أحسن القصص/ محفوظ إبراهيم فال


{{ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أينكم وتكونوا من بعده قوما صالحين }}

صرح إخوة يوسف بدافع تحركهم ضده إنه أمر واحد قد تضخم في أذهانهم فصار أكبر همهم ومبلغ علمهم
وهو {{ يخل لكم وجه أبيكم }}
[ ] إنكم ستنفردون بحب أبيكم وما يترب عليه من متيازات ضطحين تتخلصون من يوسف وتزيلون شكواكم الذي شكوتموه
{{ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين }}
وبدأ الكيد لتحقيق الهدف المظنون وفي سبيل تضخم الهدف هانت الموبقات التي سترتكب في سبيله وما أكثر ما كبرت صغائر في عقل الإنسان فاستصغر في سبيلها الكبائر فجر على نفسه التبعات والحسرات
إنهم استصغروا ما سيجرون على الأب الحنون العطوف
على ابن بدت عليه معالم النبوغ وأمل فيه يعقوب خلافة سلفه الصالح ورجا له الاجتباء والاصطفاء
{{ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الحديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم }}
هذه الآمال العريضة حولتها غيرة الحسد إلى هموم كظمت يعقوب ردحا من الدهر وملأت حياته حزنا وهما
فياللعقوق
كما دعاهم أيضا هذا الهدف الصغير ان استصغروا في سبيله خطف أخ صغير من حضن اب رحيم ليدخلوه في حلقات من البلاء تطول وتطول فياللقسوة
كل هذا من أجل {{ يخل لكم وجه أبيكم }}
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وما درى القوم انهم سيعززون حب يوسف في قلب يعقوب وان الذي سيخلوا له وجه يعقوب يوسف الذي سعوا إلى إخلائه منه ظنا منهم انهم سينزلون منزلته في القلب والواقع
وان يوسف سيكون الغائب الحاضر في قلب وحياة يعقوب وستفرضه الأحداث عليهم وعلى غيرهم وسيصدمهم يعقوب بعد حين من الدهر بقوله ؛
{{ يأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم }}
إنهم جروا على بيتهم الكريم بيت النبوة والاصطفاء
الوانا من البلاء والعناء
إن منطق {{ يخل لكم وجه أبيكم }}
منطق جر الويلات على الإنسان فردا وجماعة
فكم من قائد بمنطق يخل لي وجه متبوعي جهل وظلم وأفتخر وبطر
وكم من عالم بمنطق يخل لي وجه تصدري وشهرتي نسي الله والدار الآخر فاحتكر وبدل وغير وكم من وجيه بمنطق يخل لي وجه سمعتي ومكانتي صارع وخاصم
وكم من حاكم بمنطق يخل لي وجه شعبي ونفوذي طغاواستكبر وتجبر
وخرب ودمر وأغلق وسجن وضايق وحاصر وخان وظلم
وكم من ذي رحم بمنطق {{ يخل لكم وجه أبيكم }}
قطع الرحم وشتت الشمل
وكم من امرأة بمنطق {{ يخل لكم وجه أبيكم }} ظلمت وجهلت وفرقت وشتت
إنه منطق الجهل والظلم وفد وصف الله الإنسان بقوله ؛
{{ إنه كان ظلوما جهولا 1}}
إن منطق {{ يخل لكم وجه أبيكم }} جهل بحكمة الله في التنوع والتكامل القائم على التفاوت في العطاء
وظلم للقريب للمحسود أيا كان
إن الذي يقتضيه النظر الصحيح ان يعلم
الإنسان ان وظيفته أكبر من طاقته فهو يحتاج إلى من يعينه ويكمله لا من يعاديه ويحاربه يحتاج إلى من يملأ معه الميدان الواسع ويبني معه البنيان الشاسع
فيرحب بوجود اي كمال عند غيره هو إليه محتاج
إنه منطق كليم الله موسى صلوات ربي وسلامه عليه
{{ واخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردا يصدقني إني اخاف أن يكذبون }}
{{ واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا }}
ويابعد ما بين المنطقين منطق {{يخل لكم وجه أبيكم }} ومنطق {{ أشركه في أمري }}
ويابعد ما بين النظرتين نظرة{{ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين }}
ونظرة {{ نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا }}
إن إخلاص موسى لهدفه الكبير ونصحه له انساه خصوصيته _إن صح التعبير –
بل على الأصح ذكره بها حين رحب بمكملها واستشعر ثقل مسؤوليته فبحث لها عن المعين على أداء وظيفته
إنه منطق ينشد الكمال ويرحب به بغض النظر عن مصدره وموقعه {{ هو أفصح مني لسانا }}
ويشعره بحاجته إليه {{ اشدد به أزري }} لا بحرمانه من خصوصيته
إنه منطق جمع الكمال إلى الكمال ووضع اللبنة على اللبنة وضم الجهد إلى الجهد حتى تتراص خصائص البشرو كمالاتهم وتتضافر مواهبهم وطاقاتهم نحو الهدف المنشود الذي خلفهم له الإله المعبود
فتظهر حكمة الله في خلقه وأمره سبحانه وتعالى علوا كبيرا
إنه منطق العلم والحلم بدل الجهل والظلم أهله أهل صدور رحبة وآفاق واسعة وأخلاق جامعة
يؤثرون التآزروالتناصر على التناحر والتدابر والتلاحم والتراحم على التدافع والتزاحم
إنه المنطق التي تأسست عليه الحضارات وارتقت به المجتمعات ورشدت به الطاقات

أما منطق {{يخل لكم وجه أبيكم }}
فسبيل الإقصاء والإخلاء والإفناء تتضخم فيه (( الأنا))
فلسان صاحبه انا من يملك ومن يستطيع ومن يستحق
ينسى فيه الجاهل ضآلة حجمه الصغير في جتب ملك الله الكبير وطاقته المحدودة في عمارة الأرض الممدودة
إنه منطق تطغى فيه المصالح الشخصية لدى الأفراد
والحزبية الضيقة لدى الجماعات والطوائف والأحزاب
والعصبية الجاهلية لدى الشرائح والأعراق
فلا تسأل عما يجر من نكبات وويلات وما يهدر من جهود وطاقات
_ومما حكى الله تعالى عنهم قولهم ؛ {{ وتكونوا من بعده قوما صالحين }} ويحتمل أن يكون مقصد هم صلاح دنياهم واستقامة شأنهم بتفردهم بأبيهم وهو ظن تسوله النفوس المريضة يخالف ما آل إليه أمرهم
ويحتمل صلاح دينهم بالتوبة
وهي توبة معلبة لتبرير الذنب قبل وقوعه خلاف توبة التطهير التي هي أثر الذنب بعده من ندم واسف
واي جهل هذا الذي يحمل على استجلاب الداء اتكالا على توفر الدواء ويخاطر بالعافية الحاصلة أملا في عافية متوقعة
إنها حبائل إبليس التي يقود بها الإنسان إلى المعاصي فيورده موارد الهلكة والعطب باماني السلامة والنجاة
وقديما قيل ؛
ترجواالنجاة ولم تسلك مسالكها إن لسفينة لا تجري على اليبس
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لاحسنها إلا انت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا انت
عليك توكلنا وإليك انبنا وإليك المصير

زر الذهاب إلى الأعلى