(آيات) القرآن الكريم/ الدكتور محمد محمود ولد الصديق

(آيات) القرآن الكريم:
الآية في اللغة: العلامة والأَمارة الواضحة ؛ وفي القرآن: غالبا ما ترد بمعنى الحجة والدليل؛ ولذلك سُمي القرآن جميعا (آيات) لأنه في الواقع ليس إلا علامات وبراهين دالة بطريق الإعجاز على وجود الله وصِحةِ ما يُخبِر به؛ فهو (المعجزة) التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لتَأْيِيد ما جاء به، في مقابل المعجزات المادية التي أَيدَ الله بها الأنبياءَ السابقين. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم مُنَوِّها بمكانة القرآن ومُمْتَنا لربه: «ما مِنَ الأنبياء مِنْ نبي إلا قد أُعطِيَ من الآيات (الخوارقِ والمعجزات) ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيتُه وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعا يوم القيامة». (البخاري ومسلم).
ولِلآية في القرآن – حسب سياقها – إِطْلاقات ؛ فمن آياته:

  • الآيةُ بمعنى الفاصلة أو الجزءِ من القرآن، بغض النظر عن مضمونه: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّه). وهذا المعنى هو ما يتبادر عادة عند إطلاق لفظ (الآية).
  • والآيةُ بمعنى الأَمارة والبرهان الكوني الدالِّ على قدرة الله ووجودِه: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ)، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ..).
  • والآيةُ بمعنى القصة المعجزة، والواقعة التاريخية العجيبة، التي فيها عِبرة وبرهان، وحُجة وبيان على وجود الله وقدرتِه وسيطرتِه: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)، (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)، (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا).
    وهذه الأخيرة هي مقصودي بهذا العنوان الذي قد يتبادر منه المعنى الأول ؛ ذلك أن هذه (الآيات) لَفَتت انتباهي من ناحيتين:
  • التعبير عنها بالآية ؛ أي أنّ مِنْ مقاصد ذكرِها وإيرادِها في القرآن الكريم: لتكونَ أَماراتٍ أخرى على وجود من خَلقها وخَرَق بها مألوفَ المخلوقين وعوائدَهم.
  • الناحية الثانية: كثرةُ وجودها وتردُّدها في القرآن الكريم، مما يصح أن يَسْتقِل به بحث (كان في البال إخراجُه)، يَرصُد هذه (الآيات) ويَتَتبّعها في بعديْها التاريخي والإعجازي، ويَكونُ مَدْخلا إلى لونٍ جديد من ألوان الإعجاز القرآني يمكن تسميته بـ (الإعجاز التاريخي).
    ولو لم يكن في هذه (الآيات) إلا جانبُها التاريخي بصفتها وقائعَ تاريخيةً معلومةً في زمانها ومكانِها جَرَت على خلاف معهود البشرية: لَكَفَى ذلك فائدةً وأهميةً لدراستها وتدَبّرها؛ ناهيك عنها – بعد ذلك – آيات ومعجزات دالة بطريق المشاهدة والحس على وجود مُجْريها وقُدرةِ مُقدِّرها.
    ويَتَميز هذا النوع من الآيات – في تجربتي الشخصية على الأقل – بقدرته على تقريب عالم الغيب من عالم الشهادة ؛ فهي تأخذك ذهنيا عبر أحداثٍ ووقائع معلومة، إلى مدبِّرِ ومصرفِ هذه الأحداث التي برؤيتك إياها وعلمِك بها تجعلك كأنك ترى مُدَبّرها . فهي لِمن يريد الله أن يَهديَه خيرُ مُرشد ومعين على مسألة (الإيمان بالغيب) ، وليس العكس.
    فليُشفق المشكِّكون في هذه (الآيات) على أنفسهم ؛ فأيسر لهم – إن شاؤوا – أن يُشكِّكوا في وقائع (وآيات المستقبل)، من التشكيك في (آيات الماضي). وفي كلا الحالين سيمتد بهم التشكيك، لأن القائمة تطول. فليُشكِّكوا مثلا إن شاؤوا في أنّ:
  • اجتماعا كَوْنِيا غَيْبيا انعقد بكيفية مّا، بحضورهم هُمْ وآباؤُهم الأولون وأبناؤُهم الباقون، وأشهدهم الخالق فيه على نفسه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُم ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا).
  • وأن اجتماعا كَوْنيا آخر، جمعهم اللهُ فيه مرةً ثانية مع جميع من في الكون بجماده وأحيائه، وعَرَض عليهم الأمانة، (قبولَ مبدأ المسؤولية والتكليفِ الذي يقتضي مقابلةَ الأفعال بما يناسبها من ثواب وعقاب)، فرفَضَها جميعُ أهل الكون، (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).
  • وأن سفينةً أبحَرت ذات يوم فوق أمواجِ طوفانٍ عاتية، تحمِل (مِنْ كل زَوْجين اثنين)، ولولاها لما كان لجميع الكائنات الحيةِ اليوم وجود.
  • وأن فِتية أحداثا في الزمان القديم فارقوا قومَهم وماهم عليه من الضلال، وفضلوا الإيمان بربهم، والفرارَ بدينهم، فآواهم الله إلى كهف ناموا فيه تسعا وثلاث مائة سنة، ثم استيقظوا وكأنهم لم يناموا سوى يوم أو بعض يوم.
