ما ذا تبقى من حلم 23 يوليو الثوري؟ الحلقة الأولى بقلم / اكناته ولد النقرة

ما ذا تبقى من حلم 23 يوليو الثوري؟

من يكتب لمن؟

أعتقد أن مبدئي الإنصاف والنزاهة الفكرية يفرضان الاعتراف بأن ما حصل في 23 يوليو 1953 لم يكن حدثا عاديا بمقاييس الزمن السياسي يومها، برغم الانتكاسات العديدة والمجلجلة أحيانا التي اكتنفه في مراحل مختلفة من دورة حياته الطبيعية، وأعترف أنه من الصعوبة بمكان في أجواء الاستقطاب القائم اجتراح طريق ثالث ينحو ولو -نسبيا- نحو المنهج العلمي النقدي في تقييم بعض جوانب تلك التجربة سلبا او ايجابا في مواجهة رأيين حديين متحيزين،بين من يرفع الزعيم جمال عبد الناصر وقد مثل قوة الدفع الأساسية وراء تفجير الثورة، إلى مصاف “الخالدين”، ويعتبر الحدث ذاته بمثابة الميلاد المقدس الثاني للأمة العربية، ومن ثم يصبح مجرد التفكير في النقد او الاستدراك على بعض الممارسات أوالخيارات الخاطئة لتلك القيادة “خيانة قومية عظمى”،وممالئة لقوى الاستعمار والرجعية ما بعدها ممالئة، وبين من لا يرى في تلك الحركة وقيادتها في المحصلة النهائية أكثر من صورة الزنازين والمحاكمات الصورية السريعة،والتنكيل الشديد بالمعارضين أيا تكن مشاربهم،ثم الهزيمة الماحقة في ضربة 67 وما اعقبها من انهيار ادراماتيكي للتجربة بعد الرحيل المفاجئ للزعيم،مدللين على ذلك بسرعة الردة عنها من رفاق درب الزعيم وأقرب المقربين إليه ممن تولوا مقاليد الحكم من بعده.

لقد أضرت تلك النزعة الحدية كثيرا بمصداقية العديد من الكتابات والأعمال التي تصدت لمهمة التأريخ للتاريخ السياسي والثقافي-الفكري للمجال العربي والإسلامي قديما وحديثا،فظل معظمها يراوح أفقيا بين الشخوص والأمكنة،بين تدوين تاريخ سلالي لأسر الحكم والعوائل العابرة (بني أمية،بني العباس،بني عثمان ،بني بويه…)، أو التحقيب بتاريخ الحواضر الكبيرة المرتبطة بهم (حاضرة الأمويين ،حاضرة الرشيد،قاهرة المعز…).

دون أن يكون للمحور الأساسي المحرك لذلك التاريخ الصانع لأمجاده(أعني المجتمع) أي دور يذكر اللهم إلا إشارات عابرة ومعزولة هنا أو هناك (عام الجماعة، حكومة الجماعة بقرطبة، ثورة الزنج).

وقد سحب ذلك الخلل المنهجي العضال طرفه على معظم دراسات وأبحاث كتاب ومؤرخي السلالات الايديولوجية المحدثين عندنا ممن اعتادوا التفكير والكتابة وفق “منطق المطلقات “، ما حدا بمفكر كبير بحجم “الجابري” للإلحاح مشددا على : “وجوب إعادة كتابة تاريخنا بروح نقدية ورؤية عقلانية تاريخانية من أجل إعداد التربة الصالحة الضرورية لاستنبات أسس التقدم والتطور في فكرنا وثقافتنا …انه الشرط الضروري لتدشين عصر تدوين جديد يؤسس المستقبل بما يستجيب لمتطلباته، ويفي بحاجاته”1 .

ولعل اجمل ما في انطلاقة المراحل التحضيرية لتلك الثورة هو أنها لم تكن من تدبير تيار او فصيل سياسي أو إيديولوجي بعينه، حتى يمكن تجييرها لصالح هذا الطرف أو ذاك وإنما أسهم فيها الجميع كل من موقعه ووفق مايحسن، حيث اشترك الجناحان العسكري والمدني لكل من الإخوان المسلمين والشيوعيين، جنبا إلى جنب مع بعض الأحزاب الليبرالية والعروبية كحزب مصر الفتاة، والحزب الوطني الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل (جناح فتحي رضوان)، بالإضافة إلى القوة الأساسية المحركة للثورة أعني تنظيم “الضباط الأحرار” ،في القيام بذلك الحدث الكبير.

القوى الدافعة للثورة:

1-الضباط الأحرار:
تتضارب الروايات حتى بين أعضاء تنظيم الضباط الأحرار انفسهم والدوائر المقربة منه ساعتها حول تاريخ نشأة التنظيم ومن كان المبادر بتأسيسه أولا، فجماعة الإخوان المسلمين تدعي أنها صاحبة السبق في المجال وأن النواة الأولى للتنظيم كانت إخوانية، وأن عبد الناصر نفسه كان عضوا في خلية تنظيمية إخوانية أشرف على تأطيرها الضابط عبد المنعم عبد الرؤوف ،وكان ذلك في مايو 1942، وظلت لهم اليد الطولى في التنظيم وخلاياه حتى حرب: 1948 بفلسطين ، حيث استقل عبد الناصر بقيادة التنظيم بعد العودة من الحرب خشية انكشافه أمنيا، في حين صرح هو نفسه ( أي عبد الناصر ) خلال المقابلة الصحفية التي أجراها معه “دافيد مورجان” مراسل “الصاندي تايمز” البريطانية في :18/6/1961 بأنه “ركز لغاية :1948 على تأليف نواة من الناس الذين بلغ بهم التشاؤم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائه، وكانوا كما صرح جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين …”.
ولعل ذلك لا يتنافى مع تأكيد الضابط وعضو مجلس قيادة الثورة خالد محي الدين “بأن تأسيس التنظيم كان في نهاية العام :1948”.

ويذكر عضو آخر في مجلس قيادة الثورة هو :عبد اللطيف البغدادي أن :”أول اجتماع عقدته الخلية الأولى لتنظيم الضباط الأحرار كان بمنزل عبد الناصر بـ “كوبري القبة” في يوليو: 1949 وحضره إلى جانب ناصر كل من: عبد المنعم عبد الرؤوف، كمال الدين حسين، حسن ابراهبم، خالد محي الدين، وأطلق عليها اسم “اللجنة التأسيسية”، حيث تولى عبد الناصر رئاستها لاحقا ” ، وبحسب خالد محي الدين فإن عبد المنعم عبد الرؤوف خرج من عضوية الهيئة بعد رفضه طلب عبد الناصر قطع صلته التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين، وفشله هو أيضا في إقناع الهيئة التأسيسية بأهمية الإنضواء تحت إمرة الإخوان المسلمين، بحجة قيام الحاجة لظهير مدني قوي يشاطر الضباط تطلعاتهم للتغيير، وهو الشرط الذي لا يستوفيه أي فصيل مدني آخر عدا الجماعة، ولم يمنع ذلك الخلاف قيام التنسيق لاحقا بين الطرفين في المراحل التحضيرية النهائية للإطاحة بالملك فاروق.

أفتقر “تنظيم الضباط الأحرار” إلى التجانس على اختلاف مستوياته القيادية أو القاعدية،

فلم تكن تنتظمهم رؤية إيديولوجية محددة غداة الإطاحة بالملكية، عدا وجود نفس وطني طاغ، وضجر شديد من فساد الطبقة السياسية القائمة، والحاجة الماسة لتغيير الأوضاع، وقد خلا البيان رقم 1 من أي ذكر للثورة، فيما أكد على العمل في ظل الدستور، وظل الاسم الرسمي لحركة الجيش تلك هو: “الحركة المباركة” حتى إلغاء دستور : 1923 وحل الأحزاب في يناير: 1953، لتصبح بعدها تسميتها رسميا هي: ثورة 23 يوليو.

