الشافعي روى لـ300 شاعر مجنون والذهبي سمع نوادرهم وأخضعهم المعتزلة للدراسة.. مجانين العرب ثوار وأولياء وعاشقون


عبد الله الطحاوي

في الوقت الذي أسس فيه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (ت 95هـ) أول مستشفى في الإسلام كان ضمن خدماته توفير الرعاية لمرضى الصحة النفسية مطلع القرن الثامن الميلادي؛ فإن البلاد الأوروبية لم تعرف أول مستشفى للأمراض النفسية إلا في القرن الخامس عشر، وذلك ببناء أول مأوى للمصابين بالأمراض النفسية في فرنسا على مثال “بيمارستان قلاوون” الذي بُني بالقاهرة عام 683هـ/ 1284م. ومن المعروف أن العرب لم يهتموا فقط بظاهرة الجنون علاجا ورعاية، بل أيضا كحالة معرفية؛ فقد صمّم العرب نظاما منهجيا في غاية العمق لرصد ظاهرة الجنون، وجمعوا آثار المجانين وأشعارهم ومقولاتهم، وفرّقوا بشكل دقيق بين حالات الجنون التي تصيب العقل بسبب عيب خلقي، وبين ما يعتري النفس من اختلاط وأوهام ووَجْد وعشق غياب واكتئاب.
واتصفوا كذلك بقدر من المرونة والرحابة والتسامح الشديد إزاء تلك الظواهر، في الوقت الذي كانت تنظر فيه ثقافات أخرى إلى المجنون باعتباره وحشا، والجنون بوصفه حاله شيطانية يجب أن تُعزل وتُنفى وتُبعد؛ كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي قدم أهم دراسة عن تاريخ الجنون بالغرب في العصر الكلاسيكي. وفي هذا المقال؛ سنعرض نمطا من الشغف العجيب عند مفكري الإسلام برصد جانب آخر من الحقيقة لا يمكن الإمساك به إلا عندما يصمت العقل.


عقلاء المجانين

لعل أهم ما يمكن أن نطرق به مقاربة المسلمين لظاهرة الجنون ونظرتهم إلى فئة المجانين هو المدخل القرآني؛ فقد وردت كلمة “مجنون” في القرآن 11 مرة، وغالبا ما يكون ذلك وصفا للأنبياء ورد على ألسنة المكذبين برسالاتهم. ويحلل الإمام أبو القاسم بن حبيب النيسابوري (ت 406هـ) -في كتابه ‘عقلاء المجانين‘- سبب رمي الأنبياء بالجنون بقوله “دعت الأممُ الرسلَ مجانين لأنهم شقّوا عصاهم فنابذوهم وأتوا بخلاف ما هم فيه”. وفي الصحيحين وردت كلمة “مجنون” أو “به جنون” 21 مرة.

وأول ما يلفت النظر في نظرة العرب للجنون أو ما يشابهه هو كثرة المترادفات اللغوية للفظة الجنون؛ فقد رصد الباحث المعاصر أحمد الخصوصي في كتابه “الحمق والجنون” غزارة مترادفات الجنون في معجم “لسان العرب”، إذ وصل عددها إلى 80 مفردة، بينما بلغت اشتقاقات الحمق نحو 400 لفظة.

ولعل ذلك ما دفع أبا حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ) لقوله إن “العقل بين أصحابه ذو عرض واسع…، وكذلك الجنون بين أهله ذو عرض واسع”. وواضح أن مفكري المسلمين فطنوا إلى ذلك التوازي بين العقل والجنون، وأنه طالما أن العقل متحرك فإن الجنون سيسايره في الحركة والاتساع.

ويدهشنا أبو الفرَج النديم (ت 384هـ) صاحب ‘الفهرست‘ بتأليف المسلمين المبكر في ظاهرة الجنون والحمق؛ فقد قال إن المؤرخ أبا الحسن المدائني (ت 225هـ) –وهو “العلامة الحافظ الصادق” وفق تعبير الإمام الذهبي (ت 748هـ)- ألّف مصنفا سماه “كتاب الحمقى”، لعله أقدم ما وُضع في هذا الموضوع.

