الثبات خلق المصلحين/ الكوري ولد عبد البركه

((رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ))، قال الألوسي: “أي هب لنا كمال القوة والرسوخ عند المقارعة بحيث لا نتزلزل”، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر”، قال ابن العربي: “أي الدوام على الدين ولزوم الاستقامة عليه”. فالثبات إذن هو التمسك بالحق والاعتصام بحبل الله والاستقامة على شرعه مهما اشتدت الفتن. وقد عرفه الإمام البنا بقوله: “وأريد بالثبات: أن يظل الأخ عاملا مجاهداً في سبيل غايته، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية”.
ومن أسباب الثبات على منهج الحق ثقة الداعية بدعوته: “والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”، والارتباط بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وحفظا وفهما (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، والدعاء الذي هو ملاذ الصالحين وحصن المتقين (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، والارتباط بالصحبة الصالحة ومجالس المصلحين، (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)، وملاك ذلك كله هو استحضار ثمار الثبات اليانعة ومنها النصر ودخول الجنة وكسب ثقة الناس.
فعلى الدعاة المصلحين أن يدركوا أن طريق العبادة والطاعة والدعوة شاقة محفوفة بالمحن والابتلاءات وطويلة لا تنتهي إلا بنهاية الحياة (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، وأن الاستقامة على هذه الطريق والاستمرار فيها يقتضي دفع العوارض ومقاومة الوساوس والمعوقات مهما كثرت، وأن يكون الثبات لهم منهجا وسلوكا وخلقا، وليجعلوا نصب أعينهم دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك”.
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار.