مواكبة هندسة المشهد المؤسساتي الجديد في تونس(1)/ عبد الحميد الجلاصي


•مدخل :
-1-بعد شوط انتخابي طويل ومرهق، في حركة النهضة وفي البلاد ،انطلق منذ ماي الماضي نجد أنفسنا امام وضع جديد مختلف .
ونحتاج حوارا واسعا لتقدير عمق المستجدات وطنيا ونهضويا .
ولذلك ارى ان يتجه نقاشنا خلال الأسابيع القادمة الى ثلاثة مسارات (خارطة طريق للحوارات النهضوية ):
المسار الاول :قراءة عميقة لنتائج الانتخابات الرئاسية و التشريعية .
المسار الثاني :استعادة الرزنامة الداخلية للحركة بعد فترة بيات صيفي طويل غلب فيها الجميع الاولوية الوطنية خاصة ونحن على أبواب مؤتمر مفصلي في تاريخنا .
المسار الثالث :الهندسة المؤسساتية والسياسية المناسبة للمرحلة القادمة .
هذا النص يندرج ضمن سلسلة للتفكير الهادي للعمل و سنلاحظ ان المسارات ليست مستقلة ،اذ يتداخل التحليلي التقييمي بآفاق الاستشراف ،كما ان النهضوي و الوطني يتداخلان .
فالنهضة ليست تنظيما مغلقا بمعزل عن الحراك الوطني ، و الرسائل التي وجهت من شعبنا وجهت للنهضة كذلك ،بل ان النهضة قد تلقت رسائل مشابهة حتى من داخلها اثناء الحملة الانتخابية .
بل وجهت رسائل بليغة للتغيير في الانتخابات الداخلية لتصعيد القائمات قبل انتخابات 15سبتمبر الوطنية بثلاثة اشهر مع هذا الفارق النوعي انه لا توجد ( إيزي ) لحماية الصندوق داخل النهضة .

-2-السؤال هو كيف سيتم ترتيب المشهد المؤسساتي :
-البرلمان :رئاسة ومكتبا ورئاسة وتركيبة لجان .
-الحكومة :برنامجا و مكونات ورئاسة وتركيبة وتعاقدات ومنهجية عمل .
-رئاسة الجمهورية في دوائرها وعلاقاتها مع البرلمان و الحكومة .
سنركز على مسار تشكيل الحكومة ،و الموقف الانسب للنهضة من زاوية الأصل و منهجية التعاطي ،وسنجد ان هذا الموقف هو في منطقة تقاطع مع ملفات اخرى .
ولتحديد الموقف الانسب لا مناص من التطرق لمجموعة ملفات :
-الخارطة البرلمانية المكونات و الرهانات .
-اهم خلاصات ودروس و رسائل المسار الانتخابي.
-توقعات الناخبين وأهم تحديات المرحلة القادمة .
-المشاهد الممكنة .
-التفاوض :الاليات و المنهجية
-3-الخارطة البرلمانية :المكونات و الرهانات المُحتملة :
-غابت عن البرلمان الحالي قوى كانت مؤثرة في البرلمان السابق وخاصة نداء تونس والجبهة الشعبية .
-يمكن المجازفة بالقول ان الكتل الانتخابية الكبرى (محافظة /عصرية ) حافظت على أوزانها والتوازن بينها (النهضة والائتلاف والرحمة وبعض المستقلين:نهضة 2011 )/(قلب تونس والدستوري الحر وتحيا تونس و المشروع والبديل والنداء:نداء تونس 2014 ).
-الارجح ان تؤشر نتيجة الجبهة الشعبية والمسار الى نهاية نمط من اليسار لم يقدر على التاقلم مع التطورات الكبرى .النتيجة كانت تكون اقسى عليه مع قانون انتخابي يتضمن عتبة وهو ما تتجه اليه البلاد .وقد يكون الصوت الناخب لليسار التقليدي قد هاجر باتجاه التيار الديموقراطي وحركة الشعب .
من زاوية النظر هذه حصل نوع من اعادة الانتشار داخل كل عائلة بما يدل على حراك فرعي ضمن حراك اوسع واشمل يحتاج الى تحليل مستقل .
ولكن الاهم انه لا توجد منطقة أمان انتخابي تكون حكرا على هذا الحزب او ذاك .انتهت سردية الممثل الشرعي والوحيد للفئة المحافظة او للفئة العصرانية .بل توشك ان تنتهي سردية الاخ الأكبر داخل كل عائلة .بل يمكن طرح السؤال الجذري :هلا يزال مفهوم العائلةيملك القدرة التفسيرية لما يحدث على الارض
-من ناحية العدد والتأثير يمكن ان نعتبر البرلمان فسيفساء مكونة من سبع قوى (النهضة وقلب تونس و التيار الديموقراطي و ائتلاف الكرامة و الدستوري الحر و حركة الشعب و حركة تحيا تونس )والآخرين.
والقوى السبعة نفسها يمكن ان تصنف من حيث القدرة على التاثير :النهضة ثم قلب تونس ثم الخمسةالآخرون .