وهناك عدة كتب ألِّفت في رصد ظاهرة الجنون والمجانين ذكرها كل من النديم والنيسابوري، وأكد الأخير سماعه كتبا عاش مؤلفوها في القرن الثالث الهجري وهي مفقودة الآن؛ حيث قال “وكنت في حداثة سني سمعت كتباً في هذا الباب، مثل كتاب الجاحظ (ت 255هـ) وكتاب ابن أبي الدنيا (ت 281 هـ)، وأحمد بن لقمان، وأبي علي سهل بن علي البغدادي”.

ويعني هذا الكلام أن للجاحظ كتابا خاصا بالمجانين الذين ما كان لهم أن يغيبوا عن دائرة رصده واهتمامه، وهو الباحث الولوع بدراسة الظواهر المجتمعية وغرائبها، لكن أثر هذا الكتاب ليس معلوما بدقة، ولا أعلم هل انتبه أحد المهتمين بتراث الرجل لأهمية البحث عن هذا الكتاب لإخراجه للناس، لكن يبدو أن أغلبية مادته موجودة في كتبه المشهورة التي تكتنز الكثير من النوادر والحكايات عن المجانين.

وذكر سبطُ ابن الجوزي (ت 654هـ) في ترجمته لابن أبي الدنيا أنه صنف كتابا بعنوان “حكماء المجانين”، ولعل هذا العنوان محقّقا للقول المتداول بين الناس “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”. لكن ما يلفت النظر أكثر هو أن عنوانا مثل “عقلاء المجانين” اعتلى أغلفة عدد كبير من الكتب التراثية؛ فقد عنْون به أبو بكر ابن أبي الأزهر (ت 325هـ) كتابا في هذا الموضوع، وهناك رسالة مطبوعة بعنوان “عقلاء المجانين والموسوسين” لابن إسماعيل الضرّاب المصري (ت 392هـ).

ورغم أن الضرّاب معاصر للنيسابوري؛ فإن كتاب الأخير المسمى “عقلاء المجانين” يظل أبرز مؤلفات هذا الباب، فهو مكتوب على طريقة المرويات، ويقدمه مؤلفه بقوله: “ألفت هذا الكتاب على غير سمت تلك الكتب ]السابقة عليه[، وهو كتاب يكفي الناظر فيه الترداد وتصفح الكتب، وأرجو أني لم أسبق إلى مثله”.

أما مقولة “عقلاء المجانين” نفسها فقد كانت أشبه بمصطلح جوّال يكتنز محاولة معرفية لجمع شتات أقوال شخصيات تاريخية مسّها طائف من الاضطراب النفسي أو العقلي، فتمّ جمعها وتوثيقها تحسبا ربما لوقت ما يمكن أن يكون فيه مجانين الأمس هم عقلاء اليوم.

ويسهل رصد هذا المصطلح بغزارة في بحور كتب التراجم والتاريخ والأدب؛ ففي ‘تاريخ بغداد‘ للخطيب البغدادي (ت 463هـ) جاء أن العباس بن محمد ابن الضحاك الأشهلي (ت 263هـ) “روى عن أبيه أخبار عقلاء المجانين”، وابن الجوزي (ت 597هـ) بوّب في ‘صفوة الصفوة‘ بعنوان “ومن عقلاء المجانين بالبصرة”. كما أرخ الذهبي لصنف من هؤلاء في كتابه ‘تاريخ الإسلام ووَفيات المشاهير الأعلام‘، فقد قال في ترجمة الحرفوش عبد الله الفاتولة الحلبي (ت 700هـ) إنه “كانت جنازته مشهودة” رغم أن الناس كانوا “يعدّونه من عُقلاء المجانين”!!