  • وأن البحر الأحمر قد انفلق ضحوةَ يومٍ مشهود 12 فَلْقا، (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ). واستمر على ذلك حتى عَبَر منه بنو إسرائيل عن آخرهم، ثم انطبق على فرعون وجنودِه مِن بعدِهم.
  • وأن جَبلا معروف المكان والزمان، قد أَقلَع يوما من مكانه وسار فوق الأرض كأنه غَمامة أو الظُلّة، ومَنْ في تلك الأرض حينئذ إليه جميعا ينظرون.
  • وأن شعبا كاملا عاش لِفترة من الزمن يَتغذَّى على مائدةٍ تنزل إليه من السماء، حتى – مِنْ بَطَرِه – مَلَّها وطَلَب بدلا منها مائدةً من الأرض (مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)!
  • وأن شعبا كاملا كذلك ظل يتغذى زمنا على لبن ناقة واحدة منحها الله إياه، حتى طغوا وظلموا أنفسهم وعقروها، (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ).
  • وأن امرأة صالحة كذلك كان يأتيها غَداؤها وعَشاؤها من السماء كلَّ يوم، ولما سُئلت من أين لها ذلك؟ (قَالَت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب).
  • وأن قوما قد خرجوا يوما من ديارهم مغاضبين لربهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْت، (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ).
  • وأن رَجلا مقتولا غِيلَةً في واقعةٍ مشهودة، عاد إلى الحياة وشَهِد بمَنْ قَتَله، ثم عاد ميتا.
  • وأن رجلا صالحا آخر أماته الله مائةَ عام، ثم بعثه، وطعامُه وشرابُه الذي مات عنه بجانبه لم يتغير.
  • وأن حوتا ميتا كان زاداً لِمسافرِين، عادت إليه الحياة (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)!!.
  • وأن صبيا رضيعا رَمَتْه أمه في البحر بأمر الله لَمّا خافت عليه، واستمر فيه حتى أسلمه إلى البَر سالما. ثم تَلَطَّف الله به بعد ذلك حتى كان من (أولي العزم من الرسل).
  • وأن طفلا أخر تَقَلّبَ – تحت رعاية الله وتصْرِيفه – مِن غيابات الجُبِّ، ورِقِّ العبودية، وظلامِ السجن.. حتى صار ملكا رسولا، فعَبّر هو عن ذلك تعبير المعترِف الممتن: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). وعَقّب الله جَلّ جلاله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
  • وأن رَجلا نبيا قد عاش زمنا في بطن حوت، حتى قذفه على ساحل البحر، وأرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون.
  • وأن رَجلا نبيا كذلك قد قذفه قومه – قصدَ التخَلّص منه والتنكيلِ به أبشعَ أنواع التنكيل – في نارٍ عظيمة، فجعلَها الله عليه بردا وسلاما، وكان قومُه هم الأخْسرون.
  • وأن رسولا كريما سُخّرت له عوالمُ الجن، ما بين غَوَّاص وبَنّاء.. (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات).
  • وأن نملة قد تحدثت يوما بمنطق عقلي حكيم، في واقعة تاريخيةٍ معلومة، قائلةً ما ترجمتُه: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
  • وأن قرية تاريخية كانت تُقيم على ساحل البحر المَيّت، قد اقتُلعت من مكانها جزاءَ ظلمها وفُحشها، ثم رُفعت حتى صارت بين السماء والأرض، ثم جُعل عاليها سافلَها. وتَتَبّعت الحجارةُ المسوَّمة المحمولةُ من الطيور ما بقي من أفرادها خارجا عن القرية، حتى قَضَت عليهم جميعا.
  • وأن طاغية آخر كان يَحكم اليمن أراد أن يَهدم بيت الله الحرام في مكة، وأَعَدّ لذلك جيشا عظيما؛ فبيتهم الله في الطريق (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)
  • وأن في السماء خَلقا عظيما يَجب الإيمان به يُدعى (الملائكة) تَدَخّل يوما في معركة بشرية معروفة، استجابةً لاستغاثة أحد أطرافها، فحَسَم المعركة لصالحه رغم التباين الشديد في العدد والعُدة.
  • وأنه عبر الزمن وتواريخِ الوقائعِ والفتن: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).
  • وأنه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)، ثم عَرَج به إلى السماء العليا حيث سِدرة الْمُنْتَهَى وجَنة الْمَأْوَى؛ ثم أعاده إلى بلده الحرام في ذات الليلة.
    هذا جانب من الوقائع والأحداث التاريخية الخارقة التي سجلها القرآن، وليس هو وحده مصدرها، (وكفى بالله شهيدا)؛ وإنما كل مصادر البشرية، وما زالت آثار بعضها باقية إلى اليوم، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن بها، ومن شاء فليكفر!!

زر الذهاب إلى الأعلى