-4-القوى السبعة :موارد القوة والرهانات .
*حركة النهضة(52مقعدا من ضمنها 23باكبر البقايا ) :
الحزب الوحيد المتبقي من منظومة ما قبل 2011بحكامها ومقاوميها .
والحزب الأقل خسائر من احزاب ما بعد الثورة .
موارد قوته الرئيسة انه تعبيرة سياسية عن حقيقة اجتماعية اسمنتها الملاحم والمحن النضالية المشتركة و الارضيّة الفكرية و القدرة التنظيمية و الثقافة الحركية الاقرب لثقافة الجماعات منها لتعاقدات الاحزاب وقدرته على التاقلم و التكيف .
هذه الخصائص تتعرض الى امتحان الحكم وهي بصدد التحول وهي امام امتحان الهوية بين ان تكون حزبا سياسيا ذي بصمة خاصة وان تكون حزبا سياسيا “عاديا “.
القاعدة الانتخابية للنهضة تتعرض منذ ثماني سنوات الى تقلص مستمر (تهرئة ؟).
ليس عجبا في الوضع الديموقراطي تقلص القاعدة الانتخابية .فالجمهور الناخب متطلب بطبعه وتواق للتغيير، و المعيار لديه هو الانجاز وفق مقاييس معلومة ووفق انطباع .والانطباع في السياسة هو الحقيقة .
والقاعدة الانتخابية في الديموقراطيات تتعرض لما تتعرض له آلة الاكورديون من انبساط و انقباض ولكن الامتحان الذي تعرضت له النهضة في السنوات الاخيرة يتجاوز الحكم على الاداء .انه يطال صورة الحركة او هويتها.
ان اكبر معضلة اعترضت النهضة منذ الثورة هي تلك التي اعترضت كل الحركات المناضلة في انتقالها من فضاء المقاومة و الاحتجاج الى فضاء البناء .كيف توائم بين الاندماج و التغيير ،كيف توائم بين الدولة و الثورة، كيف تكون ثوريا في الدولة و الحكم ،كيف تحافظ على سمتك و مبادئك ووفائك لقاعدته الانتخابية مع كل الإكراهات في بلاد لا تملك الكثير من هوامش التحرك ،وفي سياق إقليمي متأزم وسياق دولي متوجس فاقمه الانتماء الى المرجعية الاسلامية .
ما هو اخطر من تقلص القاعدة الانتخابية هو ان تدل نتائج الانتخابات على حكم من الجسم الناخب الذي “ارسل ” النهضة الى الدولة لتغييرها او التغيير بها فاذا بها تستقر فيها بل ربما خضعت لتأثيرها وفقدت توهجها التغييري و علاقتها بجمهورها الناخب ،دون الحديث عن احتمال انتقال الازمة داخل الحركة نفسها مع وجود فجوة بين النهضة الشعبية و النهضة القيادية .
نتيجة الانتخابات تعتبر في هذا السياق هدية ملغومة ولكنها فرصة اخرى للنهضة كي تتدارك امرها و تصلح حالها و توضح تموقعاتها و تحسن أداءها دون ان تكون بين يديها هوامش كثيرة للتصرف .
هي فرصة للانتباه لمضار الرتابة وسوء احوال البلاد والنَّاس و استئناف التفكير بطريقة مغايرة.