2- اللواء محمد نجيب:

كان دوره حاسما في نجاح الثورة كما قال عضو مجلس قيادة الثورة جمال حماد :”إن الحركة لم تكن لتنجح لولا انضمام محمد نجيب إليها لما كان له من سمعة طيبة في الجيش، ولما كان لمنصبه من أهمية إذ أن باقي الضباط الأحرار كانوا ذووا رتب صغيرة وغير معروفين ” 2.

وقد توثقت الصلة بين عبد الناصر ومحمد نجيب أثناء حرب فلسطين عن طريق عبد الحكيم عامر الذي كان مساعدا لنجيب في الوحدة العسكرية التي تولى قيادتها، وكان الصديق الحميم لناصر، ويذكر نجيب في مذكراته أن عبد الناصر دعاه للإنضمام للتنظيم، وأنه لم يكن من أعضاء لجنته التأسيسية ، كما لم يكن يحضر اجتماعاته، فكانت صلاته به فردية نظرا لحساسية موقعه ومركزه العسكري القيادي فكان كما قال يقابل خمسة ضباط من بينهم ناصر وعبد الحكيم عامر.

لمع نجم اللواء نجيب الذي كان يشغل وقتها منصب مدير سلاح المشاة كثيرا إثر فوزه في انتخابات رئاسة مجلس إدارة “نادي الضباط” بأغلبية ساحقة على مرشح القصر مدير سلاح الحدود اللواء :حسين سري عامر، فكان ذلك الفوز مؤشرا على قوة التنظيم الذي كان يقف خلف دعم اللواء نجيب، واكتسب قوة دفع إضافية بانضمام الأخير إليه وبشكل علني في مواجهة نفوذ مرشح القصر.

والمتتبع لما ألفه بعض رجال الثورة لاحقا من كتب أو دونوه من مذكرات، أو أجروه من أحاديث ومقابلات، لن يجد كبير عناء في التعرف على الخيط الناظم، والقلب النابض الذي تتجمع عنده كل تلك الخيوط وقد تفترق ممسكا بكل أوراق اللعب مع القدرة الفائقة على العبث بها وإعادة ترتيبها عند الاقتضاء، إنه ليس أحدا آخر غير البكباشي جمال عبد الناصر.

3- الإخوان المسلمون:

وقد شكلوا الذراع المدنية الأساسية للتنظيم، إضافة إلى دعم جناحهم العسكري للتنظيم ،وهو الدور الهام الذي نوه به محرر البيان الأول للثورة اللواء جمال حماد عندما قال: “لم يكن هناك للحقيقة والتاريخ أي حزب أو جماعة سياسية في مصر لديه الإمكانيات للتصدي للقوات البريطانية إلى جانب الجيش المصري سوى جماعة الإخوان المسلمين ،فقد كانت وقتئذ قوة شعبية منظمة ومتماسكة، ولديها جماعات عديدة من المتطوعين المدربين والمزودين بالسلاح…”3،
وكان الإخوان القوة المدنية
الوحيدة التي أحيطت علما بموعد الثورة، فقد التقى عبد الناصر بأربعة من قادة الجماعة وهم: صلاح شادي، حسن العشماوي، عبد القادر حلمي، فريد عبد الخالق، وذلك لاستشارتهم بخصوص التعجيل بموعد حركة الجيش بحيث تتم قبل موعدها بيومين “4 . وهي نفس الواقعة التي أكدها اللواء جمال حماد عندما قال: “لم يكن لدى أحد من الأحزاب السياسية أو التنظيمات الوطنية علم مسبق بموعد حركة الجيش المنتظرة سوى قيادة جماعة الإخوان المسلمين، فلقد حرص جمال عبد الناصر على إجراء عدة اتصالات مع بعض قادة الجماعة، وأنبأهم بموعد الحركة، وطلب منهم مؤازرة الجماعة ومساعدتها”5 .
ويقول ريتشارد ميشيل الأستاذ بجامعة ميتشيجان الأمريكية عن ذلك الدور: “لولا المساندة المتحمسة من جانب الإخوان المسلمين لكان محتما أن تلاقي حركة محمد نجيب مصير الحكومات المصرية الستة التي سبقتها في عام :1952، لقد شارك الإخوان مشاركة فعالة في انقلاب نجيب في الصيف الماضي (كان الكتاب وقتها حديث النشر)، وقسط كبير من النجاح الذي صادفه منذ ذلك الوقت يمكن أن ينسب إلى مساندتهم”6 .
ولإظهار تأييدهم ومساندتهم للثورة أصدرت الجماعة بيانا موقعا باسم المرشد، جاء فيه: “في الوقت الذي تستقبل البلاد فيه مرحلة حاسمة من تاريخها بفعل هذه “الحركة المباركة ” التي قام بها جيش مصر العظيم، أهيب بالإخوان المسلمين أن يستشعروا ما يلقي عليهم الوطن من تبعات في إقرار الأمن وإشاعة الطمأنينة … والإخوان بطبيعة دعوتهم خير سند لهذه الحركة يظاهرونها ويشدون أزرها حتى تبلغ مداها من الإصلاح ،وتحقق البلاد ما تصبو إليه من عزة واسعاد، وستجتمع الهيئة التأسيسية(مجلس الشورى لاحقا ) في نهاية هذا الأسبوع بإذن الله لتقرر رأي الإخوان فيما يجب أن تقترن به هذه النهضة المباركة من خطوات الإصلاح الشامل، ليدرك بها الوطن آماله ويستكمل بها مجده “7
وقامت الثورة
نجحت الثورة في الإطاحة بالملك كأجمل ما يكون ومن دون إراقة قطرة دم واحدة، وأرغم الملك على التنازل عن العرش لصالح ولي عهده الصغير: أحمد فؤاد الثاني ذي الأشهر الستة فقط، قبل أن تتوج بإعلان قيام الجمهورية وتنصيب اللواء محمد نجيب رئيسا لها في 18 يونيو : 1953 وبذلك قطعت البلاد وللأبد مع عهود من التبعية والالحاق جثمت على الكيان المصري لقرون، وهي النزعة التحررية التقدمية التي جسدتها أهداف الثورة ممثلة في مبادئها الستة الشهيرة:
1-القضاء على الاستعمار
2-القضاء على الإقطاع
3-القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم
4-إقامة عدالة اجتماعية
5-اقامة جيش وطني
6-إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وستشكل هذه المبادئ الستة إلى جانب كتابي فلسفة الثورة الصادر:1954والميثاق الوطني : 1962 إضافة إلى عشرات الخطب والمقابلات والأحاديث للزعيم الراحل، الأساس الفكري النظري لما سيعرف لاحقا “بالناصرية”.

-يتواصل-

اكناتة ولد النقره
____________________

الهوامش:

1- محمد عابد الجابري: إشكاليات الفكر العربي المعاصر/ مركز دراسات الوحدة العربية ـ طـ 1، ص: 44-47.
2- حلقة من برنامج شاهد على العصر بثتها قناة الجزيرة في2008 للمعني .
3- جمال حماد: أسرار ثورة23 يوليو:دار العلوم للنشر –القاهرة، طبعة: 2010 ص :326.
4- عامر شماخ: الوقائع الإخوانية/ دار التوزيع والنشر/ طبعة 2012 – ص 61
5- أسرار الثورة ـمرجع سابق ص:319/1
6- ريتشارد ميشل: الإخوان المسلمونـ مكتبة مدبولي- طبعة 1977 ترجمة: عبد السلام رضوان ـ ص211.
7- مجلة الدعوة السنة الثانية ـ العدد:76 بتاريخ: 29/7/1952

زر الذهاب إلى الأعلى