الفايكينغ الحداثي.. تقبيل المصحف من رِجْلِهِ / محمد عبد الله لحبيب

في المرويات الأندلسية أن ملك الفايكينغ “رولف” حاصر باريس لمدة طويلة، والفايكينغ مقاتلون بحريون يهبطون من الدانمارك دوخوا دول الجنوب الأوروبي ولاقى منهم المسلمون في الأندلس عنتاً.
وبعد الحصار قرر ملك فرنسا شارل الأبله، وهو حفيد ووريث شارل المطرقة الذي هزم جيش المسلمين في بلاط الشهداء، أن يتفاوض مع رولف ويقطعه بعض الأراضي في فرنسا، وفي أثناء التفاوض طلب الملك الفرنسي المنهزم من القائد نصف المنتصر أن يُقبل رجله، فقال إني لا أُقبل رجل إنسان أبداً.
قد يأتي حداثوي حزين ليقول بناء على هذه المقولة إن الفايكينغ كانوا يعبدون آلهتهم بتقبيل أرجلها، وإن حفريات صخرية وجدت تدل على أن هذه الشعيرة كانت تقليدا متبعا بين السلالات الملوكية منهم، فقط.
المهم أن الملك المنتصر طلب من أحد أعوانه تقبيل رِجل الملك المنهزم، فأخذ المساعد رجل الملك من عُرقوبه ورفعها فعلَ البيطري الباحث عن نقْب حفا في رِجل البعير، ورفع رِجل الملك وقبلها.
هذا بشكل دقيق جدا هو طريقة الحداثويين وأدعياء التنوير اليوم في تعاملهم مع القرآن، فالقرآن صحيح، ولا مَطعَن فيه بالنسبة لهم لكن وجود الشيء فيه لا يُثبت وجودا تاريخيا لهذا الشيء الموجود في هذا القرآن المقطوع به. إنه تقبيل رِجل المصحف بعد رفعها من عرقوبه، في أخذة فايكينغية متبلدة.
أجَلتُ النظر في سورة الفيل وسورة قريش وعلاقتهما بقصة الفيل كما تروى، وتبين لي أن هذه القصة بالذات لا يمكن أن تٌمسك من رجلها، وتُقبّل ثم تُرمى، لصراحة الألفاظ فيها، ولوجود عناصر يستحيل معها أن يجدي منهج التفكيك غير المتقن الذي تجتره أقلام “سرقة الجهالة”.
العلم المسروق منزوع البركة، فما بالكم بالجهالة المسروقة. إنها مضاعفة “الفظمات”!!
في السورتين الكريمتين المرتبطتين بقصة الفيل عناصر تتأبى على التأويل:
1. الفيل. كلمة لا نعلم لها دلالة في اللغة العربية غير هذا المخلوق الكبير ذي الخرطوم. قد يقول الحداثوي الممتعض من قدر ألقاه في أمة الإسلام دينها، إن الفيل المقصود في الآية كائن خرافي مثل العنقاء، ويستدل بنقوش وجدت على ذيل قرد تفحمت جثته في حرائق الأمازون. هذا لا يمكن أن يعني عاقلا.
2. هذا الفيل نسب إليه القرآن قوما أهلكهم الله لجرم ارتكبوه، أو عدلا منه، أو رحمة.
3. أداة الهلاك، التي أحالت هؤلاء القوم عصفا مأكولا، طير رمتهم بحجارة.
4. قريش. بالنسبة للبشر العاديين هم قوم سكنوا مكة، وبعث الله منهم نبيا، عليه الصلاة والسلام كاملان وافيان، (وليسا صادا استشراقية، مطففة، معصورة عصرا في بحر من الكلام المشكل للدلالة على أنها ليست كسلا عن استيفاء الكلمات، بعد أن نبه مؤمنوا الفضاء الأزرق على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس زميلا في ثانوية تفرغ زينه) كذبوه وقاتلوه، ثم عادوا وأسلموا وصدقوه.
بالنسبة للبشر هناك رجل من هؤلاء القوم اسمه عبد الله كان هو والد هذا الرجل الذي بعث عليه الصلاة والسلام، وأبو ذلك الرجل اسمه عبد المطلب بن هاشم.. وبالنسبة للحداثوي الماقت نفسه، فإنه لا شيء يثبت وجود عبد المطلب، ولا شيء ينفيه، إنه يقف على الحياد!.