*قلب تونس:(38مقعدا من ضمنها 20 بأكبر البقايا ):هو عرض سياسي جديد من تلك العروض التي حفلت بها تونس خاصة بعد انتخابات 2014.
لكنه عرض لا تتوفر فيه لا مقومات البرنامج و لا الرسالة و لا حتى الحد الأدنى من مقومات التعايش الداخلي .هو هجوم على المواقع تقف خلفه جشع المصالح والأموال وتقوده التموقعات .كيان لا يتوفر على مقومات الاستقرار و الاستمرار الا باستمرار الحضور المادي لصاحبه و استمرار ضخه للأموال للمنتدبين في عالم السياسة .
بعد هزيمة القروي واحتمال خضوعه الى ملاحقات قضائية بلا نهاية ستتعرض كتلته الى نزيف ويبحث اغلب أعضائها على مواطن جديدة بين تحيا تونس والحزب الدستوري و الاستقلالية .
و ستكون تحيا تونس هي الوجهة المفضلة مع سعي الشاهد الى تقوية موقعه التفاوضي
،وحتى في صورة بقائها موحدة لن ترد اي عرض للدخول الى السلطة .فهؤلاء نواب لم يضعوا في حسبانهم المعارضة او البقاء بعيدا عن الحكم .
الاقرب ان تتعامل النهضة مع بعضهم جزءا من كتلة الشاهد او باعتبارهم مستقلين.
*التيار الديموقراطي (22مقعدا من ضمنها 20بأكبر البقايا ):
كيان يستثمر منذ سنوات في صورة الحزب الشبابي النظيف والمبدئي .
استفاد من اخطاء المرزوقي وتردد النهضة وجمود الجبهة الشعبية .
حقق نتائج معقولة خلال الانتخابات المحلية في ماي 2018 .
غامر بموقفه من مشروع قانون المساواة في الميراث فخسر جزء من القاعدة المحافظة و بالمقابل كسب جزءا من قاعدة تحبذ المبدئية وترفض التنازلات لاسباب انتخابية .
واستفاد ايضا من القانون الانتخابي .
تتنازعه تباينات بين شق يدفع الى الدخول للحكومة وآخر يسعى الى مزيد التمايز على النهضة باعتبارها جزءا من “السيستام “استعدادا لانتخابات محتملة سابقة لأوانها .
المقترحات المتنوعة من قياداته (اختيار المعارضة او اشتراط وزارات الداخلية و العدل و الاصلاح الاداري )تندرج في سياق استراتيجية تفاوضية تطلب الاقصى لنيل ما اقل منه ،او في اطار التعجيز لتحميل النهضة مسؤولية عدم الانضمام للحكومة،او في اطار توفير ضمانات النجاح في ملف مقاومة الفساد الذي يعتبره الحزب اصله التجاري ونقطة تميزه وعنوان وجوده .
موقف التيار سيكون محكوما بمآلات هذا الصراع الداخلي وطريقة النهضة في التعامل معه كما سيكون محكوما بأطراف التحالف و انتماء وشخصية رئيس الحكومة و اسماء التركيبة الحكومية .
*ائتلاف الكرامة (21 من ضمنها 20باكبر البقايا ):
ائتلاف لم يصلب عوده بعد وتشقه تباينات التاسيس بخصوص طريقة ادارة هذا التجمع و مأسسته بين عناصر مرت بتجارب تنظيمية سابقة و تعرف مستلزمات العمل المشترك واخرى يغلب عليها التفرد، وبخصوص درجة التسيس ،وبخصوص نوعية العلاقة بألمرجعية الدينية .
عدد من عناصر الائتلاف قد تمثل حرجا على التحالف الحكومي بسبب توترات سابقة مع الاعلام و مع اتحاد الشغل و مع اطراف دولية مؤثرة .
افضل علاقة ممكنة في مرحلة اولى هي الاسناد من الخارج .
ليس واضحا مدى قدرة هذا التجمع على الاستقرار والاستمرار .
*الحزب الدستوري الحر (17مقعدا من ضمنها 14 باكبر البقايا ):
تشكيلة تضم بقايا المتطرفين من المنظومة القديمة .
استفادت في الاسبوع الاخير للحملة الانتخابية التشريعية من التصويت المفيد بعدما برز من فضائح متعلقة بحزب قلب تونس .
بنى وجوده و انتشاره على اساس مناهضة النهضة و بالتالي لا وجود له في الحكومة الا في تركيبة تستثني النهضة .
الرفض للدستوري الحر لا ياتي من النهضة فقط بل من كل اطراف التحالف المحتمل .
*حركة الشعب (16 مقعدا من ضمنها 15باكبر البقايا ):
تجمع عروبي يغلب عليه التوجه الناصري .
استفاد جيدا من النظام الانتخابي .
تشقه تباينات بخصوص التحالف مع النهضة لاسباب كثيرة بعضها متعلق بالخلافات التاريخية بين الإسلاميين و العروبيين و بعضها متعلق بجريمة اغتيال احد قادة التيار ومؤسسيه اثناء حكم الترويكا (محمد البراهمي )؛
امكانية التحالف مع النهضة لها علاقة بالتعامل النهضوي مع هذا الملف و كذلك بانتماء و شخصية رئيس الحكومة و كذلك بالحقائب المسندة .
العروبيون يركزون عادة على حقيبة التربية .
*تحيا تونس (14كلها باكبر البقايا ):
حزب رئيس الحكومة الذي تشكل في مارس الماضي .نتائجه في الرئاسيات كانت مفاجئة و هو الذي وظف موارد الدولة و اشتغل جيدا على الاعلام .
نتائجه في التشريعية كانت متوقعة بعد الهزيمة في الرئاسيات .
يعول على استقطاب جزء من كتلة قلب تونس .
قد يتفرغ الحزب الى بناء ذاته على أسس جديدة استعدادا لانتخابات سابقة لأوانها او للاستحقاقات العادية .
يرجح ان يسعى للتخلص من الوجوه الضالعة في الفساد من المنظومة القديمة كما يسعى الى استقطاب وجوه الوسط الديموقراطي الليبرالي (مهدي جمعة ،افاق تونس بعد استقالة ياسين ابراهيم )و الوسط الاجتماعي (الجمهوري التكتل ).
سيسعى الى استقطاب جزء من كتلة قلب تونس لتحسين موقعه التفاوضي مع النهضة .
تصريحات قياداته حاليا تندرج على الارجح في استراتيجية تفاوضية .
*بقية المشهد البرلماني ( 37كلها باكبر البقايا ):
أ _القائمات الحزبية (26 مقعدا ):
بعضها له موقف حدي من النهضة و التحالف معها و بعضها يمكن ان تتقارب في الموقف و ربما حتى تتآلف مع تحيا تونس و بعضها يمكن ان يساند حكومة ترأسها النهضة .
-ب-القائمات المستقلة (11مقعدا ):
متنوعة في استقرار الموقف و الشخصية ونوعية الارتباطات .

زر الذهاب إلى الأعلى