عبارة “عقلاء المجانين” اعتلت أغلفة عدد كبير من الكتب التراثية ومن أقدمها رسالة “عقلاء المجانين والموسوسين” لابن الضرّاب المصري (الجزيرة)

الجنون لقاح للعقل
وهناك كتب أخرى تناولت هذه الظاهرة لكن في إطار فئة “الحمقى”، وهي دائرة أوسع من الجنون وإن كانت تتّحد معه في العديد من المظاهر النفسية والعقلية، مثل مؤلفْ الكتنجي ‘كتاب المُلَح والمحمّقين‘ و‘كتاب جامع الحماقات وأصل الرقاعات‘.

لكن يبقى ابن الجوزي حالة مميزة في هذا الباب بكتابه ‘أخبار الحمقى والمغفلين‘؛ إذ أكد لنا الفكرة التي ذكرها التوحيدي بشأن توازي حركة العقل مع حركة الجنون أو الحمق، حيث يقول “إني لما شرعت في جمع أخبار الأذكياء وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالاً يحتذى -لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة- آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين”.

وأفرد ابن الجوزي بابا واسعا لسرد معاني الحمق وصفاتهم وأشكالهم الجسمانية، وفرق بين الحمق والجنون معرفا الأول بأنه “الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود”، أما الجنون فهو “عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعا”. وبالتالي فهو يفرق بين ما هو مرضي مثل الجنون، وما هو ضعف أو اضطراب في التفكير وهو الحمق.

وإلى جانب الكتب المتخصصة في عالم المجانين والحمقى؛ عرفت المكتبة العربية التراثية الكثير من الكتب الأدبية والعامة التي احتوت مئات القصص من حكاياتهم، وفي طليعتها كتب الجاحظ وأبي الفرج الأصفهاني (ت 356هـ) وابن عبد ربه الأندلسي (ت 328هـ) وأبي حيان التوحيدي.

ويبدو أن هؤلاء جميعهم رغبوا -بإيرادهم هذه القصص- في تجاور وتداخل العادي مع المدهش في بعض مؤلفاتهم، يقول الجاحظ “وأحببنا ألا يكون مجموعا في مكان واحد إبقاءً على نشاط القارئ والمستمع”، ولعل الجاحظ استثناء بين هؤلاء لأنه جمع بين المنهجين في التأليف كما رأينا في كتابه الضائع.

وإذا كان ميشيل فوكو رأى العرب متسامحين مع ظاهرة إنسانية كالجنون؛ فإنه لم يفطن ربما إلى أن الأمر يتخطى التسامح والتندر وجمع الفكاهات إلى الموقف المعرفي الفعّال، فهذا التراث الهائل المجموع يكشف في جانب منه عن شق آخر من الحياة العربية وهو خطاب الجنون الذي لم يتم نبذه أو تهميشه أو إخراجه من مجتمعاته، كما حصل في المدن الأوروبية عبر “سُفن الحمقى” الشهيرة في الأدب الغربي.

وإذا حاولنا فهم بعض أسرار تكوين العقل العربي القديم الفذ؛ فسنجد أن من المفاتيح المهمة -التي يجب أن تخضع لعناية الباحثين في التاريخ- حرص قطاع كبير من مختلف طبقات العلماء المسلمين على تكوين ذهني مشحون بالخاطف والغريب من أنماط التفكير، والسعي لاكتسابه من اللغة المتفجرة التي يوردها هؤلاء المغيبون.

فالإمام الشافعي (ت 204هـ) كان أحد أشهر رواة شعر المجانين؛ وقد روى الإمامان المحدثان البيهقي (في ‘مناقب الشافعي‘) والنووي (في ‘تهذيب الأسماء واللغات‘) أن محمد بن عبد الحكم –وكان تلميذا للشافعي- قال: “سمعت الشافعي يقول: أروي لثلاثمئة شاعر مجنون”.