أما قريش فقد تكون تحريفا عربيا لكلمة “قرش” الآشورية، وهو حوت ضخم كان يسكن الجزيرة العربية، ويصطاف في الدهناء، بادية بني تميم. دليل هذا الاستنتاج قصة وردت في أحد أفلام “ناشيونال جيوغرافيك” عن وجود حيوان كان يعيش في البرية يشبه سمك القرش، وكان يقتات على عظام الفيلة النافقة في جزيرة العرب.
5. لهذا المجموع الذي اسمه قريش رحلتان، إحداهما في الصيف والأخرى في الشتاء. يعتقد البشر أن هاتين الرحلتين رحلتان تجاريتان هدفهما جلب الميرة لأهل مكة وضيوفهم، وتنمية أموالهم. ويمكن أن يقول الحداثوي إن الرحلتين سياحيتان، بدليل رسوم جرافيتي في كهوف عادية تشبه ما يتركه السياح الإسبان تذكارات لمحبوباتهم، على بعض الجبال التي يزورونها.
6. البيت. هو بالنسبة لأهل الأرض الكعبة المشرفة التي يحج إليها الناس من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام (كاملة غير “مصددة” ولا مطففة) ويمكن أن يقول الحداثوي الآبق إن البيت المقصود هو بناء من القرمد الذهبي عثر على هيكله في قاع البحر الميت مع مصحف غاص عليه محمد أركون قبل عقود، وزعم أنه القرآن الصحيح.
7. هذا الفيل المذكور في القرآن هو الذي وصل إلينا يقينا ارتباطه بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قطعا مولود بمكة. وهذا شيء يمكن أن يتأوله الحداثوي المنحوس ببساطة.. طبعا لا توجد حالة مدنية بمكة، ولا يوجد ما يحتم الربط بين الحدثين، والمعطيات العلمية تشكك في كل هذه الرواية.!! اللهم إني “أُنْقِضُ بهم” الآن!
لنفترض أن رجلا في أرض فلاة عثر على هاتين السورتين مكتوبتين وحدهما في ورقة، ولا يعلم شيئا عن هذه الأحداث، ولا عن القرآن، وقاده الربط والتحليل إلى استنتاج علاقة بين السورتين، معنى، فما الذي سيقول؟
امتن صاحب النص على المذكورين فيه بمنة الإطعام والأمان، وطالبهم بعبادة رب بيت هو مصدر هذا الرزق والأمان، ثم أعقب ذلك بذكر آخرين غضب عليهم، وأهلكهم هذا الرب. وبعد أيام جاءه من روى له الأحداث على الوجه المعروف عندنا، أليس من العقل أن يصدقه، ويعقد بوجاهة الطرح الذي يقول؟ أليس من الرشد افتراض اتساق ما في هذا الكلام؟
هذا ليس ما نحن فيه. هنا فئام من الناس عبر ألف وأربعمائة سنة وتزيد، هل تتصورون؟ أربع عشرة مائة من السنين!، تتوارث هذه القصة ترويها أجيالها لأجيالها مكتوبة ومنطوقة، وطيلة مئات الآلاف من الأيام والليالي لم يأت شيء ذو مصداقية يكذب شيئا من هذه المرويات.
طيلة هذا الزمن الممتد يظهر مدعون، وتروج دعاوى ثم تضمحل، وآلاف مؤلفة من البشر من مختلف الألوان والألسن، ومن أقطار الأرض، يقبلون بعقولهم وقلوبهم على هذه الرسالة يحتضنونها، ويؤمنون بها، ولا تشكيك واحدا ذا مصداقية في كل هذا! حتى إذا شاخ الزمن، ورشدت البشرية أو كادت وكان أساس رشدها وسكينتها أن لهذا الكون ربا، جاءك من يقول: هذا كتب كذا، وقال فيه فلان كذا.. لا لا. اللهم هذا مقام “إنقاض” آخر، وإني فاعل. فافعلوا رحمكم الله.
أخبركم أمرا ليس بالسر. في النسخة الأولى من كتابه “في الشعر الجاهلي” قال طه حسين إن وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام في القرآن “لا يثبت وجودهما تاريخيا”.
ما معنى هذا؟ هذ هو بالضبط تقبيل رجل المصحف على طريقة الفايكينغ؛ القرآن صحيح، وهو منزل من عند الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقصة الفيل فيه، ولكن القصة مجرد شيء يروى لا صحة له.
اشتغلوا بمزوري الأدوية، وشنعوا عليهم في مساجدكم وصفحاتكم، واضغطوا لعقابهم، فإن جزاء الناعقين بُحة، وآلام أوداج.
نحن نؤمن بأن الله أنزل هذا. نعم الله جل جلاله، وأن كلام الله حق، واقع، و”الله ليس أطروحة أيها المقبوحون”!.