان العاطفة على طرحنا، فنحاسب أنفسنا ونعرضها وأقرب الناس إلينا على الحق:
فكان الفاروق رضي الله عنه وهو من هو يقول لو نودي على الناس جميعا يوم القيامة أن ادخلوا الجنة إلا واحدا، لأيقنت أنه أنا!
تعليما لمن سأتون بعده، وإخبارا لحال سالكي طريق الخير، فأكثر الناس اتباعا للحق هم أكثرهم خوفا وبعدا عن تزكية أنفسهم.
-منها كذلك التعامل مع ثنائية الحب والكره، بقانون “الكل أو لا شيء” فما إن نوافق أحدا في جزئية حتى نحبه فننتقل بفعل ذلك الحب إلى مصاف تقديسه، أو نختلف معه حتى نكرهه فينسينا سبب كرهنا له في جميع مناقبه، فنخلط هنا بين الحب والتقديس:
(وعين الرضا عن كل عيب كليلة..)
ويتجلى هذا النمط من التعامل أكثر في المسائل العامة -في طرح بعضنا أو تصنيفه- مما قسم عوام الأمة إلى جماعات، من وافق واحدة منها في جزئية يعتبر عند نظرائها وافقها في كل شيء، فمثلا من كان مع “قطر” في أزمتها يعتبر مباشرة كأنه بايعها أو بايع تياراتها في كل صغيرة وكبيرة، فحولنا الرؤية الخاصة للفرد في طور بحثه عن الحقيقة من رؤية قابلة للتجزئة إلى دين يجب الأخذ بجميع أشراطه.

-منها بغض المخطئ بدل الخطإ، وهذا عكس ما علمنا القرآن حيث جاء على لسان سيدنا لوط على نبينا وعليه السلام يخاطب قومه:
(إني لعملكم من القالين)
كما كان بعض السلف يقول:
(أكره الخطأ وأحب صاحبه فهو أخي)
وبين بغض المخطئ والخطإ خيط رقيق، يُخشى أن يوقع صاحبه في التعيير المنهي عنه.
قال ابن القيم رحمه الله:
(من عير أخاه بذنب لم يمت حتي يفعله)
-ومنها أيضا عدم احترامنا لقانون التدرج العلمي حين نناقش من لا يزال يعبر عن مستوى علمي تجاوزناه فإذا بنا نريد منه أن يقفز على التسلسل ويقتنع مباشرة بحصيلة ما وصلنا إليه بعد بحث طويل في الموضوع، في حين لو تم التعامل معه برفق وهدوء وشرح له بقايا المعلومة التي تنقصه وإرشاده إلى المصادر، لعُلِم أن الخلاف على الموضوع وليس مع صاحبه.

والسبب الأول وراء كل تلك الأعراض وغيرها هو:
الجــهـل..فالجهل هو الرحم التي يخرج منها التعصب.
فيمكن تصور علاقة قوية بين الخلايا العصبية كنواة للعقل والخلايا العضلية كأداة للتعصب، فكلما ابتلت الأولى بأمطار العلم كلما انعكس ذلك على الأخيرة بالسكينة والهدوء والتصرف بحكمة.

وخاصة التعصب العلمي حيث لا نقرأ إلا لمنهجنا ورؤيتنا الخاصة، وهو ما يساهم في تعصبنا الشديد له لغياب جزء الحقيقة المكمل لما عندنا الذي يوجد في كتب الآخر..
فيقول برهام لنكون:
(هذا الرجل أكرهه لذا علي أن أقرأ عنه)

وقد ربانا القرآن الكريم على عدم غمط المخالف حقه:
(ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا)
فمما يروى عن الفاروق رضي الله عنه أنه إلتقى بالأعرابي الذي قتل أخاه زيدا، وكان الأعرابي هذا قد أسلم بعد ذلك، فقال له الفاروق رضي الله عنه وهو إذ ذاك أميرا، أتعلم أني لا أحبك، فرد الأعرابي:
وهل سيمنعني ذلك حقا من حقوق الإسلام؟
فرد الفاروق رضي الله عنه:
لا. والله!

فحين نتخلص في ذواتنا وكجماعة من أعراض من تلك القبيل سنرى الاختلاف تنوعا وثراء وتكاملا، وليس تعارضا..
وأصل كل جمال اختلاف جعل منه أهله تنوعَ ثراء، وأصل كل شر حين يقرأ الاختلاف على أنه تعارض.

وصلى الله على الحبيب وآله وصحبه وعجل بالفرج عن أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم

زر الذهاب إلى الأعلى