ويلخص ابن عبد ربه وظيفة هذا النوع من الآداب بقوله إنها إذا ما “أصغى إليها السامع وجدها ملهى للسمع، ومرتعا للنظر، وسكنا للروح، ولقاحا للعقل، وسميرا في الوحدة وأنيسا في الوحشة..، وقد يأتي لهؤلاء المجانين كلام نادر محكم لا يسمع بمثله، كما قالوا: ربّ رمية من غير رامٍ”. وقبله رأى الجاحظ أن “الشيء من غير معدنه أغرب…، وكلما كان أعجب كان أبدع. وإنما ذلك كنوادر كلام الصبيان ومُلَح المجانين”.

حوار العقل والجنون
ومن المدهش أمر اهتمام المعتزلة بالمجانين وعناية أئمتهم بجمع نوادرهم وأخبارهم ومحاورتهم، ومبعث العجب هنا أن المعتزلة عُرفوا بالانشغال بالعقل وأحواله وأنماطه انشغالا تاما؛ فما الذي دفعهم للبحث عن نقيض العقل والقفز في فضاءات الجنون؟! فهذا النيسابوري يذكر عن شيخ شيوخ المعتزلة أبي الهذيل العلّاف (ت 235هـ) أنه نزل بأحد الأديرة وناظر أحد المجانين المقيمين فيه، وبعد أن سأله المجنون عدة أسئلة عرفه من نمط حجاجه فخاطبه قائلا له: “كن أبا الهذيل العلاف”.

وكان الإمام اللغوي أبو العباس المبرد (ت 285هـ) –وهو ممن يوصف بالاعتزال- كثير التردد على دُور ومجالس المجانين، التي أفادنا المستشرق الهولندي رينهارت دوزي (ت 1883م) في كتابه ‘تكملة المعاجم العربية‘ باسم حارس إحداها فسماه “عرفشة”.

وكانت للمبرد مع هؤلاء المجانين مواقفُ وتجارب علمية عجيبة. وقد سأله أحد أصحابه ذات مرة قائلا: “يا أبا العباس بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى المخيِّس (مكان حجز)، وإلى موضع المجانين والمعالجين فما معناك في ذلك؟ قال فقلت: إن فيهم طرائف من الكلام”!

كما يحدثنا أبو إسحق الكتبي المعروف بالوطواط (ت 718هـ) أن إمام المعتزلة ثمامة بن أشرس (ت 213هـ) قال: “بعثني الرشيد إلى دار المجانين (مستشفاهم) لأصلِح ما فسد من حالهم”، أي أنه كان يعتني بأوضاعهم بتكليف رسمي من السلطة. وقد روى لنا ثمامة موقفا طريفا جرى له في “مناقشة كلامية” جرت بينه وبين أحدهم في إحدى دُور المجانين.

والحقيقة أن العرب فطنوا مبكرا إلى حضور النبوغ الأدبي والفني في وديان الجنون، وعبارة “الفنون الجنون” قديمة وجدناها عند الزمخشري المعتزلي (ت 539هـ) في المقامة السادسة والخمسين من مقاماته وكانت بعنوان: “الجنون فنون، والفنون جنون”!! وينقل الجاحظ عمن يسميهم “المسجديين” أنهم كانوا يعدون مَن “لم يروِ أشعار المجانين أنه ليس من الرواة”.

وهنا يمكن أن نفهم سر ما قاله النيسابوري “سمعتُ كتبا في هذا الباب” يقصد بذلك أخبار المجانين، وأيضا ما ذكره الإمام الذهبي عن نفسه في ترجمته للنيسابوري هذا من أنه “صاحب كتاب ‘عقلاء المجانين‘ الذي «سمعناه» (= درسناه)”، وقوله في ترجمة كمال الدين بن وريدة الحنبلي (ت 697هـ) المقرئ و”شيخ دار الحديث المستنصريّة” ببغداد إنه سمع “جزء ‘عقلاء المجانين‘ على ابن أبي حرب”.

وأبو يَعْقُوب الْعَطَّار الْبَغْدَادِيّ قال المؤرخ الصفدي إنه “جمع كتابا في عقلاء المجانين وحدّث به بطرسوس…، ورواه عنه أبو عمرو” ابن حكيم المدني الأصبهاني (تلميذ للإمام ابن ماجه صاحب السُّنن المتوفى 273هـ).

فإذا كان أئمة الحديث من أمثال الذهبي يُسجلون في تراجمهم “سماع” (دراسة) كتب أخبار المجانين والحمقى، ويدرّسونها في أماكن مثل طرسوس السورية التي كانت من ثغور الجهاد والمرابطة، ويؤلفونها بأقلامهم كما نرى للإمام ابن الجوزي وغيره؛ فإن هذا يدل على احتفاء الطبقة العالمة والمثقفة قديما بمثل هذه المواضيع ومصنفاتها، وأنهم لم يكونوا يعتبرونها من قبيل العبث. بل إن الذهبي وصف أحد أشهر المحمّقين في القرن الثالث الهجري وهو أبو العبر الهاشمي بأنه “كان من أذكياء العالم”، ولا يستخدم الذهبي وصف “أذكياء العالم” لا لقلة ممن يترجم لهم.

العلماء درّسوا كتب أخبار المجانين والحمقى في حلقاتهم العلمية مما يدل على احتفاء الطبقة العالمة والمثقفة بهذه الظاهرة الإنسانية (الجزيرة)

في الحاجة للجنون
من الأشياء التي تمكن ملاحظتها في تاريخ الجنون والحمق في التراث العربي ظاهرة “التحامق” أو التجانن”، ويمكن إرجاعها إلى عدة أسباب منها التكيف والمسايرة مع سيطرة الجنون وهيمنته على المجال العام في لحظة تاريخية يصبح العقل فيها مهمشا وغريبا، ويمسي التعقل سببا في شقاء صاحبه.

ومن ذلك ما أورده الخطيب البغدادي في ‘الجامع لأخلاق الراوي والسامع‘من أن “عثمان الوراق أنه رأى العتابي الشاعر (ت 220هـ) يأكل الخبز على الطريق بباب الشام ]في بغداد[، فقال له: ويحك، أما تستحي؟ قال: أرأيت لو كنا في دار بقر كنت تستحي وتحتشم أن تأكل وهي تراك؟ قال الوراق: لا. قال: فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر. فقام العتابي، فوعظ وقصّ ودعا؛ حتى كثـُر الزحام عليه، ثم قال لهم: روى لنا غير واحد أنه من بلغ لسانُه أرنبةَ أنفه لم يدخل النار! فما بقي أحد إلا أخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة أنفه ويقدّره يبلغها أم لا. فلما تفرقوا التفت العتابي إلى صاحبه وقال: ألم أخبرك أنهم بقر؟!”.

ويحكي النيسابوري أن أديبا شاعرا كان محروما من الجوائز الشعرية ثم “تحامق وأخذ في الهزل فحسُنت حاله وراج أمره حتى إن الملوك والأشراف أولِعوا به”. ويروي القاضي المؤرخ ابن خلّكان (ت 681هـ) أن صاحبنا أبا العبر الهاشمي يقال إنه “كان في مبدأ أمره صالح الشعر، فرأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع أبي تمام والبحتري وأضرابهما؛ فعدل إلى الحمق وكسب بذلك أضعاف ما كسبه كل شاعر بالجد”.

بل أن أبا العبر نفسه أوضح أنه تلقى تأهيلا علميا في أصول الحماقة لكي يرفع مستوى حظوظه المعاشية والمالية، قال: “كنا نختلف -ونحن أحداث- إلى رجل يعلمنا الهزل؛ فكان يقول: أول ما تريدون قلب الأشياء، فكنا نقول إذا أصبح: كيف أمسيتَ؟ وإذا أمسى: كيف أصبحتَ؟”، ولازم شيخه هذا إلى أن أجازه في “فنون” الحمق وأصوله!

وثمة نمط من التحامق يرمي به أصحابه إلى الإفلات من عقاب السلطة، كما نرى في الحكاية التي رواها ابن الجوزي عن ثمامة بن أشرس أنه قال: “شهدتُ رجلا وقد قدّم خصما إلى أحد الولاة فقال: أصلحك الله، أنا رافضي ناصبي، وخصمي جَهميّ، مُشبِّه مُجسِّم، قَدَريّ، يشتمُ الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على علي بن أبي سفيان، ويلعنُ معاوية بن أبي طالب؛ فقال له الوالي: ما أدري ممّ أتعجبُ؛ من علمك بالأنساب أم من معرفتك الوثيقة بالألقاب! قال: أصلحك الله، والله ما خرجتُ من الكُتَّاب حتى تعلمت هذا كله”!!

لم يعرف المجال العام عند العرب أي نبذ أو إبعاد لطوائف الحمقى والمجانين (مواقع التواصل الاجتماعي)

ظاهرة الجنون الثوري
جاء في كتاب ‘موجز تاريخ الجنون‘ لروي بورت نقلا عن أحد المجانين “نحن المجانين نمتلك حرية التعبير عما يعتمل في أنفسنا فيقول المرء ما يشاء دون أن يسائله أحد”؛ إنه الجنون الثوري الذي يقوم على انتقاد الطغيان ومقاومته لكن على طريقة المجانين، وقد يكون الجنون حقيقيا أو ادعاء للهرب من العقاب؛ حيث يتحصن المعارض الثوري بالجنون لدفع غائلة السلطة.

وكان للوالي الأموي الحجاج الثقفي (ت 95هـ) حكايات مشهورة مع المتحامقين، وتبدو القصة التالية ذات مغزى خاص في فهم كيفية اتخاذ المعارضة السياسية الجنون ضمن آلياتها لرواية الحقيقة المحجوبة، ثم وسيلة للإفلات من تبعات ذلك؛ إذ يحكي النيسابوري أن الحجاج خرج يوما للنزهة فوجد شيخا فسأله: “كيف ترون عمالكم؟ قال: شر عمال، يظلمون الناس ويستحلون أموالهم! قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك ما ولي العراق شر منه، قبحه الله وقبح من استعمله! قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا الحجاج، قال: جعلت فداك! أو تعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا… مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين…؛ فضحك الحجاج منه وأمر له بصِلة (= جائزة)”.

وقد ظهرت في زمن العباسيين شخصيات كثيرة اتسمت بقدر من السلوك الغريب لكي تتسنى لها معارضة السلطة بأمان؛ ففي زمن الخليفة المهدي (ت 169هـ) لمع نجم أحد هؤلاء المجانين الثوريين من رواة الحقيقة الممنوعة، فكان -كما يروي ابن عبد ربه- يركب قصبة في كل جمعة يوميْ الاثنين والخميس، “فإذا ركب في هذين اليومين فليس لمعلم على صبيانه حكم ولا طاعة، فيخرج ويخرج معه الرجال والنساء والصبيان، فيصعد تلًّا وينادي بأعلى صوته: ما فعل النبيون والمرسلون، أليسوا في أعلى عليين؟ فيقولون: نعم. قال: هاتوا أبا بكر الصديق، فأخِذ غلام فأجلِس بين يديه، فيقول: جزاك الله خيراً أبا بكر عن الرعية. فقد عدلت وقمت بالقسط وخلفت محمداً عليه الصلاة والسلام فأحسنت الخلافة، اذهبوا به إلى أعلى عليين”، يفعل ذلك مع كل الخلفاء الرشدين.

ثم يستمر هذا المجنون الثائر في رصد الخلفاء مستعرضا سلاطين بني أمية واحدا واحدا، فيوزعهم بين الجنة والنار حسب ما يقرره هو من عدالتهم مع رعاياهم، وحين يصل إلى زمن العباسيين يسكت “فقيل له: هذا أبو العباس (المهدي) أمير المؤمنين. قال: بلغ أمرنا إلى بني هاشم، ارفعوا حساب هؤلاء جملة واقذفوا بهم في النار جميعاً”!!

نص من كتاب “القانون” لابن سينا الذي كان في طليعة أطباء العالم الذين توصلوا إلى السبب العضوي لظهور بعض أنواع الجنون (مواقع التواصل الاجتماعي)

الجنون والحب والتصوف
عرف العرب في تراثهم ظاهرة المحبّين المجانين، وهم طائفة واسعة لقوم سلب العشق ألبابهم وإن ظلت نفوسهم ترشح بأعذب الشعر وأشجاه. وقد أوردهم النيسابوري ضمن طبقات ‘عقلاء المجانين‘، وأفرد باباً للشاعر قيس بني عامر وجذباته النفسية التي ندّت عن حب ميؤوس منه. فقد وصفه أبو الطيب الوشّاء (ت 325هـ) بأنه “كان لا يعقل عقلا، فإذا ذُكرت ليلى ثاب إليه عقله”.

وقد روى ابن حزم (ت 456هـ) -في رسائله وكتابه ‘طوق الحمامة‘- حكايات عدة عن هذا الصنف من الجنون، ويلفت النظر أن قصصه عنه كانت تخص بعض الطبقات الاجتماعية والعلمية، وأن هذا الداء قد يصيب بعض كبار العلماء؛ فيقول: “حدثني أبو بكر محمد بن بقي الحَجَري، وكان حكيم الطبع عاقلا فهيما، عن رجل من شيوخنا لا يمكن ذكره.. أحبّ ]جارية في بغداد[.. فاختلط عقله وأقام في المارستان (المستشفى) يعاني مدة طويلة”.

وابن حزم في معالجاته لم يكتف بالرصد بل قدّم تحليلا نفسيا عميقا لهذه الظاهرة؛ حيث رأى أن العشق ينتج عن “إدمان الفكر”، وأنه “إذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وتُرك التداوي خرج الأمر عن حد الحب إلى حد الوَلَه والجنون”.

لكن من جانب آخر؛ هناك من التمس من لفيح صحراء العرب حرارةَ العشق، ولكنه وجّهها وجهة أخرى نحو محبوب أسمى، إنه “الحب الإلهي”. ويبدو أن عشق مجنون بني عامر (مجنون ليلى) ألهم مجانين من نوع آخر هم المحبّون للرحمن سبحانه وتعالى، وعلى من يبحث عن ينابيعه الأصلية أن يذهب وراء هؤلاء المجانين الذين عاشوا قديما في صحراء العرب.

فقد باتت أشعار مجنون ليلى وصوره عن “الديار وليلى والجدار” منبع إلهام للمتصوفة عبر القرون؛ إذ استعارها أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) حين كتب عن المشاهدة والتجربة والعشق الذي يتعدى ذات المحبوب إلى أثره، وكذلك حب الله تعالى إذا قوي وغلب على القلب.

ويحكي الإمام إبراهيم السمهودي (ق 10 هـ) عن شيخه شرف الدين المناوي (ت 871هـ) أنه كان “إذا خرج إلى دهليزه ذاهبا للدرس يقف حتى يُخْلص النية ويستحضرها خوفاً من الرياء ثم يخرج؛ وكان كثيرا ما ينشد ]قول مجنون ليلى[: لئن كان هذا الدمع يجري صبابةً ** على غير ليلى فهو دمعٌ مُضيَّع. ثم يبكي بكاءً شديدا”.

فمجانين التصوف المحبون الهائمون المسافرون من أمثال “سعدون المجنون” و”عُليّان المجنون” كلهم كانوا من دراويش المجانين. وقد قال الإمام ابن تيمية (ت 728هـ) عن هذا النمط من الشخصيات: “لهم قلوب فيها تأله وإنابة إلى الله تعالى ومحبة له، وإعراض عن الحياة الدنيا، قد يسمون ‘عقلاء المجانين‘”، وحلّل سبب اختلالهم بأنه لـ”وارد ورد عليه من المحبة أو المخافة أو الحزن أو الفرح حتى انحرف مزاجه”. ورأى أنه لا يجوز الاقتداء بهم إلا فيما يوافق الشريعة.

“سفينة الحمقى” لها حضورها الكبير في الأدب الغربي حيث كانت تحمل المجانين من المدن وتلقي بهم إلى المجهول (مواقع التواصل الاجتماعي)

المجانين بين ثقافتين
وبعد هذه الرحلة الطويلة مع الجنون والمجانين والحمقى في فضاء الثقافة العربية؛ نجدنا أمام مقارنة كتب عنها باقتضاب ميشيل فوكو في كتاب ‘الجنون في العصور الكلاسيكية‘، حين تناول الفروق بين منهج العرب في التعامل مع ظاهرة المجانين وموقف الغرب لاسيما فيما بعد عصور التنوير.

أشاد فوكو -في مواضع من كتابه- بتسامح العرب مع خطابات الجنون، ورأى أنهم شيّدوا في وقت مبكر مستشفيات خاصة بالمجانين في بغداد والقاهرة، وأن هذه المؤسسات العلاجية “كانت تستعمل في العلاج وصفة روحية تستعين بالموسيقى والرقص والفرجة والاستماع إلى حكايات غريبة”، وأن مشافي المجانين انتقلت إلى أوروبا من الأندلس الإسلامية.

وكتب فوكو فصولا عن مآسي الإقصاء والنبذ والتعامل الوحشي مع المجانين في المنطقة الأوروبية، وكيف كانوا يرسلون فيما يسمى “سفن الحمقى” بعيدا عن المدن، بحيث يُلْقَوْنَ في أي أرض. كما تحدث عن زنازين وسجون المستشفيات والبؤس والشقاء والتعذيب، ورصد كيف كان يضاف إلى فئات الحمقى والمجانين الدراويشُ والشحاذون والفقراء والعاطلون، ليقذف بالجميع إلى “عالم الرعب”.

ويُرجِع فوكو سبب تلك اللعنة التي حلت بمجانين الغرب إلى اللحظة التي دخل فيها العالم الغربي دائرة هيمنة العقل المتأله، وكانت نقطة البدء حينما أعلن ديكارت مقولته: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، التي تحولت إلى “أنا أفكر إذن أنا أحتكر الوجود والحياة والمعرفة”، فصار العقلاء والأذكياء وحدهم هم الذين لهم حق الحياة، ولا عزاء للمغفلين.

وهذا أمر لم تعرفه الحضارة العربية التي كانت تؤمن بوجود العقل وكذلك بوجود معارف وحيٍ غيبية فوق العقل، وأن لحظة صمت العقل لا تعني موت الحقيقة كما يقول ابن خلدون (ت 808هـ) بل هي لحظة مهمة لمعرفة جانب مختلف من الحقيقة، وأن ‘عقلاء المجانين‘ هم صنف من البشر فقد نوعا من العقول وهو العقل المعاشي، “وليس من فقد هذه الصّفة بفاقد لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته”.

وهذا المنهج المعرفي العربي المركّب هو أساس التعددية عند العرب، التي منحت شريحة واسعة من المجانين والغائبين حق الحياة وحق الكلام والاعتراض، طبقا لمبدأ ابن خلدون المناقض للصيغة الديكارتية، فالمبدأ العربي الخلدوني يصف المجنون بأنه “موجودُ الحقيقةِ معدومُ العقل التّكليفيّ”.

والحقيقة أن هذا الموقف هو الذي منع ظهور هذا الإقصاء والتوحش والإبادة التي حدثت في الغرب بحق المجانين والمخالفين، ولذلك ظلت هناك مساحة من التجاور والتعايش بين “دار العقل” و”دائرة الجنون”؛ كما يقول الإمام ابن الجوزي.

المصدر : الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى